كأن الزمن لا يشيخ، أو هو حاضر أبداً بزهوه الماضي وعنفوانه، بكل رموزه وأبطاله وحكاياته التي تحكي الوجع والشتات . لا عودة عن حق العودة، سنظل منزرعين في الأرض كأشجار الزيتون، وسيبقى المفتاح وطابو الأرض في القلب ينتظران بشوق وحنين يوم العودة الذي لابد سيأتي . اثنان وستون عاماً هي عمر النكبة لم تجعل الفلسطيني ينسى، ففي كل يوم يتجدد الأمل في العودة إلى الوطن السليب . إنها فلسطين القابعة في أعماق الوجدان وقعر القلب وتلافيف الذاكرة . إنها عصية على النسيان والتحريف والتزوير . هي فلسطين غير القابلة للحذف أو التقسيم، هي فلسطين من البحر إلى النهر المزهوة بعاصمتها القدس الشريف الوارفة الظلال الحاضنة لمسرى الرسول ومحمد ومهد عيسى . في الذكرى ال 62 للنكبة تفتح الخليج الجرح القومي المفتوح الذي ينزف دماً وألماً .
"وينكم يا عرب؟" صرخة لم يسمعها أحد
عمّان - ماهر عريف:
62 عاما مضت وصور المجازر لاتزال ماثلة أمامهم، عايشوا تفاصيلها الأليمة وتداعياتها الوخيمة وتبعاتها الباقية أبدا، ومع ابتعادهم عن مسقط رؤوسهم وأراضيهم وبيوتهم يزداد حنينهم اليها ويقفون دائما عند أوجه سلبها وفقدان أقارب ومعارف استشهدوا دفاعاً أو سقطت أوراقهم خلال مراحل الحياة .
حرب شوراع
يقول الحاج سليمان حماد (75 عاما): كل الأمور كانت جميلة في بلدتي سلمة قضاء يافا قبل النكبة، عشنا حياة هانئة وهادئة وسط الطبيعة وأنا عملت مع والدي في مزرعة تضم مختلف أصناف الفاكهة والخضار، وطالما أحببت الجلوس تحت أوراق أشجار الليمون لأشم رائحتها وأشاهد منظر شروق الشمس، وأتذكر أن والدتي كانت تساعدنا خلال موسم حصاد الجوافة والبرتقال، وعمتي تتولى بابور طحن القمح ونتبادل مع الأقارب المنتوجات ونبيع الزائد منها في السوق أو نستبدلها للحصول على الحليب والسكر والأرز وغيرها من السلع، ونشتري قماشا تحيكه خالتي ثيابا لي ولأخوتي الأربعة مع اقتراب العيد .
يضيف حماد: بين ليلة وضحاها كل شيء أصبح قبيحاً، وتبدلت حالنا من سيئ إلى أسوأ، فجأة دخلت العصابات اليهودية البلدة وكنا نسمع أخبارا قبل أن نعيش تفاصيلها المفزعة على أرض الواقع، ومن غير مقدمات وجدنا أنفسنا أمام ما يشبه حرب الشوارع اقتلعت الأخضر واليابس، وتعهدت الحمائل الرئيسية في سلمة بتقسيم رجالها إلى مناطق للدفاع، وأنا عشت اجتماعات عائلية ومحاولات حفر الخنادق والبحث عن الأسلحة ووسائل تهريبها بين الفصائل، ولكن دبابات العدو اقتحمت المكان وكانت تحمل شعارات إنجليزية، وعانينا أياماً سوداء استمرت عدة شهور قبل ترحيلنا من وطننا .
ويسترسل: اليهود دخلوا أراضينا وعاثوا فيها فسادا، أحرقوا الأشجار وأقاموا جلسات عربدة حتى الصباح، وكانوا يطلقون النار على من يحاول صدهم، ونحن كان همنا الأساسي عدم ولوج بيوتنا لذلك تجمعت أسر العائلة في منزل عمي، وكان الشبان والرجال يتناوبون على الحراسة ليل نهار، وقد رافقت ابن عمي في إحدى المناوبات وواجهنا ثلاثة غرباء أرادوا السيطرة على محرك المياه الرئيسي وعندما حاولنا منعهم انضم إليهم ثلاثة آخرون وكسروا المحرك واعتدوا علينا بالضرب وتوعدونا شرا .
في اليوم التالي مباشرة اقتحم نفر منهم حرمة البيت، ووجهوا أسلحتهم صوب رؤوس الشباب والرجال، وأهانوا النساء من خلال طلبات دونية بينها تنظيف الأحذية، وأرهبوا الأطفال وضربوهم، وفتشوا جميع الغرف بطريقة هيستيرية حتى أنهم دمروا كل شيء صالح للاستخدام بدءاً من الكراسي وحتى الخزائن وأدوات المطبخ ولوحة لمدينة القدس ورثناها عن والدي رحمه الله، كل الأغراض تحطمت وشعرنا أننا نغتصب في مأمننا، ولم يهدأ الدخلاء حتى عثروا على ابن عمي نائما، ركلوه وألبسوه غطاءً أسود على وجهه وأخذوه عنوة وسط مقاومة محيطة لم تفلح في إنقاذه .
لم نسكت ولم تستكن بلدة سلمة بأكملها في مقاومتها المستوطنين، وظلت المواجهات دائرة في الميدان، مقاومون يقتلون يهودا حاولوا الاعتداء على الفتيات، ويهود يحرقون بيوتا بإطلاق المدافع ويفجرون قنابل وسط الشوارع ويفتحون رشاشاتهم على الجميع بلا استثناء، والمدرسة تحولت إلى ملجأ في شقها الأسفل ومصدر دفاع بين أروقة طابقها العلوي، واستمرت الحال كر وفر بضعة شهور حتى ألقت القوات الصهيونية نشرات تدعو فيها السكان إلى الرحيل والا فالموت حليف الرابضين في أماكنهم .
