الكثيرون لا يعلمون أن معظم ما نستخدمه في حياتنا اليومية بدءاً من القهوة وفرشاة الأسنان وأصناف الصابون والعطور مروراً بأدوات الجراحة والتخدير والتطعيم ضد الأمراض، وأول جامعة نظامية بالعالم، والصيدليات والمكتبات، وأول محاولة للطيران، ونهاية بآلات التصوير، وقياس الزمن، وأسماء النجوم، وعلم الفلك، والكيمياء، كلها ذات جذور إسلامية، وحتى الأرقام التي يستخدمها الغرب عربية، كما أن الصفر واللوغاريتمات التي تعتبر أساسية في اختراعات بدأت بالكمبيوتر وحتى الصاروخ والمركبة الفضائية، كلها ظهرت بجهد وعقول علماء مسلمين، في وقت كانت أوروبا غارقة في عصور الظلام، والإبداع المسلم متفتح في شتى مجالات العلوم والآداب والفلسفة والفلك والفيزياء والطب، ونبغ عشرات العلماء الذين قدموا اختراعات غيرت وجه التاريخ، ورسمت ملامح حضارة جديدة مازالت آثارها موجودة حتى يومنا الحالي في العلوم والاختراعات الحديثة .
هذا التاريخ الحافل يوثقه المعرض الجوال ألف اختراع واختراع الذي يتجول حول العالم منتشياً بما قدمته الحضارة الإسلامية للبشرية . حط المعرض الرحال منذ أيام في متحف السلطان أحمد بمدينة اسطنبول التركية، بعد النجاح الذي حققه على مدى عدة أشهر في عدد من المدن البريطانية كان آخرها متحف العلوم بالعاصمة لندن، ويستمر المعرض حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لينتقل بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً مدينة نيويورك، لينطلق منتصف العام المقبل في جولة عالمية تستمر أربع سنوات يزور خلالها المتاحف الأعلى شأناً في العالم والمراكز العلمية المتقدمة بالعواصم الكبرى .
إعادة الاعتبار لجذور العلوم والتكنولوجيا
يلقي المعرض الضوء على التراث العلمي المشترك بين العالم الإسلامي والثقافات العالمية الأخرى، ويحوي ستين معروضة ثابتة ومتحركة وتفاعلية وعدداً من الأفلام القصيرة التي تصور مخترعين مسلمين يروون قصص اختراعاتهم وألعاباً إلكترونية تعرف اللاعب بالمخترعين والمكتشفين في أرجاء العالم الإسلامي بدءاً من القرن السابع الميلادي .
ويكتسب توقيت المعرض أهمية خاصة مع تزايد الاهتمام الأوروبي بالمسلمين والإسلام بعد الأحداث الأخيرة التي واجهتهم في بعض الدول الأوروبية كالدنمارك وهولندا وفرنسا وسويسرا، والهدف الرئيسي منه إعادة الاعتبار والنظرة الصحيحة الدقيقة لجذور العلوم والتكنولوجيا والتقدم العلمي الذي ننعم به اليوم، حيث ترجع كثير من الاختراعات الموجودة حالياً بالمنازل والمدارس والمستشفيات والأسواق إلى أصول إسلامية . واختار منظمو المعرض عنوانه لأن أكثر ما يعرفه الغرب عن التراث الإسلامي هو حكايات ألف ليلة وليلة، لكنهم يجهلون ألف عام من تاريخ الاختراعات والاكتشافات التي ازدهرت في أوج الحضارة الإسلامية بالقرون الوسطى . والمعرض عبارة عن مبادرة أطلقتها مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة (إف إس تى سي) عام ،2006 وهي مؤسسة أكاديمية بريطانية غير ربحية، تأسست في مانشستر، وتضم عدداً من الباحثين المتطوعين من المملكة المتحدة، وأمريكا، وألمانيا، وفرنسا، وتركيا، وإسبانيا، والمغرب، وسوريا، ومصر، الذين يهتمون بإبراز اكتشافات الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، ودورها في نهضة العلوم الحديثة، من خلال البحوث الأصلية لعلماء تاريخ العلوم، ومن خلال تحقيق المخطوطات الإسلامية المنتشرة حول العالم، ونجح جهدهم المميز في إخراج المعرض بصورة أبهرت زواره، وحقق رقماً قياسياً بعدد زوار متحف لندن للعلوم العام الماضي بلغ 400 ألف زائر، ونتيجة لذلك حصل المتحف على الجائزة الذهبية السنوية لاجتذاب الزوار التي تمنحها مؤسسة قم بزيارة لندن، والجائزة الفضية السنوية لاجتذاب أكبر عدد من الزوار التي تمنحها مؤسسة استمتع بانجلترا، وجاب المعرض خلال ستة أشهر عدة مدن بريطانية، أهمها متحف العلوم والصناعة في مانشستر، ومتحف كارديف في ويلز، ومركز العلوم في اسكتلندا .
