يلاحظ المتتبع للأنشطة المتعلقة بفن الخط العربي غياب الشبان الإماراتيين عن هذا الميدان، ففي مسابقة الخط العربي التي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام في عجمان لم تسجل مشاركة أي من هؤلاء الشبان، وفي معرض الخط السنوي التاسع والعشرين لجمعية الفنون التشكيلية، لم تسجل إلا مشاركة شاب واحد هو علي مراد محمد مراد، وتذكر مصادر مركز الشارقة لفن الخط العربي أن أكثر من يشارك من أبناء الإمارات في دوراته وبرامجه الدراسية هن الشابات، وهناك أسماء نسائية بدأت تبرز في الآونة الأخيرة في مجال الخط مثل إيمان البستكي، وفاطمة سعيد البقالي، وماجدة سليم، وغيرهن، بينما لم يسجل سوى حضور رجالي واحد، فلماذا يعزف الجيل الصاعد من الذكور عن ممارسة هذا الفن الأصيل في الثقافة العربية، والذي يمثل أحد أوجه الجمالية فيها؟
يقول الفنان محمد القصاب عضو مجلس إدارة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية: الساحة الإماراتية عرفت الاحتراف في مجال فن الخط العربي منذ ثمانينات القرن الماضي مع مجموعة من الخطاطين الذين أصبح لهم حضورهم على المستوى الوطني والعربي، وقدموا أعمالاً خطية بديعة، منهم على سبيل المثال محمد مندي، وحسين سري، وخالد الجلاف، ومحمد عيسى خلفان، وقد أصبح للخط حضور كبير بسبب أعمال هؤلاء وبسبب وجود خطاطين عرب كبار، وثالثاً بسبب وجود مؤسسات تعنى بهذا الفن، وعى رأسها مركز الشارقة لفن الخط العربي، وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ورغم ذلك فإن الأجيال الجديدة لا تتحمس كثيراً للاشتغال بهذا الفن، وخصوصاً الفتيان، وربما يعزى ذلك إلى الرغبة الذاتية لدى الشاب، وإلى صرامة قواعد الخط التي تفرض على المشتغل الصبر والمثابرة وتأخذ منه الوقت الكثير، وطبيعة الحياة اليوم بسرعتها وجواذبها الكثيرة تجعل الشاب غير راغب في التضحية، ولا يمتلك الصبر على ذلك، فالمسألة ذاتية بالدرجة الأولى، لأن الفرص متاحة لهم لو أرادوا أن يشتغلوا بهذا الفن، فالمراكز والورش متوافرة، والدعم موجود بكل صنوفه .
ويرى الخطاط تاج السر حسن أن الفتيان ربما تستهويهم العلوم والتقنيات الحديثة أكثر مما يستهويهم الفن والخط، في حين أن الفتيات أميل وأكثر صبراً عليه، ووقتهن أوسع، ولذلك هن أكثر إقبالاً على فن الخط العربي، والأمر يحتاج إلى دراسة ميدانية معمقة للوقوف على الأسباب العميقة للظاهرة والخروج بنتائج علمية يمكن البناء عليها مستقبلاً للإقبال على هذا الفن الجميل .
أما الفنان والناقد التشكيلي علي العبدان فأكد ما ذهب إليه الآخرون من كون فن الخط العربي له قواعد صارمة ينبغي على الخطاط الالتزام بها واحترامها، وإتقانها يحتاج إلى صبر ووقت، ودقة النساء بحسهن الفني الرقيق، أكثر تهيؤاً من الرجال، وقال العبدان إن فن الخط يرتبط به فن آخر، هو فن الزخرفة، وهو من اختصاصات المرأة في مجتمعاتنا التقليدية .
وأضاف العبدان إن من أسباب عزوف الشباب عن فن الخط كون طريق الفن عامة، والخط خاصة، طريقاً طويلاً، والمردود المادي له ليس أكيداً، وضغط الحاجة المادية وصعوبة الحياة تحتم على إنسان اليوم البحث عن وسائل للكسب، وهناك سبب عائد إلى الخطاطين أنفسهم والمؤسسات التي ترعى الخط، حيث لم يستطيعوا أن يسوقوه تسويقاً جيداً، ولم يخرجوه بالصورة الجذابة التي يمكنها أن تجذب الناس إليه، ولم يدخل فن الخط نواحي الحياة كما دخلتها الفنون الأخرى، ثم لماذا لا نشاهد لوحات خطية لأمثال شعبية إماراتية، ولماذا لا يدخل الخط في تصميم اللباس وفي تزيين الأواني، ولم يدخل عمارة المنازل؟ ومن المؤسف أن الخطاطين ما زالوا يتبعون النهج نفسه، منذ قرون، يكرر بعضهم بعضاً، ولم يخرجوا إلى ميدان الحياة ويلامسوا بفنهم اهتمامات الناس، هناك مجالات كثيرة يمكن أن يدخلها الخط، وتكون له منها مردودية تشجع الشباب الجدد على ارتياد ميدانه .
وحين نعود إلى تاريخ فن الخط سنجد أنه كان مندمجاً في الحياة، فالطغراء كان طريقة السلاطين في التوقيع، ثم صار فناً من فنون الخط، ولذلك فعلى القائمين على هذا الفن العربي الأصيل الجميل أن يقدموه في صورة جذابة، وأن يلامسوا الواقع والاهتمامات الخاصة للناس إن أرادوا له الرواج واستقطاب الفئات الجديدة .