الرجال خافوا على أعراضهم وأطفالهم وشيوخهم، والشباب بلا ذخيرة بعدما نفذ كل ما لديهم، والأراضي أصبحت يابسة وجرداء، والبيوت انتهكت ودمرت وصارت باحاتها ملاذ المفسدين . . جميع مظاهر الحياة انعدمت، ولم يبق سوى الرحيل .
ويستكمل حماد ذكرياته الأليمة: غادرنا الوطن ظنا أنها رحلة مؤقتة حتى يهب العرب ونستعيد حقوقنا، وأتذكر أن بعض الأسر تركت أغراضها في المخازن معتقدة رجوعها قريبا، وقبيل انتقالنا إلى المجهول أحضروا ابن عمي بعدما عذبوه وحطموا عظامه وشوهوا جسده، وأخبرنا أنهم قتلوا ثلاثة من أقاربنا رميا بالرصاص أمامه، ولم يستطع النوم إطلاقا طوال فترة رحلة التهجير الجماعية مشياً على الأقدام، حتى مات بيننا، ودفناه، ولازمنا وجع إضافي إلى جانب تشريدنا من بلدتنا .
ويردف: رحلة اللجوء كانت الأكثر مرارة في معناها ومتاعبها . . انطلقنا في قوافل تتقاسم المؤن والزاد والمعدات وسط أشجار الزيتون، ومكثنا في مخيمات متنقلة بداية في بلدة بيت نبالا قبل غزوها، ثم افترشنا الأرض قرب اللد وكانت النساء يخبزن حسب المواد المتوفرة، وفي بيت ريما وضعتنا جهات دولية في مبان ضيقة وتكدسنا مثل يوم الحشر، وصرنا نقف بالدور أمام مقر توزيع الطعام والشراب . . بعدها توزعنا وفق معطيات تخفيفية بين مخيمات داخلية وخارجية، وأسرتي ذهبت إلى مجموعة أقارب شرق الأردن، وعمل والدي في إحدى شركات الألبان، وشيئا فشيئا إخوتي، ولم نعد من حينها حيث دفنت أبي وأمي وشقيقي الأكبر هنا، ولا تزال أمنيتي الوحيدة أن يدفنني أبنائي هناك .
لا أوامر
يقول محمود عبد القادر أبو حرب (70 عاما): تعرضنا لخديعة كبرى عندما بادر أحد كبار الكبانية اليهودية إلى الطواف بين أروقة ياسور وتأكيده للأهالي عدم تعرضهم للخطر ويدعوهم للبقاء في القرية ومزاولة حياتهم الاعتيادية وينفي وجود عدوان عليهم، ففي اليوم الثاني مباشرة انتشرت مجموعات عصابة الهاغانا وبقوة المدرعات والرشاشات سيطر أفرادها على الجبهات، وكانت المقاومة فاقدة السلاح المتكافئ، واتضحت نتيجة المعركة منذ البداية .
لم يكتف اليهود بوضع اليد على الأرض لكنهم مارسوا تهديدات مؤداها النيل من العرض وتجاوزت إلى حد قتل الناس في الأزقة بداعي رفض الانصياع للتفتيش وأسباب عديدة كاذبة، وظهرت في الأثناء حركات مقاومة عمادها أسلحة أحضرها مدافعون من مصر نظير جنيهات فلسطينية وبعضها كانت بقايا حرب شهدتها المنطقة سابقاً ولا تصلح للاستخدام، ولم تصمد جميع المحاولات كثيرا وانهارت سريعاً أمام الغارات والاعتداءات وإجبار الناس على الخروج من منازلهم بالقوة ومغادرة ممتلكاتهم عنوة .
يستطرد أبو حرب: شعرنا أننا منساقون نحو مصير مخيف، وكان هناك خياران لا ثالث لهما إما الموت في معركة خاسرة وتعريض النساء والأطفال للاعتداء والمهانة والذل، وإما الرحيل إجبارا، وحتى الاختيار الأول لم يكن متاحا في ظل افتقاد أدنى مقومات المقاومة، وأتذكر أن خالي عبد الواحد خضر حمل البارودة وقبل أن يطلق رصاصة واحدة واجه غارات متواصلة على منزله، ولم تمهلنا العصابات اليهودية أخذ أغراضنا حيث جردونا من أمتعتنا والمصوغات وكل شيء، واكتفينا بحصر أهم الاحتياجات في قفف صغيرة رافقتنا طوال رحلة التهجير البائسة، لكن بعض الرجال كانوا يتسللون ليلا وقبيل الفجر لإحضار أدوات ارتبطت بالتاريخ والعلاقة مع الوطن وأحدهم عاد مصطحبا طاحونة قديمة ورثها عن والدته .
عذاب، وخوف، وحزن شديد . . مشاعر خيمت على المرحلين صوب المجدل ولم نملك حتى قوت أيامنا المقبلة، كنا نتشارك في تبادل ما لدينا من أطعمة وأغطية استطعنا حملها، الرجال محبطون والنساء مقهورات والأطفال يبكون ويصرخون، وعندما وصلنا إلى الحدود المتاخمة مع غزة قطع اليهود الطريق علينا أيضا، وتعمدوا استفزازنا وتعطيلنا والاحتكاك بنا قبل أن يتركونا نغادر، وبعد عناء وتعب وجدنا مساعدات من جهة دولية منحتنا خيماً وداخلها تقاسم أفراد الأسر مساحات مؤطرة، زوج وزوجته وأبناؤهما الثمانية ينامون على الحصير في زوايا ضيقة، و12 أخاً وأولاد عم في خيمة أخرى، والوجبات حبوب زراعية وبعض الخبز .
