تحرص إسرائيل واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، على الادعاء بأن مصالح البلدين متطابقة دائماً، بحيث يبدو الدفاع عن الكيان الصهيوني، دفاعاً عن التراب الأمريكي .
ولكن جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية، وأحد مؤلفيْ كتاب اللوبي الاسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية، يفسّر هذا الادعاء وينقضه . بل يبرهن على أن بعض مصالح الكيان الإسرائيلي تتناقض مع المصلحة الأمريكية وتضرّها .
وقد عبّر عن ذلك في مؤتمر عقده مؤخراً معهد أبحاث سياسة الشرق الأوسط، وهو مؤسسة مستقلة غير ربحية، مقرها واشنطن، تتولى دراسة صياغة السياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط .
يسأل المفكر في البداية: لماذا طورت إسرائيل أسلحة نووية في خمسينات وستينات القرن الماضي؟ وهل من المبرَّر أن يكون لديها اليوم رادع نووي؟ ويجيب قائلاً:
هنالك سببان جعلا حصول إسرائيل على سلاح نووي خياراً استراتيجياً: الأول البيئة الاستراتيجية التي كانت إسرائيل تعمل ضمنها، والثاني أسباب تاريخية . . فعلاقات إسرائيل بالولايات المتحدة لم تكن وثيقة في تلك الأيام، وكان الاتحاد السوفييتي لاعباً أساسياً في المنطقة، وكانت مصر وسوريا خصمين لدودين . هذا بالإضافة إلى تاريخ اليهود وخاصة في أوروبا، حيث كانوا قريبي العهد بالهولوكوست .
أمّا اليوم، فمن الأفضل ل إسرائيل أن تتخلى عن رادعها النووي . وذلك لسببين:
الأول، أن البيئة الاستراتيجية تختلف الآن عما كانت عليه في الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي . وهي الآن في مصلحة إسرائيل . فقد زال الاتحاد السوفييتي . . والعلاقة مع مصر باتت ودية نسبياً . . كما أن العلاقة مع الولايات المتحدة مثالية .
ويضاف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة زودت إسرائيل بأحدث أنواع الأسلحة التقليدية .
والسبب المهم الثاني الذي يدعو إلى التخلص من أسلحة إسرائيل النووية هو إحباط أو منع الانتشار النووي في المنطقة . وليس من مصحلة إسرائيل أن يحدث انتشار نووي .
ويسأل المفكر: أمِنْ مصلحة أمريكا أن تمتلك إسرائيل أسلحة نووية؟
ويجيب: من المهم جدّاً أن نفهم أن مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة يفعلون كل ما في وسعهم لترسيخ الحجة التي تقول إنه لا فرق بين مصالح إسرائيل ومصالح أمريكا . لأنك عندما تفتح باب احتمال أن يكون للدولتين مصالح مختلفة، يصبحون مرغمين على الاختيار، وبطريقة علنية . وهم بطبيعة الحال، يفضّلون دائماً مصالح إسرائيل على مصالح أمريكا، وليس ذلك مما يريدون أن يحدث في العلن . وهذا هو السبب في أنهم ذهبوا كل مذهب لخلق وضع يبدو فيه وكأن أوباما ونتنياهو قد سوَّيا جميع خلافاتهما، إلى درجة أنه لم يبق إلاّ بعض الخلافات التي سوف تعالَج خلف أبواب مغلقة، لأنهما لا يريدان لتلك الخلافات أن تبدو للعيان .
ولكن، وكما نعلم لا توجد دولتان لهما المصالح ذاتها . ولا شأن لذلك بإسرائيل أو بالولايات المتحدة، بل تلك هي الطريقة التي تَعمل بها السياسات الدولية .