الجزري أهدى البشرية ساعة الفيل
نموذج ساعة الفيل المائية من أهم المعروضات وتحتل واجهة المعرض بارتفاعها المميز البالغ ستة أمتار، وصممت في بدايات القرن الثالث عشر الميلادي، وهي فريدة التصميم وتجسد مفهوم تعدد الثقافات، وتعتبر إعجازاً هندسياً، وهي عبارة عن فيل هندي يحمل هودجاً يرمز للتنين الصيني، فوقه عنقاء ترمز للحضارة المصرية القديمة، وأسفلهما آلية المياه اليونانية القديمة، وسائق الفيل دمية خشبية ترتدي الزي العربي التقليدي، وتجسد الساعة التقارب الثقافي والعلمي للحضارات مما جعلها واجهة مناسبة لمعرض يتحدث عن أصل العلوم والتكنولوجيا .
أما مخترعها فهو المهندس أبو العز بن إسماعيل الجزري، أبو علم الآليات والتسيير الذاتي الذي تقوم عليه الصناعات الحديثة، وكان أهم وأول من صمم اختراع ميكانيكي في تاريخ الإنسانية، كما اخترع الساعات الميكانيكية، وصمم أول شكل للصمامات عرفها الإنسان، وهو أول من اخترع القفل الرقمي الذي يستخدم الآن بالخزائن والحقائب، وأول من قدم تصميماً لجهاز رفع مياه الري، كما قدم أكثر من 50 اختراعاً، واستحق شهرته الواسعة ليس فقط لكونه مخترعاً ومهندساً ميكانيكياً فحسب، بل لعبقريته النادرة في وضع تصاميم ديناميكية معقده للآلات ذاتية الحركة، ويشير البروفيسور البريطانى لين وايت إلى أن تصميم التروس القطعية ظهر للمرة الأولى في مخطوطات الجزري، بينما لم تعرفها أوروبا إلا بعده بعقود وتحديداً عام 1364 في ساعة جيوفاني ديدوني الفلكية .
ومن أشهر اختراعاته أيضاً آلة غسل اليدين وسماها آلة الوضوء، وابتكاره تقنية تحويل الحركات الدائرية إلى حركة مستقيمة دورية، وقد لعبت هذه التقنية دوراً جوهرياً في تطوير المحرك البخاري والمضخات التبادلية الحديثة .
البيوت صديقة البيئة ولدت في بغداد
من بين الاختراعات مجسم للبيت البغدادي كنموذج للكفاءة في استخدام الطاقة والمباني الصديقة للبيئة، ومازال البعض منها قائماً ببغداد شاهداً على عبقرية التصميم الهندسي الإسلامي، وتنتشر هذه المباني في شوارع الكفاح، والشيخ عمر، والخلفاء، والكاظمية، والرشيد، وأهم ما يميزها الشناشيل بتصاميمها المختلفة المطعمة بالزخرفة الإسلامية، التي بنيت بحرفية ودقة عالية خاصة أيام العباسيين معتمدة على تقدير اتجاهات الرياح، ومتدرجة بحيث تسمح لأشعة الشمس بالنفاذ، وتحمى من مياه الأمطار .