يختتم أبو حرب حديثه: لم يحتمل المهجرون الوضع، وحصدت الرحلة المقيتة والإقامة الطارئة أرواحا لفظ أصحابها أنفاسهم الأخيرة قهراً وألماً ومرضاً، وحين اتجهنا إلى رفح اعتقدنا أن بوادر أمل لاحت في الأفق حيث وجدنا رجالا يرتدون ثيابا عسكرية عليها كلمات عربية وتوقعنا أنهم هبوا إلى نجدتنا وعندما ناشدناهم سرعة التحرك رد أحدهم والحسرة على وجهه: ما فيش أوامر! . . ومن
حينها أيقنت أن لا فرج إطلاقا وذهب أخي الأكبر إلى الأردن قبل أن يدعونا للحضور تباعا ولم نر بيتنا من وقتها .
مواجهات غير متوازنة
يقول يوسف قطيط 68 عاما: لم تستسلم اللد للمعتدين وسمعنا أن العرب رفضوا قرار التقسيم، ورغم عدم وجود تحضيرات مسلحة منتظمة فإننا عولنا على لجان قومية تردد أن قادة وداعمين للنضال وقفوا خلف تحويلها إلى مهام عملية، وعلمنا أن الثائر حس سلامة كان يحرك الأمور من خارج البلاد حيث أبعدته القوات البريطانية قبل النكبة، وتولى بعض المناضلين تدريب الشباب وأحضروا أسلحة من العراق وسوريا ومصر جميعها خفيفة ومحدودة التأثير، وبادر المساعدون إلى دفع الأموال وإمداد الفدائيين بالطعام والضروريات المطلوبة، ولكن تفاجأ المقاتلون بنقص الذخيرة ونفاذها سريعا وحين طلبوا المزيد لم تصلهم الاستجابة من مصادر القوات العربية .
سمعنا أن هناك هدنة وهدأت المواجهات فترة وخلالها احتل اليهود أهم المرافق الحيوية في اللد ونشبت معارك غير متوازنة في مناطق متفاوتة، وذات ليلة أطلقت أبواق الخطر وهوجمت البلدة من جهتها الشرقية وشارك أفراد عرب في محاولة صد الهجوم، وبعد ساعات من المنازلات تواصلت حتى عصر اليوم التالي توغل المحتلون في كل مكان وأطلقوا الرصاص في الهواء وجرفوا بمصفحاتهم من يقف في وجوهم، وأدركنا لاحقا أن عددا منهم تنكروا في ملابس الجيش العربي .
ويضيف قطيط: صدرت من مكبرات الصوت تعليمات تشدد على التواجد في مراكز العبادة والتدريس، وصدر قرب إحداها حيث تواجدت مع عائلتي ضجيجا مفزعا نتيجة تبادل إطلاق النار، وعندما أطل النهار رأينا اليهود بأعداد كبيرة في كل شبر ضمن البلدة القديمة وجثث بعض الشباب والشيوخ والأطفال مسجاة على الشوارع، واقتحمت العصابات البيوت ونهبت كل شيء وأسرت من حاول المقاومة، وجاء عمي واضعاً على دابة صغيرة ما خف حمله وأخذنا معه . وأثناء الرحيل شاهدت بعيني جنديا يهوديا يفتح النار على شاب حاول منعه من سرقة حلي إحدى قريباته، وبكيت على بكائها ولم أعرف مصيرها .
على الطريق تعرضنا للتفتيش وكان ابن عمي حديث الولادة وأمه متعبة كثيرا، وإزاء صراخه طلب يهودي إسكاته وإلا قتله بيده، واضطرت شقيقتي إلى وضع كفها على فم الرضيع حتى تجاوزنا المكان، وذهبنا جهة حدود نعلين ووجدنا أمثالنا شردوا من مواطنهم، والتقينا على الانكسار والخيبة . حتى جاءت شاحنات مساعدة أقلتنا إلى رام الله ومنها غادرت أسرتي إلى غزة ثم عمان .
وينكم يا عرب؟
تقول رضية أسعد (78 عاما): أنا من عجور، ونحن عشنا أياما قاسية بعدما وصلتنا أخبار حول احتلال دير ياسين، حيث تفشت حالة من الإحباط وانهارت معنوياتنا وأحسسنا بإرهاب في نفوسنا ولم نذق طعم الاطمئنان والأمان مع تداول الناس معلومات تؤكد اقتراب دخول اليهود أراضينا، ولم نستطع لملمة الأمور حيث أحاطنا الخراب من كل جهة وناحية . وتزيد: دخل اليهود مع غروب الشمس التي لم تشرق علينا كما عهدنا سابقا أبدا، وأصبح السكان يستنجدون: وينكم ياعرب؟ وتعرضنا لانتهاكات طالت الأهالي وممتلكاتهم، واقتحمت مجموعة بيتنا وأخذوا والدي وأخي الصغير وأحد أقاربنا بداعي تحريضهم على قتل أفراد الهاغانا، ودفع أحدهم والدتي بعدما صرخت في وجهه وسقطت على مصباح الإضاءة فانكسر وجرحت جبهتها، وطلبوا منا ترك المكان قبل حرقه بمن فيه وتحويلهم جميعا إلى رماد .
