مع التطور، استجدت في كل المجتمعات نشاطات لا تعترف بقوانين الطبيعة، حتى تلاشى الفارق تقريباً بين الليل والنهار، هذا الأمر أفرز عدداً من المهن، التي يعمل أصحابها ضمن نظام جديد، أطلق عليه نظام الورديات، أو الشيفتات، حسب التعبير المشتق من الإنجليزية .
يبدأ الإحساس بمعاناة هذه الفئة من الناس، لحظة محاولة الاتصال بهم، فمنهم من اتصلنا به وكان نائماً، ومنهم من لم يتمكن من الرد علينا حتى ساعة متأخرة من الليل، نظراً لطبيعة عمله، فكان السبيل الأنسب لنا أن نذهب إليهم خارج أوقات عملنا لنلقاهم أثناء عملهم .
علي فارس يعمل، يعمل بوظيفة مشغل لمصافي النفط، يداوم بنظام الورديات، يقول عن طبيعة عمله: أعمل أربعة أيام صباحاً، ثم أربعة بعد الظهر، وبعدها أربعة ليلاً، بمعدل ثماني ساعات يومياً، ولست مرتاحاً فيه بالرغم من محاورلاتي المتكررة للتأقلم، ثلاثون عاماً مضت، وأنا على هذه الحال، محروم من الحياة الطبييعة، فالعلاقات الاجتماعية نادرة، كما أن أيام العطل عندي لا تتوافق مع غيري، لذا لا استطيع اصطحاب أفراد أسرتي في نزهة إلا ما ندر، ولا أتمكن من زيارة أصدقائي في مناسباتهم السعيدة، ولكثرة من اعتذرت عن عدم تلبية دعواتهم، يبدو أنهم حذفوا اسمي من لائحة المدعوين .
ويضيف: من الناحية الصحية، حدث ولا حرج، فالعمل بنظام الورديات، يجعل نظامك الغذائي غير مستقر، بالإضافة إلى الاضطرار للاستيقاظ والنوم بخلاف الطبيعة البشرية، فتخيل أن ينتهي عملك الساعة الثامنة صباحاً، فتصل إلى البيت وقد هدك التعب، وكثيراً ما كنت أغفو قبل تناول الطعام، لاستيقظ ظهراً والصداع يسيطر علي .
ويرى يوسف أبو حمزة، مساعد مهندس، يعمل في آبار النفط، أن دوامه لا مثيل له، فهو يعمل خمسة عشر يوماً متواصلة في حقول النفط، ثم يعود إلى أسرته ويقضي معها خمسة عشر يوماً . ويقول في أيام الدوام أعمل ثماني ساعات، وارتاح مثلها، وهو نظام صعب، فأنت تعمل صباحاً، وتنام ظهراً ثم تعود إلى العمل ليلاً وتأوي إلى فراشك صباحاً، وهكذا الحال على مدار الخمسة عشر يوماً، ثم أعود إلى البيت لأنعم بفترة طويلة من الراحة تصل إلى حد الملل، والمزعج في هذا النظام هو الغياب لفترة طويلة عن المنزل، فقد يحدث طارئ وأنا بعيد عن أسرتي .
