رغم أن رضا الناس غاية لا تدرك إلا أن الكثيرين يسعون لهذا الهدف ولو على حساب أنفسهم، ربما لكسب محبتهم، أو لتحقيق مصالح شخصية، أو حفاظاً على علاقات إنسانية تجدد الشعور بالحياة، إلا أن ذلك يؤدي لمشاعر حائرة بين الضيق والرضا . تحدثنا مع بعض الذين يرضون الآخرين على حساب أنفسهم، ويقدمون التنازلات من أجلهم، كما تحدثنا مع الذين يرفضون هذا النهج حتى لا يدخلوا أنفسهم في دوامة اللوم وجلد الذات .
في سؤال وجهناه لمريم سالم الكعبي، موجهة تربية فنية في مكتب الشارقة التعليمي، حول كونها ممن يسعون لإرضاء الآخرين ولو على حساب أنفسهم، أجابت: كثيراً، لدرجة أنسى فيها نفسي، حيث أسعى لإرضائهم وكسب محبتهم بشكل دائم، وأشعر بأنني أضغط على نفسي كثيراً واستنكر هذا الطبع في نفسي، ولكني لا أتوقف عنه، وإذا كنت في قمة انشغالاتي، أحاول أن اقتطع من وقتي لأرضي الآخرين، وأمنحهم من وقتي ما يسعدهم .
وتؤكد مريم أن إرضاء الناس ضروري، خصوصاً في مجال العمل، لأن ذلك يولد نتائج إيجابية لديهم، لافتة إلى أن المعاملة الطيبة وسيلتها لكسب محبة الآخرين، وتضيف: إن لم نسع لإرضاء من حولنا فسنخسرهم، يؤثر هذا الأمر في صحة الإنسان الذي يشعر بتبعثره هنا وهناك، ويزيد الشعور بذلك مع تقدم العمر، فالصحة تتأثر بالضغوط والأحمال التي يضعها الإنسان على نفسه، لذا أسعى دائماً لإرضاء الجميع، ولكن في أمور أمتلك فيها إمكانية تقديم التنازلات .
عبدالرحمن عبدالله جابر، سكرتير فني في مفوضية كشافة الشارقة، يعتبر نفسه من الذين يرضون الآخرين على حساب أنفسهم، ويقول: خصوصاً الزوجة والأبناء، ويأتي بعد ذلك كل من تربطني به صلة رحم، ويضيف: أنظر إلى من يهمني أمره وأحاول قدر الإمكان أن أرضيه إن كانت هناك إمكانية، ويرفض عبدالرحمن أن يكون الهدف من ذلك تحقيق مصالح شخصية، ويقول: أقوم بذلك استكمالاً لصلة الرحم التي أوصانا بها الله ورسوله .
وعن مدى تأثير إرضاء الآخرين على حساب النفس في الشخص، قال: لا يؤثر سلباً بل يشعره بالرضا عن نفسه، وأهمية ما يقدمه للآخرين .
ابتهال صافي، ربة منزل، ترفض إرضاء الآخرين على حساب نفسها، وتقول: إن وجدت من يرضيني على حساب نفسه أحاول أن أرضيه، ولكن بكل أسف لم يعد هذا الأمر موجوداً، وكلٌ يردد اللهم نفسي، وتؤكد أن الأب والأم هما من يستحقان أن يرضيهما الإنسان بشكل دائم ولو على حساب نفسه، لأنهما يستحقان التضحية .
وعن الأصدقاء والأقارب تقول: ما يقومون به واجبات اجتماعية يسعون من خلالها لكسب محبة الآخرين، والالتزام بالعادات الاجتماعية يسعون من خلالها لكسب محبة الآخرين والالتزام بالعادات الاجتماعية التي تظهرهم بمظهر جيد أمام الناس، ولكنهم لا يقدمون التنازلات الحقيقية لكسب رضا الآخرين .
وعن التأثير السلبي لإرضاء الآخرين على حساب النفس تقول ابتهال: يشعر الشخص بالضغط النفسي الذي يجعله يعاتب نفسه على ما قدمه من تنازلات لم تحقق رضاه الشخصي، ويؤدي ذلك مع تراكمه لمشاكل كثيرة .
ويرى علي عبدالله، سنة ثالثة تقنية معلومات في كليات التقنية العليا بالشارقة، أن المقربين منه يستحقون أن يرضيهم على حساب نفسه، وخصوصاً أفراد الأسرة، أما عن الأصدقاء فيقول: مهما عمل الشخص وقدم من تضحيات فلن يستطيع إرضاءهم . ونفى أن تكون المصالح هي سبب سعيه لكسب رضا أفراد أسرته . وعن السبب الحقيقي يقول: حفاظاً على علاقتي بهم، لأنها من أهم العلاقات التي تشعر الإنسان بوجوده . ويأسف علي على السلبية التي أصبحت السمة السائدة في يومنا، قائلاً: لاحظت من خلال تعاملي مع المحيطين بي أنني من يبادر في كل الأحوال لرضا الآخرين، فإن كنت تسببت في زعل أحد الأصدقاء ألجأ لإرضائه ومصالحته، واستعجب ممن لا يهمهم الأمر ولا يسعون لكسب رضا الناس، حيث سادت الأنانية والسلبية والشعور باللامبالاة .