أما من حيث التخطيط فعكست المباني البغدادية فكراً هندسياً سابقاً لعصره بكثير، من حيث تشكيلها كتلاً بنائية متلاحمة، بنيت بطريقة متلاصقة، جنباً إلى جنب، وظهراً على ظهر، ولا تبدي إلا واجهة هي الأمامية، التي تتسم بالنمو التدريجي المتجانس مع أزقة صغيرة، هذه الطرقات نفسها تتصف بالتدرج من ناحية الطول، بحسب الكتل البنائية التي تؤدي إليها .
يضاف إلى ذلك المواد المستخدمة بالبناء التي تعتمد على الطين المشبع بالماء المدعوم بأعواد الخيزران، ومن أهم مميزاته أنه رطب صيفاً يعكس حرارة الشمس، ودافىء شتاء .
الإدريسي يرسم أول خريطة للعالم
تلفت انظار الزوار خريطة العالم التي رسمها الإدريسي في القرن الثاني عشر للميلاد بحجم 3 أمتار، وقدمها للملك روجر في صقلية الإيطالية، ومرسومة عليها أقاليم وبلدان العالم، واستخدمت مصوراته وخرائطه الأخرى فيما بعد في سائر كشوف عصر النهضة الأوروبية، حيث نجح في تحديد اتجاهات الأنهار والمرتفعات والبحيرات، وتضمنت معلومات عن المدن الرئيسية، بالإضافة إلى حدود الدول .
وكان الإدريسي أول من استخدم خطوط العرض، أو الخطوط الأفقية على الخريطة والكرة الأرضية التي صنعها، وإن كانت خطوط الطول استخدمت من قبله إلا أنه أعاد تدقيقها لشرح اختلاف الفصول بين الدول، ويرجع له الفضل في تحديد منبع نهر النيل، فوضع في نقطة معينة نقطة تقاطع النهر تحت خط الاستواء، وهو موقعه الصحيح حيث تلتقي روافد النهر في الخرطوم قبل جريانها على مصر، وألغى باكتشافه هذا نظرية بطليموس بأن مصدر النيل هو تلة في القمر .
جابر بن حيان رائد علم الكيمياء
يشاهد الزائر للمعرض أداة كيميائية لتقطير السوائل، استخدمها جابر بن حيان مخترع الكيمياء الحديثة بالقرن التاسع الميلادي، وإليه يعود الفضل في صناعة كل أجهزة التقطير والفلترة والتبخير، والتطهير، والأكسدة المستخدمة حالياً مثل المعوجة، والإمبيق، والمقطر .
كما طور أنواعاً عديدة للتقطير مثل التقطير الجاف، والتقطير الهدام، والتقطير البخاري .
علم البصريات من ابتكار ابن الهيثم
من المعروضات نموذج للخزانة المظلمة التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع، وسميت فيما بعد بالكاميرا ذات الثقب، واستخدمها ابن الهيثم لتغيير مفاهيمنا عن الرؤية والبصريات، ويعتبر هذا العالم مؤسس علم البصريات الفيزيائي، وهو أول من بيّن أن الضوء يأتي من الأجسام إلى العين، وليس العكس كما كان العلماء حتى عصره يعتقدون، وإليه يرجع الفضل في اختراع الكاميرا كمبدأ عمل، وهو أول من شرح العين تشريحاً كاملاً ووضح وظائف أعضائها، وكان سابقاً عصره بدراسة التأثيرات والعوامل النفسية للإبصار .
وإلى جانب الفيزياء، نبغ ابن الهيثم في علم الفلك، وله حوالي 20 مخطوطة عن القمر وارتفاع الكواكب .
الزهراوي أشهر جراحي العصور الوسطى
هناك بعض المعدات الطبية التي يعود تاريخها إلى ما يربو على الألف عام ولا يزال عدد منها يستخدم حتى الآن، أهمها أدوات الزهراوي الذي قدم في القرن العاشر الميلادي أكثر من 2000 أداة جراحيه مازالت تستخدم حتى يومنا الحاضر عند إجراء العمليات الجراحية، كما يرجع إليه الفضل في اكتشافه ذوبان الخيوط الجراحية بالجسم . واستمر كتاب الزهراوي الطبي إلى جانب كتاب ابن سينا، مرجعاً في أوروبا على مدى خمسة قرون، وهي فترة طويلة بتاريخ الطب، ولا يزال ما كتبه في التوليد والجراحة النسائية يعتبر كنزاً ثميناً بعلم الطب، فقد وصف طرق التوليد، وكيفية تدبير الولادات العسيرة، وكيفية التعامل مع الحمل خارج الرحم، وطرق علاج الإجهاض، وابتكر آله خاصة لاستخراج الجنين الميت، وهو أول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم والفحص النسائي لا تزال مستخدمة حتى وقتنا الحاضر .