أما فراس العبيد، موظف استقبال في أحد المستشفيات، يقول: لم تعد الحياة كما كانت ببساطتها ونظامها الفطري، فزيادة عدد السكان والتنافس في مجالات العمل، أديا إلى العمل لساعات أطول لاستثمار الوقت بشكل تام، وهذا ما أدى إلى وجود عدد كبير من الوظائف التي يعمل أصحابها على مدار الساعة بغية زيادة الانتاج ودخول سوق المنافسة . ويضيف: موظفو المستشفيات لا يعتبرون من الداخلين في هذه المنافسة، إنما دوامهم المستمر على مدار الساعة يأتي من منطلق الحفاظ على سلامة الإنسان، وإنقاذ حياته، فمهمتي تنظيم المواعيد وتوجيه المرضى نحو الأقسام التي يقصدونها، وهو عمل أعتز به رغم بساطته لما يحمله من جانب إنساني، خفف لدي من صعوبة العمل بنظام الورديات، ويتابع: نظام عملي يمنعني من كثير من الأمور، كالالتحاق بدورة لتعلم اللغة الانجليزية، أو الحاسب الآلي، وغيرها من النشاطات التي تتطلب انتظاماً في الحضور، حتى في ما يتعلق بالنشاطات الترفيهية، فالانتساب إلى ناد يتطلب انتظاماً في مواعيد التدريب . وفي ما يختص بالحياة الاجتماعية، لا استطيع معرفة قدرتي على حضور مناسبة، لعدم معرفتي بوقت ورديتي يومها .
أوفر حظاً
توفيق كامل، الموظف في أحد محال الملابس، يعمل بنظام شبيه بالورديات، لكن حاله أفضل، فيقول: أعمل في بيع الألبسة ضمن نظام ثابت، من الثانية ظهراً إلى الحادية عشرة مساء، يتخلل ذلك ساعة استراحة، ولدي يوم عطلة أسبوعية . ولأن عملي في الفترة المسائية، فقد يكون أقرب إلى ما يعانيه موظفو الورديات، وهناك أمران فيه يسببان لي بعض الضيق، الأول حرماني من الخروج مع الأصدقاء لحضور مباريات الدوري الإسباني، والتي تبدأ في العاشرة مساء، والثاني هو أن يوم عطلتي ليس الجمعة، وهو يوم العطلة الرسمية للأغلبية، فعندما أكون في إجازتي يكون أصدقائي في أعمالهم، فأضطر لقضائها في البيت، وعندما يجتمع أصدقائي ويذهبون لقضاء يومهم على الشاطئ أو في أحد الأماكن الترفيهية أكون في عملي .
هذا أيضاً حال حسن توتة، الذي يعمل في المجال نفسه، لكن في شركة أخرى، ويقول أخشى من اليوم الذي تصبح فيه حياتي في المنزل على شكل ورديات، فأنا مقبل على الزواج، ولا مانع لدي أن تعمل زوجتي، وبما أنها، كالمعتاد، ستعمل نهاراً، فيما أعمل أنا مساء، أخاف أن يصبح التواصل بيننا بالبريد الالكتروني أو الرسائل المكتوبة، فهي ستخرج إلى عملها، وأنا أغط في النوم، وستعود بعد مغادرتي المنزل، وأنا سأعود في منتصف الليل عندما يحين وقت نومها .
ويعتقد عامر رجب أن طبيعة عمله هي الاسوأ على الاطلاق بين الوظائف التي تطبق نظام العمل بالورديات، ويقول: أعمل كمحاسب في شركة مقاولات تطبق نظام الورديتين في اليوم الواحد، الأولى تبدأ في التاسعة وتنتهي عند الواحدة ظهراً، لتبدأ فترة الراحة التي تستمر إلى الخامسة، وهي ساعة بداية الوردية الثانية التي تنتهي في الثامنة مساء، ويضيف: صعوبة عملي تكمن في أني أقطن في عجمان، وعملي في دبي، لذلك أخرج من منزلي السابعة صباحاً لأصل في الوقت المحدد، ثم أعود إليه في فترة ما بعد الظهر، وأرجع إلى عملي مساء، وهذا الأمر في غاية الصعوبة، لذلك، أضطر في كثير من الأحيان لأن أقضي فترة الاستراحة في المكتب، أو في أحد الأماكن العامة، فهذا أفضل من قضائها على الطريق خلف المقود، ووجبة الغداء نادراً ما أتناولها مع أسرتي، وأطفالي لا أتمكن من رؤيتهم إلا لدقائق قليلة قبل خلودهم للنوم .