اختلط الحابل بالنابل ولم نعرف طريق الخلاص، وحاولنا بلا جدوى البحث عن المعتقلين حتى أعادوهم عقب فترة بعدما أذاقوهم التعذيب على أنواعه، وحذرونا أكثر من مرة بوجوب الرحيل طواعية وتوعدونا سوءا، واجتمع بعض الكبار للتشاور وتحديد ما يجب فعله، وتمخضت اللقاءات عن لا شيء يمكن إنجازه لأن لا حول ولا قوة للشعب، وظهرت أوجه مقاومة وئدت في مهدها لعدم توفير متطلبات إنجاحها أو الإسهام في استمرارها بقوة .
جاب يهود وإنجليز البلدة وفرضوا طلبات تعجيزية في توفير ذهب ومصوغات وكامل الإمكانات لدى الأسر مقابل منحهم فرص البقاء، وبعدما اقتنصوا الحلال وكل ما تضمه خزائن ومخازن البيوت هددوا الناس ودفعوهم بشدة للخروج والرحيل، وتفرق المهجرون ناحية قرى مجاورة، ونحن اتجهنا إلى حلحول قبل احتلالها ومكثنا هناك عدة شهور وعمل الرجال في حرف يدوية، ونزحنا تاليا إلى أريحا وسكنا في سقيفة حيث ساعدتنا وكالة اللاجئين في تقديم الخشب وقصب البوص وانتقلنا لاحقا إلى الأردن نجر أذيال الحسرة .
أرض وعرض
يقول محمود عبد الهادي القارب (85 عاما): لم نعش يوماً هانئاً واحداً منذ دخول العصابات علينا، ولم نستقر وظللنا ننتقل من مكان لآخر بلا استكانة، نحن تركنا تل الصافي بعدما أعطونا أسلحة بدائية ومعطلة وكانت عبئاً إضافياً علينا لأننا اعتقدناها مصدر خلاصنا فخذلتنا، ووصلتنا نصائح من قوات عربية بضرورة المغادرة لأن المستقبل حالك السواد، وتناوب الرجال والنساء والأطفال في حمل الأمتعة والأغراض وتحمل الإرهاق النفسي والجسدي عدا الشعور بانتزاع الأرض التي نعتبرها بمثابة العرض .
ذهبنا إلى قرية بعلين ثم ذكرين وأخيراً جبرين قبل احتلالها على التوالي وبقى المقاومون في الداخل نسمع أخبارا عن مهاجمتهم وسقوطهم تباعا، وأتذكر أن أحد الموجودين في خيام الشتات اقترب مني عند صلاة الفجر وهمس في أذني بأن شقيقي استشهد في مواجهته للمعتدين فتحشرج صوتي لحظات ولم أرد إطلاقا عدا ترديد إنا لله وإنا إليه راجعون ومن حينها يظهر أخي في أحلامي أحياناً يطلب مني العودة التي هرمت في انتظارها بلا أمل في تحقيقها بعدما تنقلت بين مخيمات الشتات في الأردن أكثر من نصف قرن .
الحق الفلسطيني لا يقبل التفويض ولا يسقط مع التقادم
دمشق - الخليج:
غسان عبود أمين منظمة اتحاد لجان حق العودة (حق) قال: اثنان وستون عاماً مرت على نكبة شعب فلسطين وشعوب الأمة العربية في العام ،1948 عاش فيها أبناء الشعب الفلسطيني مآسي يومية متواصلة، في ظل عدالة غائبة، وصمت دولي، وعربدة إسرائيلية تتزايد يوماً بعد يوم، واختلال في موازين القوى، وتسليم عربي بالأمر الواقع، وأحداث ووقائع هددت ركيزة أساسية من ركائز الحقوق الوطنية الفلسطينية، وحقوق الغالبية من أبناء شعب فلسطين، الذين طردوا من أراضيهم في العام ،1948 وما بعده، لتقام على أنقاض منازلهم تجمعات المستوطنين، وفي أرضهم مزارع ومصانع تنتج من نسغ الأرض وخيراتها ثروات للقادمين من أصقاع الأرض، ورهانهم الدائم على أن يموت الكبار فينسى الصغار، لكن الحقيقة غير ذلك، فذاكرة اللاجئين الفلسطينيين ممتدة ومتجددة ولا يضعفها التشريد واللجوء .
واليوم وبعد ما يزيد عن ستة عقود، ومع من انتقل من كبارنا إلى الدار الآخرة، ومع من مازالوا منهم على قيد الحياة يتحدثون عن مدنهم وقراهم وموانئهم وبساتينهم وبياراتهم التي أخرجوا منها، ويروون الحكايات ويرددون الأمثال ويتغنون بالعتابا والميجنا وزريف الطول الذي يرمز للفلسطيني العائد . وهنا تأتي أهمية الذاكرة الفلسطينية في توثيقها لرواية كبار السن من الفلسطينيين، لتربط ما بين شاهد وآخر،فتنسج بذلك في صورة كاملة تدعم الحق وتظهره، إلى جانب تعزيز رؤية الأجيال القادمة لحقوقهم، وكجزء من مجمل نضالات شعب فلسطين لاسترداد أرضه، والعودة إلى ربوعها، وبناء دولته المستقلة، التي قدم من أجلها الكثير من التضحيات .
فوزي محمد الشيخ أحمد أبو بسام من مواليد ترشيحا ،1931 يقول: نحن اليوم كلاجئين نعيش في حالة قلق عميق على مصير قضيتنا، وذلك لأن حق عودتنا إلى أراضينا المحلة في العام 1948 مستهدف وللأسف الشديد في الدوائر الرسمية الفلسطينية العربية والدولية، لكن عزيمة شعبنا مازالت وستبقى صلبة في تمسكها بحق العودة، لأنه حق لا يقبل التفويض ولا التقادم، وهو حق فردي سيظل قائماً ما بقي فلسطيني واحد على وجه المعمورة . أما بالنسبة للذاكرة الفلسطينية، فمازالت ذكرى النكبة تضغط على الذاكرة الفلسطينية وكأنها حدثت بالأمس .