وكانت مؤلفاته أساس الجراحة في أوروبا حتى عصر النهضة، وكان رائداً في ابتكار الأدوات الطبية، فكان يملك 200 أداة منها الدقيق، ومنها الكبير كالمنشار وغيره، ما مكنه من إجراء عمليات دقيقة بالعين وغيرها من أعضاء الجسم .
وهو أول من ابتكر تقنية الكي للقضاء على الأنسجة التالفة، وأول من وصف طريقة تفتيت حصيات مجرى البول، وأول من عالج تشوهات الفكين، وجسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط الأسنان .
ونبغ الزهراوي في وضع أسس جراحة استئصال الأورام فتوصل إلى حقيقة علمية ثابتة حالياً وهي إمكانية استئصال الورم وهو لا يزال في بدايته، وفي مكان محدد، أما إذا انتشر فلا ينصح بإجراء جراحة منعاً لانتقاله إلى أعضاء أخرى .
الصابون وصل إلى إنجلترا على أيدي المسلمين
يتضمن المعرض نموذجاً لكيفية تطوير المسلمين للصابون، وطريقة إضافة الزيوت النباتية، وهايدروكسيد الصوديوم، والعطورات كعطر الزعتر، مع مجسم صغير لحمام البخار الذي ابتكره المسلمون الأوائل، وبجانبه دونت ملاحظة بارزة بأن أول مسلم جلب الصابون إلى انجلترا عين في بلاط الملك ويليام الرابع مسؤولاً عن النظافة والصابون .
الدورة الدموية اكتشاف إسلامي
يوجد في المعرض نموذج لمختبر العالم ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى في القرن الثالث عشر، قبل هارفي بثلاثمئة عام .
ولابن النفيس إسهامات طبية رائدة حيث عرف الدورة الدموية الصغرى والكبرى، وقدم نظرية في كيفية الإبصار ودور الدماغ في الإدراك البصري، وصاغ المعارف الطبية والصيدلية صياغتها التامة في كتابه الشامل وتوصل للعديد من الطرق العلاجية المبتكرة في عصره ووصل لحقائق تشريحية دقيقة في أجزاء الجسم الإنساني .
ويحوي المعرض إلى جانب ذلك نموذجاً مكبراً من لوغاريتمات الخوارزمي التي وضعت أسس الرياضيات الحديثة، ولكتابه الجبر والمقابلة الذي ترجم إلى اللاتينية عام 1135 ميلادية، وله الفضل في التعريف بالصفر إلى اللغات اللاتينية، وعرض الخوارزمي بكتابه أول حل منهجي للمعادلات الخطية والتربيعية، فهو مؤسس علم الجبر .
وقدم المعرض نموذجاً للملابس المحشوة بمواد عازلة التي كان ولا يزال يرتديها العسكريون، ويرجع للمسلمين الفضل في اختراع هذه المواد .
كما يعرض لنماذج صممها المهندسون المسلمون للأقواس الهندسية، وهي التي أخذها عنهم الغرب وطبقوها في القلاع والقصور والأبراج التي لا يزال الكثير منها موجوداً حتى وقتنا الحاضر، ومن أهم هذه المعالم قلعة هنري الخامس ببريطانيا التي صممها وشيدها مهندس مسلم .
ويقدم المعرض كذلك اختراع المسلمين للبنج، فهم أول من توصلوا إلى تقنية تخدير المرضى قبل إجراء عمليات جراحية لهم، عندما مزجوا بإتقان بين الأفيون والكحول . ويشاهد زائر المعرض نموذجاً لطاحونة هوائية اخترعها المسلمون قبل الغرب بخمسمئة عام، واستخدموها لطحن الذرة .