وعليه، فلا بدّ أن توجد حالات يكون من مصلحة إسرائيل أن تفعل أموراً معينة، وليس من مصلحة الولايات المتحدة، أن تسمح لها بأن تفعلها . وليس أدلّ على ذلك، في رأيي من القضية النووية . فأنا أعتقد أنه كان من مصلحة إسرائيل أن تطور أسلحة نووية . ولكنه لم يكن من مصلحة أمريكا أن تمتلك إسرائيل أسلحة نووية يومئذٍ، كما ليس من مصلحتنا الآن أن تملك إسرائيل مثل تلك الأسلحة . ولذلك، بذل الرئيس كنيدي جهداً كبيراً لكي يمنع إسرائيل من امتلاك أسلحة نووية، ويجعلها توقع على معاهدة عدم الانتشار النووي . . . وربما كان الرئيس جونسون، راغباً في أن يعطي إسرائيل الضوء الأخضر، أو الضوء البرتقالي، ولكن بقية أعضاء الإدارة الأمريكية كانوا يعارضون ذلك . وكان جميع العاملين في مؤسسة الأمن القومي مستعدين لفعل كل شيء من أجل منع إسرائيل من الحصول على أسلحة نووية . . . لأن ذلك لم يكن من مصلحتنا .
ويضرب الكاتب مثالين على أن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية ليس في مصلحة الولايات المتحدة، الأول عندما تلكأت ادارة نيكسون في تزويد إسرائيل بالأسلحة في بداية حرب ،1973 (لثقتها بأن إسرائيل سوف تجتاز الصدمة سريعاً، وتستعيد السيطرة على مجريات الحرب)، فهددت إسرائيل باستخدام السلاح النووي، مما أجبر الأمريكيين على تزويدها بالأسلحة رغم أنهم لم يكونوا يريدون ذلك . ويقول الكاتب، إن ذلك نوع من الابتزاز النووي .
والمثال الثاني يتعلق بقضية الانتشار النووي . فامتلاك إسرائيل أسلحة نووية، يعسّر على الولايات المتحدة القضاء على مدّ الانتشار النووي، والتحرك نحو شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية . ولذلك، فليس من مصلحة الولايات المتحدة، أن تمتلك إسرائيل أسلحة نووية، وكان أفضل في اعتقادي، لو استطعنا منعها من الحصول على تلك الأسلحة .
ويختم المفكر كلمته بالقول:
أعتقد حقّاً أن الوضع سيزداد سوءاً مع الزمن . وأننا لن نصل إلى تسوية سلمية إسرائيلية - فلسطينية . . وأن الحديث عن حل الدولتين، وكل هذا الحديث عن الانتقال من محادثات التقارب إلى المحادثات المباشرة ما هو إلاّ تمثيلية لا تقنع أحداً . وأجد من الصعب عليّ أن أصدّق أن المسؤولين هنا يأخذون هذا النقاش على محمل الجدّ . أعتقد، في هذه اللحظة من الزمن، أنكم ستشهدون اسرائيل الكبرى، وهي دولة فصل عنصري، سواء الآن، أو فيما بعد . وسوف تخلق مشاكل عويصة، في الشرق الأوسط، أو في العالمين العربي والإسلامي . وسوف تستمر في إبقاء العلاقات بين إسرائيل وجيرانها في وضع عسير .
وعلى جبهة الانتشار النووي، لن أدهش لو رأيت إيران وغيرها من الدول تستمر في السير على الدرب النووي .
وما يشير اليه كلّ ذلك بطبيعة الحال، هو أن المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية سوف تستمر في التباعد والتشعب . والنتيجة النهائية لذلك، هنا في الولايات المتحدة، هي أن اللوبي الإسرائيلي سوف يضطر إلى العمل وقتاً إضافياً لطمس هذه الحقيقة، وجعل الأمور تبدو على خير ما يُرام، بينما ليست كذلك في الواقع . ويعود ذلك على السياسات المحلية بكل أنواع العواقب السلبية .
وهكذا، أعتقد بأن الأمور الآن سيئة جدّاً، ويؤسفني القول إنها ستزداد سوءاً .