أنا من قرية ترشيحا التي تبعد عن مدينة عكا حوالي 30 كم، والتي تقع في منطقة جبلية، ويحيط بها جبل الشيخ مجاهد، وجبل أبو سعد، والشيخ قبيص والبياض، كما يحدها من الشمال بلدة معلايا، ومن الشرق سحماتا، ومن الجنوب ينوح ومن الغرب الكابري، وكان عدد سكانها يبلغ (3000) نسمة يعمل معظمهم في الزراعة .
وشارك أبناء قريتنا في الثورة الفلسطينية الكبرى في العام ،1936 واستشهد من بينهم الكثيرون، أذكر منهم شاب كان يسمى الزرعي وشاب يدعى محمود عيدا، الذي استطاع أن يقطع الطريق على قوات الاحتلال البريطاني ومنعها من التقدم نحو ترشيحا .
كما أذكر أنه في أول يوم خميس من شهر مايو/أيار ،1948 بدأت الطائرات الإسرائيلية تقصف ترشيحا بالقنابل الثقيلة، وهذا ما أجبر أهالي ترشيحا على الخروج من قريتهم، لأنهم لم يكونوا يملكون أسلحة يواجهون فيها هجمات الطائرات، هذا بالإضافة إلى أخبار المذابح التي كانت ترتكبها العصابات الصهيونية في القرى التي احتلتها . وبعدها بدأت رحلة اللجوء والشقاء حيث توجهنا إلى مدينة صور في جنوب لبنان، حيث ركبنا القطار إلى مدينة حماة وسط سوريا . وكل ما أتمناه اليوم وما تمنيته طيلة حياتي أن أعود شهيداً إلى فلسطين كي يذوب جسدي في ترابها الذي نبتُ منه، وحتى تسبح روحي في سماء ترشيحا التي لم تفارق ذاكرتي وخيالي ولو للحظة واحدة .
ذكريات
محمود عوض سخنيني مواليد طبريا ،1930 يتذكر أيام الصبا قائلاً: تبقى طبريا ببيوتها وشوارعها وأحيائها وبساتينها وشاطئها وملاعبها، الحب الأول والأخير، مازالت أذكر بيتنا ومكتبة والدي ومدرسة حكومة فلسطين التي درست فيها، وكانت تحتوي على صفوف حتى الحادي عشر (ثاني ثانوي)، ومقهى العكاوي وسط المدينة، ومقهى محمد حسن على شاطئ البحيرة . وأذكر أني كنت أتابع أهم ثلاثة صحف في فلسطين وهي جريدة الدفاع وجريدة فلسطين وجريدة القدس .
وأتذكر وكما لو أن ذلك وقع بالأمس- مشاركة أبناء مدينتنا في ثورة العام 1936 وما تلاها، أتذكر بعض الثوار ك(أبو شام) و(منير برش) و(صبري العنكوش) و(أبو معروف) و(أبو صخر جمال) حين قاموا بتفجير مركز مهم للإنجليز، (نادي السباحة)، وقتلوا العديد من البريطانيين، وأذكر مشهد الأسقف وهي تنهار فوق جنود الاحتلال البريطاني . وكان الثوار يعتقلون كل من يتعامل مع الاحتلال البريطاني، وكل من كان يضبط بالتعامل مع المستوطنين اليهود كان يحكم عليه بالموت .
وأتذكر واحدة من المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، فقد رأيت بيوت عشيرة عرب ناصر الدين تحترق، والجثث متناثرة، حيث فاجأت العصابات أبناء العشيرة بهجوم مباغت، واستخدمت ضدهم القنابل الحارقة والأسلحة الحديثة .
وما كان للمشروع الصهيوني أن ينجح لولا تواطؤ قوات الاحتلال البريطاني معهم، فالبريطانيون كانوا يغطون على العمليات الإرهابية التي تقوم بها العصابات الصهيونية، وبالمقابل كان البريطانيون يضربون بيد من حديد، ويهاجمون القرى والأحياء برشاشات (هوشكيز واوماشيغان) من المدرعات، إذا خرجت طلقة واحدة من مقاومين فلسطينيين . وكانت عائلتنا آخر عائلة تخرج من الحي الذي كنا نقطن فيه، وتوجهنا إلى مدينة الناصرة، واستقررنا مؤقتاً في مدرسة (الأرض المقدسة)، حيث اجتمع العديد من أهالي المدن والقرى المحتلة مثل صفد وطبريا وبلد الشيخ ولوبية .
وعندما خرجنا من طبريا لم نأخذ معنا شيئاً إيماناً منا بأن العودة ستكون قريبة، فقد كان جيش الإنقاذ موجوداً على رأسه فوزي القاوقجي، الذي بقي في الناصرة أكثر من ثلاثة أشهر، حيث جعلها قاعدة له لمحاربة العابات الصهيونية، وأتذكر أنه منع التجول لوصول النجدات العربية القادمة من شفا عمرو، وفوجئنا بأن هذه النجدات لم تكن سوى إرهابيين من العصابات الصهيونية لبسوا الزي الأردني، وفور وصولهم إلى الناصرة باشروا قتل الناس الذين خرجوا لاستقبالهم ظناً منهم أنهم مقاتلين عرب، وقتل في هذه المجزرة ما يقارب (20) شخصاً وجرح (30) آخرون .، ثم أذاع إرهابيو العصابات الصهيونية بمكبرات الصوت أن على كل عربي يملك سلاحاً أن يسلمه، ومن لا يفعل ذلك سيعرض نفسه للموت، وأعلن الصهاينة عن منع تجول في المدينة .