ويقدم المعرض حقيقة علمية ثابتة وهي إن المسلمين أول من عرفوا التلقيح أو التطعيم ضد الأمراض، وليس باستير الفرنسي، ونقلته إلى أوروبا زوجة السفير البريطاني في اسطنبول، عام 1724 عندما شاهدت الأتراك يلقحون أطفالهم ضد مرض الجدري . وفي المعرض أيضاً نموذج لقلم حبر جاف، وهو اختراع اسلامي أصيل، يرجع إلى طلب احد سلاطنة مصر عام 953 ميلادية، تصنيع قلم حبر لا يترك أثراً على الأيدي والملابس، فجاء اختراع الأقلام الذي انتشر بعد ذلك بجميع أنحاء العالم .
ويرجع للعرب كما ورد في المعرض الذي أبهر زائريه الفضل في وضع أسس الاقتصاد المالي الحديث، وكانوا أول من ابتكروا كلمة شيك التي أخذت عن كلمة صك أي التعهد بدفع ثمن البضائع عند تسلمها وذلك تجنباً لتداول العملة في مناطق خطرة، وهي حيلة لجأ إليها التجار العرب في القرن التاسع الميلادي عندما كانوا يقايضون البضائع التي حصلوا عليها من الصين بأموال سائلة في بغداد .
الجامعة ابتكار إسلامي
يرجع للمسلمين الفضل في إنشاء أول جامعة بالعالم وهي جامعة القرويين، وأسستها فاطمة الفهري في مدينة فاس بالمغرب عام 841 ميلادية، حيث ورثت أم البنين، كما كانت تلقب، ثروة كبيرة بعد وفاة والدها، وقررت تسخيرها لبناء الجامعة التي بدأت بتدريس علوم دينية ثم توسعت لتضم مواد أدبية وعلمية مثل النحو والجغرافيا والتاريخ الإسلامي والمنطق والحساب والرياضيات والفلك، والطب، والكيمياء مما جذب كثيراً من طلاب العلم آنذاك، واتخذت الدراسة فيها شكلاً نظامياً، ونظراً للإقبال الشديد عليها، فرضت شروطاً خاصة للالتحاق بها، مثل تعلم القرآن الكريم وحفظه كاملاً، وكان لها كادر إداري حيث أسندت رئاستها إلى قاضي مدينة فاس، الذي كان يمنح الأساتذة الكراسي العلمية، يليه وظيفة القيم وهي تقابل رئيس القسم اليوم، فكان هناك قيم الفنون، وقيم التفسير، وغيرهما . وتراوحت مده الدراسة ما بين خمسة أعوام و15 عاماً، وكان الطلاب يختارون أساتذتهم بحرية، كل بحسب اختصاصه في مادة أو أكثر، وكانوا يلتفون في حلقات حول الأستاذ الذي يستند بظهره إلى سارية من سواري المسجد، وفيها تخرج ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع والشاعر لسان الدين بن الخطيب .
وإذا كانت لعبة الشطرنج عرفت بالهند القديمة، إلا أنها تطورت بالشكل المعروف حالياً في بلاد فارس، ومنها انتشرت إلى غرب أوروبا، عندما نقلها المغاربة إلى إسبانيا في القرن العاشر الميلادي، وانتشرت شرقاً حتى وصلت إلى اليابان .
زرياب يطور الموسيقا الشرقية
المسلمون هم الذين وضعوا أسس التغذية الحديثة، عندما قدم علي بن نافي الملقب بزرياب فكرة الوجبة الثلاثية التي تتألف من الشوربة، والصحن الرئيسي من اللحم أو السمك، ثم الفاكهة والمكسرات .
وتبقى أبرز إسهامات زرياب في مجال الموسيقا العربية، فهو مخترع الموشح، ومن أضاف إلى العود خمسة أوتار بعد أن كانت أربعة، وجعل مضربه من ريش النسر بدلاً من الخشب، وأدخل على الموسيقا مقامات كثيرة لم تكن معروفة من قبل، وأول من افتتح الغناء بالنشيد قبل البدء بالنقر، ووضع قواعد لتعليم الغناء للمبتدئين على ميزان الشعر وعلى نقر الدف .
