قليلات هن النساء اللواتي يضارعنها في النسب، فهي ابنة خليفة، وزوجة خليفة، وأخت لأربعة خلفاء. إنها فاطمة بنت عبد الملك التي قال عنها المؤرخون: النسيبة الحسيبة، كانت من أحسن النساء، وذات عقل كبير وتديُّن عظيم، بارعة الجمال، تقية ورعة متواضعة، ومثابرة على الطاعة ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، صحبت زوجها عمر بن عبد العزيز فأحسنت صحبته، وصبرت معه على زهد وتقشف، وروت عنه أشياء كثيرة.
في صباح أحد الأيام، اشتد المرض بأخيها سليمان بن عبد الملك، وأحس الجميع بأنه أشرف على الموت، فطلب مستشاره رجاء بن حيوة الاختلاء به، ثم خرج المستشار ومعه الفجيعة والبشارة، الفجيعة بنعي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك والبشارة بتسمية عمر بن عبد العزيز أميراً للمؤمنين، ومن بعده يزيد بن عبد الملك.
الواقع الجديد
تغيرت حياة عمر بن عبد العزيز ومعه زوجته منذ تلك اللحظة فقد تحول هذا الشاب المرفه المتمتع بالملهيات الحلال، إلى زاهد في الدنيا وما عليها، ليدخله الله جنة عرضها السماوات والأرض. فبعد ثلاثة أيام من توليه الخلافة دخل الخليفة الجديد بيته وقد أنهكه التعب والسهر على مصالح الرعية وقال لزوجته: يا فاطمة، قد نزل بي هذا الأمر، وحملت أثقل حمل، وسأسأل عن القاصي والداني من أمة محمد، ولن تدع هذه المهمة فضلة من نفسي ولا من وقتي أقوم بها بحقك علي، ولم تبق لي أربا في النساء، وأنا لا أريد فراقك، ولا أؤثر في الدنيا أحداً عليك، ولكني لا أريد ظلمك، وأخشى ألا تصبري على ما اخترته لنفسي من ألوان العيش، فإن شئت سيرتك إلى دار أبيك.
قالت: وماذا أنت صانع؟
قال: إن هذه الأموال التي تحت أيدينا وتحت أيدي اخوتك وأقربائك أخذت كلها من أموال المسلمين، عزمت على نزعها منهم وردها إلى المسلمين، وأنا بادئ بنفسي، ولن استبقي إلا قطعة أرض لي، اشتريتها من كسبي، وسأعيش منها وحدها، فإن كنت لا تصبرين على الضيق بعد السعة، فالحقي بدار أبيك.
قالت: وما الذي حملك على هذا؟
قال: يا فاطمة، إن لي نفساً تواقة، ما نالت شيئاً إلا اشتهت ما هو خير منه، اشتهيت الإمارة فلما نلتها اشتهيت الخلافة، فلما نلتها اشتهيت ما هو خير منها، وهو الجنة.
قالت: اصنع ما تراه فأنا معك، وما كنت لأصاحبك في النعيم، وأدعك في الضيق، وأنا راضية بما ترضى به.
استيقظت فاطمة على الواقع الجديد الذي فرضته أعباء الخلافة على زوجها الحبيب، وأدركت أنها الآن لا تقف أمام ابن عمها الأمير الأموي المدلل.. بل تقف أمام حفيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. وأنها منذ هذه اللحظة مقبلة على حياة ربما لن ترتضيها الكثيرات من النساء حين تطغى الدنيا بزخرفها الفاني على نعيم الآخرة الباقي عند ضعيفات النفوس.
ويذكر لفاطمة بنت عبدالملك أنها عندما خيرها زوجها عمر بن عبدالعزيز بين حياة القصور وحياة التقشف، أبت إلا الرضا بما اختاره زوجها الحبيب لتتوج حبها في الجنة حين تصبح أجمل الحوريات وأحبهن إلى قلب زوجها.
خير عميم
جاء التحول السريع لحياة فاطمة من سيدة آمرة ناهية إلى امرأة بسيطة تغسل ثوب زوجها الأوحد الذي لا يملك سواه.. وتعجن العجين وتطهو الطعام بلا خدم ولا حشم.. راضية النفس مطمئنة البال باختيار لم يغير حياتها فحسب بل غير نظام الحكم الأموي في زمن وجيز لم يتجاوز العامين وبضعة أشهر، وشعر بهذا التغيير أهل الأرض قاطبة.. فقد هدأت له النفوس وعم الخير أرجاء البلاد من أقاصي الشرق عند نهر سيحون إلى أقاصي الغرب في المغرب والأندلس.. حتى إن عامل الخليفة على الصدقات كان يطوف بالصدقة فلا يجد من يقبلها.
جاءت اعرابية ذات يوم تريد لقاء الخليفة فدلها الناس على بيته البسيط.. فطرقته لتفتح لها الباب امرأة امتلأت يداها بالعجين.. فسألتها الأعرابية عن الخليفة عمر بن عبدالعزيز، فطلبت منها المرأة أن تنتظر للحظات ريثما يأتي الخليفة.. وإذا بجانب حائط البيت رجل يصلح الدار، وقد علقت بقع الطين بيديه وثوبه.. فنظرت الأعرابية إليه مستغربة من جلسة هذه المرأة التي تعجن العجين أمام هذا الطيان الغريب من دون أن تستتر منه.. فبادرتها بالسؤال عن هذا الطيان كيف تجلس أمامه. فأجابتها ضاحكة: إنه أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز وأنا زوجته فاطمة.
تلك هي سيدة بني أمية التي حفرت في أعماق التاريخ بصمات واضحة لحسن الاختيار.. فكانت نبراساً يهتدي بها نساء المسلمين إلى قمة العظماء.
الله أكبر، فاطمة سليلة الخلفاء ترضى بحياة الفقر، لأن زوجها رضي بها، ورآها الطريق للجنة، يا ترى، كم امرأة سترضى العيش مع زوجها إن قرر التخلي عن كل ما يملك؟ كم امرأة سترضى العيش في الفقر بعد الغنى، وفي الضيق بعد السعة؟ تقوم بنفسها بعجن الطحين، وخبز الخبز، ويقوم زوجها بوضع الطين في ثقوب الحائط، بعد أن كان الخدم يقومون بكل أمور البيت، كم امرأة سترضى بأن تبدل قصرها، بدار من طين متوارية خلف المسجد لا تملأ عين الناظرين؟