المؤامرات
مصطفى إبراهيم يوسف (مواليد 1928قرية الزيب شمال فلسطين) يروي قصة تهجيره بالقول: كانت قرية الزيب تعتبر صلة وصل بين فلسطين ولبنان عبر محطة القطار التي كانت موجودة فيها، وكما قرى ومدن فلسطين، ناضلت الزيب ضد الانتداب البريطاني والاستيطان اليهودي، وأتذكر أنه في إحدى العمليات قامت مجموعة من الأهالي بوضع لغم تحت سيارة للجيش البريطاني، وقتل نتيجة ذلك ثلاثة من جنود الاحتلال، فقامت القوات البريطانية بمحاصرة القرية، واعتقلت جميع رجالها، وتم سوقهم إلى معتقل إقرت، وبعد أيام من اعتقالهم وضعوا عشرين شخصاً منهم في باص يقوده عربي، وزرعوا لغماً على الطريق انتقاماً من العملية الجهادية، فانفجر اللغم بالباص فاستشهد عشرة أشخاص، وأصيب العشرة الآخرون بجراح بليغة .
وأتذكر أيضاً أن المجاهدين نصبوا كميناً لسيارتي مستوطنين كانتا متجهتين من نهاريا إلى حيفا، فقتل عشرة مستوطنين على الأقل، واستولى أهالي الزيب على السيارتين وعندما اشتد الصراع مع المستوطنين نصب أهالي قريتي الزيب والكابري كميناً لقافلة من العصابات الصهيونية، ودارت معركة بينهم شارك فيها جيش الإنقاذ، حيث جرى تدمير القافلة بالكامل، وبقي الصراع بيننا حتى 15 مايو/أيار ،1948 عندما أتت قوة كبيرة تقدر ب60 آلية، جرت إثرها معركة اضطرت المجاهدين للانسحاب، بعد أن سقط من بينهم (15) شهيداً . وباختصار لقد قدم شعبنا الكثير من التضحيات لكن المؤامرة الدولية كانت أكبر من طاقته على التحمل .
الصمود
عثمان رضوان السهلي (مواليد 1935 بلد الشيخ قضاء حيفا) يقول: قدرنا كفلسطينيين أن نعيش كل تلك الأحداث العاصفة والمتقلبة التي مرت بها قضيتنا الفلسطينية، وبكل فخر أقول لقد استطاع شعبنا الصمود في المواجهة رغم أن الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية لم تكن لصالحة في يوم من الأيام .
في جعبة الذكريات حول قريتي (بلد الشيخ) أحمل الكثير من الأحداث التي لا يمكن أن تشطب من الذاكرة، البعض عايشتها والبعض سمعتها من الأكبر سناً، ومن هذه الذكريات أن قائد الثورة الفلسطينية الكبرى الشيخ عز الدين القسام كان إماماً لجامع الاستقلال في حيفا، ويتردد كثيراً على قريتنا، وجمعته علاقات وطيدة مع أهلها، وبينه وبين آل السهلي علاقة نسب . وكان الشيخ القسام يعمل مع الناس في أعمالهم الزراعية، إضافة إلى تنظيم الشباب والإشراف على تدريبهم، في مرحلة التحضير لثورة العام ،1936 علماً بأنه كان في محيط قريتنا أربعة معسكرات لقوات الانتداب البريطاني،، وقد هاجمها الثوار عدة مرات للاستيلاء على بعض الأسلحة والعتاد الحربي، مما دفع البريطانيين لمداهمة قريتنا واعتقال عدد من أبنائها . وكان البريطانيون يحمون التدريبات العسكرية التي يقوم بها المستوطنون اليهود في مستوطنة (ينشر) بالقرب من قرية الياجور المجاورة لقريتنا، وأتذكر أن المستوطنين كانوا يمارسون التدريب في شكل فرق كشفية في البداية، ومن ضمن تدريباتهم التدريب على السلاح بخبرة وحماية من قوات الانتداب البريطاني . وفجرت العصابات الصهيونية مستودعات شركة (الريفنري) لتكرير النفط والتابعة للبريطانيين، وأوقع التفجير ما يقارب (18) قتيلاً وجريحاً من الشباب العرب العاملين في المستودعات . واشتدت المواجهات في العام ،1947 حيث شارك متطوعون عرب في مقاومة الانتداب والاستيطان اليهودي . وقامت العصابات اليهودية الصهيونية بزيادة عدد المذابح التي ترتكبها ضد الفلسطينيين، ومن هذه المذابح تفجير سوق الخضار في حيفا حيث سقط عدد كبير من الشهداء والجرحى، وكان من بين من استشهدوا شقيقي الأكبر إبراهيم .
تغريبة أبي سعيد وأم محمود
القدس المحتلة - وديع عواودة:
ولدت الحاجة أم محمود في العام 1918 في قرية نمرين المهجرة وتزوجت فيها، بعد أربعين يوماً ترملت من جراء وفاة زوجها في حادث .
بواسطة الشيخ الراحل سالم صقر من كفركنا، إمام المسجد في نمرين، تزوجت أم محمود ثانية بأبي السعيد الكناوي الذي كان، هو الآخر، قد فقد زوجته الأولى بعد صراع طويل مع المرض . في كفركنا عاشت بضع سنين ولم تكن تعي ما ينتظرها . . صبية في مقتبل العمر ربما امتلأت بهواجس الاغتراب، فكيف تتدبر أمورها بعد الانتقال من حضن عائلتها إلى عائلة زوجها في بلدة أخرى . وما أن تغلبت على تبعات الانتقال للبيئة الجديدة وألفتها حتى دهمتها النكبة وأفقدتها العائلتين معاً .