كما أسس دار المدنيات للغناء والموسيقا، وضمت أبناءه الثمانية وابنتيه، إضافة إلى عدد آخر من المغنين، وتعتبر هذه أول مدرسة أسست لتدريس علم الموسيقا والغناء، وأساليبه وقواعده .
ويعتبر زرياب كريستيان ديور عصره، فقد نقل أجمل ما في بغداد إلى قرطبة ومنها إلى الأندلس، فحمل معه أحسن الأقمشة وأزهى الألوان، ومعجون الأسنان، والعطور والصابون العطري وغيره، وكتب تاريخ الأندلس الكثير عن هذا الرجل الأسطورة وينسب إليه ارتقاءه بالذوق العام، فكانت له طريقته الخاصة المهذبة في الجلوس والكلام والطعام، وكان يضع على مائدته الكثير من المناديل منها المخصص لليدين والشفتين وآخر للجبهة وآخر للعنق، وهو أول من لفت أنظار النساء إلى أن مناديل المرأة يجب أن تكون مختلفة اللون والحجم عن مناديل الرجال، وأهمية أن تكون معطرة .
ابن حزم يفك طلاسم الكواكب قبل غاليليو
كان العالم المسلم ابن حزم هو أول من اكتشف دوران كوكب الأرض قبل غاليليو بخمسمائة عام، في فترة ازدهرت بها دراسة الفلك وكان العرب مهرة للغاية في احتساب حركة الأفلاك بدقة متناهية .
وللفلكيين المسلمين إسهامات رائدة في تطوير العديد من الأدوات الفلكية، وأنواع من الإسطرلابات، استخدمت في مجالات شتى مثل الفلك والتنجيم والأبراج والملاحة ومعرفة الوقت وتحديد القبلة ونحوه، وحتى الآن احتفظت بعض النجوم في السماء العربية مثل الدبران والنسر، وكذا بعض المصطلحات الفلكية مثل السمت والعهدة والمقنطرة، وبقي عدد كبير من المؤلفات الفلكية الإسلامية صامداً حتى الآن ويبلغ عددها حوالي 10 آلاف مخطوطة حول العالم، وهو ما يعكس الاهتمام الكبير بعلم الفلك في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية . وعلى الرغم من أن الصينيين هم الذين اكتشفوا البارود، واستخدموه في الألعاب النارية، إلا أن العلماء المسلمين هم أول من استخدموه للأغراض العسكرية، عندما أضافوا إليه البوتاسيوم، وكان أول من صنع صاروخاً ينفجر في سفن الأعداء عند إصابتها . وكان المسلمون أول من صمم الحدائق للتمتع بجمال الطبيعة والاسترخاء، بينما كان الغربيون يستخدمونها فقط لزراعة الأعشاب والخضار للطبخ، كما كانوا أول من زرع الزنبق والفل الذي يزين حدائق أوروبا .
ابن البيطار أعظم عالم نباتي
يعتبر ضياء الدين المالقي الملقب بابن البيطار خبيراً في علم النباتات والصيدلة، ويعد أعظم عالم نباتي ظهر في القرون الوسطى، وقدم إسهامات عظيمة في مجالات الصيدلة، حيث كتب موسوعة شاملة عن إعداد وتركيب الدواء والغذاء ذكر فيها 1400 نوع من النباتات في إسبانيا وشمال إفريقيا وسوريا، يمكن استخدامها لأغراض طبية، وذكر 300 نوع لم يتعرف إليها طبيب من قبله، وقدم للعالم بموسوعته طرق تركيب الدواء لبعض الأمراض، والجرعات المطلوب تناولها .
وأثبتت الوصفات الطبية التي دونها ابن البيطار نجاحاً عظيماً في الشرق والغرب، واعتمدت كأساس لعلم العقاقير واستعمل كتابه الجامع في تكوين أول صيدلية إنجليزية أعدتها كلية الطب في عهد جيمس الأول .