وذكرت غالية حللي، سكرتيرة تنفيذية في معهد الإمارات لتعليم قيادة السيارات، أن الأمور التي تحتمل النقاش هي التي يمكن إرضاء الآخرين فيها على حساب النفس . وعن الذين ترضيهم على حساب نفسها تقول: الأهل فقط، هم الذين أتنازل لهم عن أشياء معينة على حساب مصالحي، لأنهم يستحقون كل التنازلات .
وعن التأثير السلبي لإرضاء الآخرين على حساب النفس تقول: يرافق تلك التنازلات شعور سلبي بأنني اضطررت لأن أتخلى عن بعض قناعاتي من أجل شخص آخر، وهذا ما يجعلني أتوقع الحصول على الأفضل منه في المرات المقبلة، فإن لم يقدم لي ما أنتظره يصيبني الإحباط ويدفعني ذلك للتفكير مراراً في طريقة للتعامل معه .
صفاء أبو شهيل، ربة منزل، ترى أنها تظلم نفسها في إرضاء الآخرين، وهذا الأمر يرهقها ويجعلها تؤنب نفسها بشكل دائم، إلا أن الطبع يغلب التطبع كما تقول، ولن تتغير مهما حاولت، وذكرت أن هذا الأمر يضايق زوجها كثيراً ما يجعله يعاتبها بشكل دائم، وتقول: أشعر بأنني لن أكون عند حسن الظن إن لم أقم بذلك، ولكن بعد أن أقدم التنازلات أشعر بضعف كبير ورغبة تنتابني في البكاء، وشيء ما بداخلي يسألني لماذا فعلت هكذا؟ ولكني في المرات المقبلة لا أستطيع إلا أن أرضي من أمامي رغم شعوري بصعوبة الأمر، وذكرت أحد المواقف فقالت: طلبت إحدى قريباتي أن تستعير طقماً ذهبياً قدمه لي زوجي بمناسبة عيد زواجنا، ورغم رغبتي في رفض طلبها لإحساسي بأن هذا الطقم ليس من حق أحد غيري، وجدت نفسي أوافق وأحضره لها، وحين علم زوجي غضب كثيراً، وأشعرني بضعفي وعدم قدرتي على قول كلمتي بوضوح .
حسن محسن كامل، سكرتير جمعية الإمارات للتصوير الفوتوغرافي، يعتبر نفسه ممن يرضون الآخرين على حساب أنفسهم، وعمن يسعى لإرضائهم يقول: والدي ووالدتي والمقربين مني، أما الأصدقاء فليس دائماً، ويعتمد هذا على مزاجي أو الأمر المطلوب مني أن أقدم فيه التنازلات، ومدى إمكانيتي على تقديمها، وخصوصاً في هذا الزمن الذي لا يهتم فيه كل شخص إلا بنفسه ولا يسعى لإرضاء الآخرين على حساب نفسه .
وعن التأثير السلبي لذلك يقول: أشعر بأن كل ما أقوم به يؤثر فيّ، وحين أرضي الآخرين على حساب نفسي أشعر بضغط نفسي كبير، ويؤثر ذلك فيّ سلباً، ولكن ما يدفعني لذلك رغبتي في كسب رضاهم وعدم إغضابهم، كما تدخل مسألة الخواطر لأقوم بما لا أرغب فيه من أجل إرضاء شخص ما .
ناعمة خلفان الاختصاصية النفسية ورئيسة قسم التمكين الأسري بوزارة الشؤون الاجتماعية، قالت: لا اعتبر من يرضي الآخرين على حساب نفسه شخصية ضعيفة، بل اجتماعية تحب التواصل، ولها أهداف سامية تجعلها تُغدق العطاء على من حولها، وهي في أغلب الأحيان شخصية ناجحة ومتميزة ومتألقة تسعد من حولها، ولكن إن زاد الأمر عن حده واتسعت مساحة إرضاء الآخرين من دون تقدير وبلا مقابل، فسيشعر الشخص بضغوط نفسية قد تولد لديه الانفجار، ليفقد بذلك ثقته بالآخرين، ويحاول في الوقت نفسه التغيير من نفسه وإعادة النظر في موضوع إرضائهم على حساب نفسه .
وتضيف: مع مرور الوقت ومع كثرة العطاء يشعر الشخص براحة نفسية ولكنه في المقابل يشعر بالإرهاق الجسماني والعقلي، فالموظف الذي يسعى لإرضاء المسؤولين عنه على حساب نفسه يبذل مجهوداً إضافياً في المنزل ليكسب رضاهم في اليوم التالي، ولكنه يعاني من تعب جسدي وإرهاق كبير، وقد يأتي ذلك أيضاً على حساب الوقت الذي كان من المفروض أن يقضيه مع أسرته .