كررت أم محمود على مسامع حفيدها، كاتب هذه السطور، قصة التغريبة والتهجير عن الوطن وتبدو اليوم محاولة نفسية لتفريغ حمولات وشحنات تراكمت بفعل زلزال النكبة وحفظاً للرواية الشفوية .
في تموز 1948 سقطت كفركنا بعد حصار ومعركة دامية في جهتها الشرقية . لم تهجر البلدة لكن الكثير من أهاليها نزحوا عنها، بعضهم عاد فيما منع الآخرون من العودة وبقوا لاجئين في صبرا وشاتيلا والنيرب والبارد والدنمارك والعراق والولايات المتحدة وسائر أصقاع الدنيا .
لم تطوق جهة الشمال من البلدة من قبل المحتلين حتى صار جنوب لبنان وجهة النازحين .
كانت أم محمود تسير في طابور النازحين المهجرّين تاركة خلفها كل شيء عدا مشاعر التعب والخوف . بين جبال الجليل حثت خطاها طوال أيام في دروب وعرة وفي حضنها عزيز، طفل صغير (أربع سنوات) فيما كان شقيقه محمد (سبع سنوات) يمسك بتلابيب فستانها يبلله ببكاء صامت لا أحد يدري به غيرها وغير الله من جراء الخوف والجوع . أما محمود ابن التاسعة فكان يسير على الأقدام تارة ومحمولا على أكتاف والده أو شقيقه البكر سعيد، تارة أخرى .
في بنت جبيل نمنا تحت أشجار التين، تستعيد أم محمود بلهجة لا تخلو من المرارة، على رغم امتيازها بالصبر والجلد والتسليم بالنصيب .
مكثت العائلة في بنت جبيل أربعة أيام، من هناك رحلت العائلة كعشرات آلاف العائلات من مكان إلى آخر حتى بلغت مخيم النيرب بجوار حلب، وسكنوا في بركسات من مخلفات الانتداب الفرنسي . لم تعجب أبا السعيد عيشة اللاجئين واصطفافهم بطابور انتظاراً لرغيف . . فغادرت العائلة المخيم نحو الجنوب، إلى قرية تسيل على سفوح جبل الشيخ الشرقية حيث يقيم بعض أقاربها من قبل النكبة، وهناك أيضاً ظل أبو السعيد منقبضاً كعضلة اليد . . وروت أم محمود أن ولدها الطفل محمود مرض من جراء تلوث ماء الشرب التي انتشلت من بركة مشتركة للإنسان والحيوان .
بعد أيام قرر أبو السعيد التوجه نحو أقارب زوجته من نمرين كانوا يقيمون في الأردن قبل العام ،1948 فاستقبلهم محمود خلف،عديل أبي السعيد .
خلال إقامتها في قرية عالعال شمال الأردن أنجبت أم محمود أصغر أبنائها أحمد . وبعد حوالي العامين شدت العائلة الرحال من جديد نحو الوطن بعدما اتفق أبو السعيد، رب العائلة، مع بعض المهربين على تيسير طريق العودة مقابل بضع ليرات تم توفيرها بدموع العين وعلى حساب كفاف خبز أطفاله . نجح المهربون بمساعدة العائلة في خوض نهر الأردن عبر نقطة تعرف بانخفاض منسوب مياهها وتدعى مخاضة العبد سعيد . ويستذكر عزيز طفولته المصعوقة في تلك الليلة : ركبوني على حصان أزرق وطلبوا أن أمسك الرسن جيداً وأن أحدق بالسماء لا بالماء وأمي من خلفي تحمل بحضنها أخي أحمد .
لكن الدورية الإسرائيلية دهمت النقلة الأولى من العائدين وفرقت شملهم قبل اكتمال خوض النهر فتقطعت أوصالها على شطري النهر بين الأردن وفلسطين .
استمرت أم محمود مع أطفالها برفقة أحد المهربين نحو سهل بيسان، كان محمود ماشياً ومحمد وعزيز كل في خرج على ظهر الحصان وأحمد بحضن أمه طفلاً . . وطوال الوقت كانت تبحث عن حيلة لإقناع أطفالها بتحاشي البكاء ولكن دون جدوى، وهي تحاول طمأنتهم أن والدهم أبا السعيد سيلحق بهم للتو . ولما نفد صبر المهرب لم يتورع عن إشهار بندقيته الألمانية في وجه الصغار مهدداً بإطلاق النار عليهم لأن الليل بودّي والبكاء يعني افتضاح أمرهم وتعريض الجميع للخطر . لكن الدورية الإسرائيلية أحست بالمتسللين وهم وسط أرض صعبة المخاض كانت حرثت للتو حرثاً عميقاً في مرج بيسان .
تحت جنح الظلام واصلت أم محمود المسير وعاد نصف العائلة لكفركنا بمساعدة أبي نايف الزعبي من سولم الذي احتضن أبناء صديقه أبي السعيد في تلك الليلة وحينما علم بمداهمة الشرطة للبلدة بحثاً عن متسللين، أمن الأطفال من كفركنا في مقبرة البلدة برفقة أحد أقربائه، وقبل أن انقشع الليل وبان النهار حرص على إعادتهم لبيتهم في كفركنا حيث وجدوه قد استوطنته عائلة مهجرة أخرى من بلدة مجاورة .
وفي نهاية رحلة الشتات علق رب الأسرة أبو السعيد في الأردن فيما عادت زوجته أم محمود وأطفالها إلى كفركنا حيث كان الشيخ المسن محمود والد أبي السعيد، في استقبالهم .