واكتشف ابن البيطار أحد أوائل الأدوية العشبية المداوية للسرطان وهي عشبة الهندباء وهي نبتة أثبتت نجاحاً في مواجهة الأورام الخبيثة .
ابن زهر حالة استثنائية
مثل أبو مروان عبد الملك بن زهر، حالة استثنائية في زمانه، فبرع في وصف وتشخيص مختلف الأمراض الباطنية والجلدية، وبحث في قروح الرأس وأمراضه، وأمراض الأذنين، والفم والشفاه، والأسنان والعيون، والرقبة والرئة، وأنواع الحمى، وميز بين التهاب غشاء القلب والتهاب الرئة، واعتمد على التجربة والتدقيق العلمي، ووصل إلى أمراض لم تعرف من قبل، خاصة أمراض الرئة، وأجرى في القرن الثالث عشر الميلادي أول عملية بالقصبة المؤدية إلى الرئة، وكان أول من ابتكر الحقن للتغذية الصناعية، وهو رائد علم أوبئة المناطق أو ارتباط ظهور أمراض في أجواء مناطق معينة .
وترجم كتابه كتاب التيسير في المداوة والتدبير وهو موسوعة طبية كبرى إلى اللاتينية عام ،1490 وكان له أثر كبير على الطب الأوروبي حتى القرن السابع عشر، وتوجد عدة نسخ منه في المكتبات الوطنية في باريس، وجامعة أكسفورد .
"ابن فرناس" يحلّق قبل الأخوين رايت
يعتبر مجسم عباس بن فرناس وهو يحاول الطيران من أكثر النماذج إبهاراً في المعرض، حيث سبق ابن فرناس الأخوين رايت بألف عام في صناعة آلة للطيران، عندما طار للمرة الأولى من أعلى مئذنة بمدينة قرطبة، مستخدماً عباءة محشوة بمواد خشبية، وكانت عباءة ابن فرناس أول مظلة في التاريخ، ثم اخترع آلة أخرى بعد دراسة وافية لتشريح الطيور طبياً، وكانت من الحرير وريش النسور، وطار بها من أعلى جبل وظل بالجو لمدة 10 دقائق ثم سقط بعدها ليكتشف أن سبب سقوطه يعود إلى عدم صنع ذيل لطائرته .
كما يقدم المعرض الزجاج الذي كان ابن فرناس أول من اخترعه من الحجارة والرمل، وأصبح بعد ذلك في متناول الفقراء بعدما كان حكراً على الأغنياء، ويضم كذلك نموذجاً لبعض الآلات الهندسية التي ابتكرها مثل المنقالة وهي آلة لحساب الزمن، النموذج الأصلي منها موجود في المسجد الكبير بمدينة طنجة، ونموذجاً صغيراً لآلة تشبه الإسطرلاب أطلق عليها ذات الحلق اعتمد عليها في محاولاته لرصد الشمس والقمر والنجوم والكواكب والأفلاك ومداراتها . ويقدم المعرض لزواره عدداً من الاختراعات التي قدمها علماء المسلمين مثل أول بوصلة لتحديد الاتجاهات، وعدة نماذج من السواك الذي يعتبر أساس فرشاة الأسنان، وأنواع مختلفة من الحناء التي تحولت في عصرنا إلى أصباغ مختلفة للشعر، ونماذج من العطور التي جهزها كيميائيون وعطارون في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة ولا يزال الكثير منها مستخدماً حتى الآن، وبدأت صناعة العطور بالقرن التاسع الميلادي على يد جابر بن حيان ويعقوب بن إسحاق الكندي، الذي أجرى أبحاثاً مكثفة وتجارب على دمج النباتات المختلفة وإنتاج العطور منها، وتوصل ابن سينا إلى استخراج الشذى من خلال التقطير البخاري في القرن الحادي عشر .
كما يعرض عينات من السجاد العربي الذي بهر أباطرة الغرب فاستقدموا منه أعداداً لا تحصى إلى قصورهم، وللمسلمين الفضل في وضع أسس علم النسيج والحياكة .