الجسم يتأثر وعلينا التكيف
د . فياض فيصل السعد، طبيب ممارس عام، يؤكد أنه إذا تطلب الأمر، نستطيع أن نبقى مستيقظين وأن نعمل في الليل، ولكننا لا نكون بنفس النشاط التي نكون عليه في النهار الذي يبلغ النشاط الهرموني ذروته خلاله، ويقول: الموظفون الذين يعملون بنظام الورديات يتعرضون لتغيير في نظام النوم لديهم، أهم قضيتين في الموضوع هما صعوبة النوم نهاراً، وصعوبة المحافظة على التركيز والنشاط ليلاً، فالجسم كما يعلم الجميع خلق ليعمل بإيقاع معين وأي اختلاف فيه سيؤثر في سلامة عمل الأعضاء، وبالتالي سيكون له تأثيره الواضح في الصحة العامة، وليس هناك اختلاف أكبر من تغيير ساعات النوم .
ويوضح أن الموظف العامل ليلاً يقل عدد ساعات نومه عن نظيره الذي يعمل في النهار، وأن النوم في النهار عادة ما يكون خفيفاً، ومتقطعاً، وقد لا يحصل الموظف على حاجته من النوم العميق، مما ينتج عنه عدم استعادة الجسم لنشاطه، ومن ثم التعب والخمول والتوتر، وفي بعض الأحيان الأرق، ويؤكد أن هذا ينعكس على انتاجية الموظف وتركيزه في عمله، وفي بعض الأحيان قد يسبب بعض الأعراض العضوية، لافتاً إلى أن إفرازات الجهاز الهضمي تتبع نظام الإيقاع اليومي، فعندما يأكل الموظف في ساعات الليل المتأخرة، يملأ معدته بالأكل في الوقت الذي يكون جهازه الهضمي غير مستعد لذلك، ويتركها خالية بالنهار وهي في قمة نشاطها وإفرازاتها الحمضية، وهذا يفسر كما يوضح نسبياً كثرة شكوى العاملين في الليل من الحموضة .
وعن الطرق التي تستطيع بها هذه الفئة التكيف مع هذا النظام، يقول د . السعد نظام العمل بالورديات أصبح واقعاً، يجب علينا التعايش معه، فهناك الطبيب الذي يجب أن يعمل في الليل، وهناك رجل الأمن وغيرهما كثير، بصورة عامة كلما تقدم بنا السن أصبح التكيف مع نظام الورديات أكثر صعوبة . ولكن هناك استراتيجيات عامة يمكن أن تساعد العامل على الحصول على نوم أفضل، فيجب أن ينظم نظام الوردية ليساعد العامل على النوم بصورة أفضل، ويمكن أن ينجز ذلك، بحيث يتبع وقت تغيير الورديات عقارب الساعة، بمعنى إذا كان الموظف يعمل في وقت النهار، فإن الوردية التالية تكون في المساء، والثالثة تكون بالليل، وهكذا . وهذا الاتجاه في وقت تغيير الورديات هو أكثر ملاءمة لطبيعة الإنسان، ويساعد العامل على التكيف السريع مع الإيقاع اليومي الجديد . وإيجاد فترات للراحة خلال ساعات العمل قد يساعد في زيادة التركيز والاستيقاظ لدى العامل . وهذا النظام أثبت فعالية في كثير من الشركات التي تتطلب العمل على مدار الساعة، أما داخل المنزل فيجب على عمال الورديات البدء بتعديل وقت نومهم عند اقتراب انتهاء فترة الوردية الحالية للتكيف مع فترة الوردية المقبلة، ففي الأيام الأخيرة من الوردية الحالية يبدأ الموظف بتغيير مواعيد نومه تدريجياً للتكيف مع الفترة الجديدة . وينصح عمال الورديات بأن يأكلوا الوجبات الغنية بالبروتين والكربوهيدرات والابتعاد عن الوجبات الدهنية والمقلية، ولا ينصحهم بالذهاب للنوم عندما يكونون جوعى أو بعد وجبة ثقيلة .