وبغياب رب الأسرة اضطرت أم محمود وعصافيرها تقاسم البيت مع لاجئين من صفورية استوطنوا في البيت حتى تدبروا أمرهم وغادروه نحو بيت آخر .
اللقاء الأول
طوال الفترة من النكبة إلى النكسة، انقطعت الصلات بين شطري العائلة فكان اللقاء الأول مفجعاً . عدة مرات اختزل ابن الحاجة عائشة، محمد، قصة النكبة على مسامع أولاده وأقربائه من الأجيال الصاعدة باستذكار ذاك اللقاء المروع فقال: في نهاية الستينات علم مانويل (مهاجر من أصل ألماني قتل والداه في المحرقة) المعلم، صاحب العمل الذي عملت لديه في تل أبيب بقصتنا أنا ومحمود وعزيز فتدبر أمر تنسيق زيارة مع الصليب الأحمر للمشاركة في لقاء الأقارب: الباقون واللاجئون في الشتات في بوابة مندلباوم في القدس . طار بنا عزيز بسيارة أمريكية الصنع من نوع ديملر وبجانبه جلس مانويل فيما جلست ومحمود في المقعد الخلفي . في البداية رفض مانويل أن أتولى قيادة السيارة . أخاف أن تقود تحت تأثير الهيجان العاطفي قال، لكن عزيز أصر على أن يقود السيارة فكانت هذه تلتهم الطريق من تل أبيب إلى القدس كالعفريت مدفوعة بماتورها الكبير وبلهفة عزيز للقاء الأب الغائب المغيب منذ 20 عاماً .
ورغم سرده للقصة مرات كثيرة كانت استعادتها تثير عاصفة من المشاعر في دواخله كل مرة من جديد فتابع بأسى: ما أن وصلنا حتى خرجنا من السيارة قبل أن تتوقف عجلاتها، وسرعان ما انطفأت اللهفة وتبدلت بحسرة جديدة لم نذق طعمها من قبل، فقد اكتشفنا بالدقيقة الأولى أننا لا نستطيع معرفة والدنا وتشخيصه من بين جموع الوافدين من سوريا ولبنان والأردن . . فقد تغيرت ملامحه ونحن الأطفال بتنا شباباً . . لم نكن نعرفه أهو أبيض أم أسمر . . طويل أم قصير . . فانتظرنا حتى التقى كل حبيب بمحبوبه، ولقي كل من الوافدين ضالته، ولحظنا شيخاً يتطاير الشرار من عينيه ويحوم حائراً كطير فقد عصافيره . . فهو أيضاً يعجز عن استدراك تبعات البعد وتوالي الأيام وما تركته في أطفاله . في تلك اللحظة اندفع محمود نحوه بقوة العاطفة ونحن نجري خلفه فقّبل أيدينا الممدودة عبر الفتحات الصغيرة في سياج حديدي ثبت بالمكان للحيلولة دون لقاء الأب بابنه، والذي صار بقاموس المحتلين أداة لمنع الفوضى والتسلل غير المشروع . . .فيما كان مانويل اليهودي الناجي من المحرقة يقف جانباً ويرمقنا بنظرات خجولة مشفقة . وحينما سأله محمود عما إذا كان يتعرف أولاده خربط بين عزيز ومحمد . . لكنه ظل يحضننا بقوة ويستنشق رائحتنا برفق وحنان الأبوة .
دخل أبو السعيد العائد لكفركنا برفقة أبنائه وكانت ساحة داره تعج بالناس والطبل والزمر ينبعث من جنبات البيت، وخال أبو السعيد أن كل ذلك كان ابتهاجا بعودته فقط حتى علم بالمفاجأة .
خرج أحمد، المولود عام 1948 في الأردن وفرقت النكبة بينه وبين والده قبل اكتمال العام الأول من عمره، لملاقاة الأب وارتمى في حضنه مرتدياً ثياب العريس، فاختلطت دموع الأسى والفرح، واحتفل أهل الحي والبلدة بالعريس وبوالده العائد فصار العرس عرسين .
بعدما هدأ أبو السعيد من روعه روى لأبنائه الشباب عن إخوة لهم لم يعرفوهم بعد . . . هناك في الأردن بعدما طال انتظار العودة تزوج من فضية، وأنجب أربعة أبناء وبنتين .
ورغم رباطة جأشه وشدة بأسه كان الدمع يغالب أبا السعيد أكثر من مرة وهو يعبر عن محنته المزدوجة خلال زيارته التي دامت نحو الشهرين، ولم يبق أحد من أهل البلدة إلا وجاء لزيارته وطلب تكريمه .
ويغتنم الأخوان سعيد ومحمود مزاج الدعابة ليردا عليه بدعوته أن يبقى ويجدد زواجه بأم محمود التي تقاطعهما قبل أن ينبس أبو سعيد بكلمة معبرة عن عزة نفسها: النفس محلها ولو شح زادها . . .
بعد تحوله للاجئ في الأردن ظل أبو السعيد أعزب طوال ثماني سنوات، راجيا أن تعاد له الأوطان فيعود . فيما كانت أم محمود ترسل له الرسائل مع بعض أبناء البلدة ممن أتيحت لهم زيارة الأردن وقتها بأن يتزوج هناك وتبلغه أنا مسامحتك تجوز . . .
من جهتها اعتنت أم محمود بأولادها وعزفت عن الزواج مجدداً غامرة أولادها وأحفادها بحب وافر، فرحمة الله عليها وعلى أبي السعيد الذي وافته المنية مغترباً منفياً في عالعال .