حجي محمود اكتشف أمريكا وأستراليا
تعتبر سفينة تشنغ الشراعية الصينية من أكثر المعروضات إبهارا، حيث بلغ طولها 100 متر، وتعود صناعة هيكلها الخشبي إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وتشنغ وتعني بالعربية حجي محمود شمس، هو بحار صيني مسلم، قام برحلات عديدة زار فيها البلدان التي تقع على سواحل المحيط الهندي، وجنوب آسيا، وإفريقيا، ووصل إلى منطقة الخليج، والبحر الأحمر ومكة المكرمة، وجاب البحار في رحلات استمرت 28 عاماً في عدة سفن ضخمة، أشهرها سفينة الكنز حاملاً معه بضائع كثيرة من المنسوجات الحريرية، والمجوهرات، والعقاقير الطبية التقليدية من الأعشاب الصينية، وتعتبر رحلاته سباقة لرحلات البحار الإيطالي كريستوفر كولومبوس، والبحار البرتغالي فاسكوا دجاما، وماجيلان، ووصل أمريكا قبل كولومبوس، واستراليا قبل كوك، واحتفلت الصين عام 2005 بمرور 600 عام على أولى رحلاته البحرية الضخمة التي عبر بها المحيط، واعتبر رجل السلام فلم يشعل حرباً واحدة، ولم يقتل أحداً، ولم يفعل ما فعله كولومبوس بالهنود الحمر .
في الثلاث رحلات البحرية الأولى زار تشنغ جنوب شرق آسيا والهند، وفي الرابعة اتجه إلى الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، ثم جازف بعد ذلك بالتوجه إلى أسفل الساحل الشرقي من ماليندي كينيا حالياً، وقام خلال رحلاته بتوزيع الهدايا والعطايا المكونة من الحرير والخزف، وحصل بالمقابل على هدايا غير عادية مثل الحيوانات وأهمها الزرافة التي وضعت بحديقة الحيوانات الإمبراطورية فكان أول من جلب زرافة من الصومال إلى الصين، ويرجع الفضل إليه في قمع القراصنة بأعالي البحار، .
القهوة اكتشاف إسلامي
فوجئ زوار المعرض بعرض صور للمناطق التي اكتشفت فيها بذور القهوة للمرة الأولى بالعالم، عندما اكتشفها راع عربي قبل 1200 عام، في إحدى مناطق إثيوبيا، ولاحظ أن أغنامه تصبح أكثر نشاطاً بعد تناولها، فحمل بعضاً منها إلى منزله وتناوله بعد غليه . ثم نقلها الصوفيون باليمن بعد ذلك وكانوا يشربونها لتساعدهم على السهر طويلاً للتعبد والصلاة، وفى نهاية القرن الخامس عشر وصلت القهوة إلى مكة ومنها إلى تركيا، ومن ثم إلى البندقية في إيطاليا، وفي منتصف القرن السابع عشر، وصلت إلى إنجلترا بواسطة شخص تركي يدعى باسكوا روزي، عندما افتتح أول محل لبيع القهوة في شارع لامبارد في لندن، وبعدها أصبح المشروب الساخن الأول عالمياً .
ابن سينا موسوعة علمية
ألف العالم الطبيب ابن سينا 200 كتاب في مواضيع مختلفة، وهو أول من قدم كتاباً عن الطب في العالم، وأشهر أعماله الشفاء، وكتاب القانون في الطب، ظلت مؤلفاته تدرس في الجامعات الأوروبية حتى القرن التاسع عشر، وأطلق عليه الغربيون لقب أمير الأطباء وأبو الطب الحديث . ولابن سينا كتاب نفيس في الطب هو القانون جمع فيه ما عرفه الطب القديم، وما ابتكره هو من نظريات وما اكتشفه من أمراض، وجمع فيه أكثر من سبعمائة وستين عقاراً مع أسماء النباتات التي يستحضر منها العقار، وكان سباقاً بمئات السنوات، فبحث في أمراض شتى . ونظراً لإسهاماته الرائدة أطلق اسمه على إحدى الفوهات البركانية على القمر، بجانب 300 اسم لعلماء آخرين، منهم أبو الريحان البيروني عالم الرياضيات والفيزياء الشهير، والخوارزمي وغيرهم .