قبل الدخول في تعريف المقالة الصحفية ينبغي الإشارة إلى اللغة الصحفية بوجه عام، وبداية يجب الاعتراف بأن الأصل في قوة اللغة أو ضعفها يرجع إلى كاتبها بالدرجة الأولى .
واللغة الصحفية على وجه الخصوص تفترض، وبحسب اتفاق المختصين، حلاً وسطاً ما بين اللغة الأدبية واللغة العلمية أو الفكرية وحتى النقدية أو الفلسفية .
وبناء عليه، فإن ما يقترحه النقاد والقراء على حد سواء يظل محل نقاش وأخذ ورد، وهذه طبيعة الأشياء، ومنها تنسل مجموعة الأفكار والتصنيفات والتوجهات التي ينبغي اتباعها وربما رفضها جملة وتفصيلا .
فاللغة الصحفية، ومنها الثقافية على سبيل المثال، يجب أن تتوافر فيها درجة من الفصاحة المقرونة بمرونة تخفف من حدة كلماتها أو بلاغة عباراتها، فتبتعد ما أمكن عن السجع والبيان الصعب، لكنها لا تنخفض بمستوى اللغة، بل تحافظ على مستوى لائق من الرصانة، وتكون موسوعية لجهة مخاطبة شرائح متعددة الأذواق والثقافات ودرجة التعلم .
واللغة الصحفية كما هو معلوم، تهتم بنقل الخبر، وهذه مهمتها الأولى، وتحتاج إلى حرفية ترتفع بها فناً، وتقلل من جمودها، وتبث الروح بين مفرداتها، فهي بالتالي تحتاج إلى شيء من حنكة القاص مهارة الروائي، وفوق هذا وذاك تحتاج إلى ذكاء صحفي ينقلها بتدرج وأسلوب يخصه وحده ويميزه عن سواه، ذلك لأن المشتغلين بمهنة الصحافة ليسوا سواء، وربما يرى البعض في هذا مدعاة إلى التنوع والاختلاف، على أن التشديد في النظر اللغة الصحفية من وجهة أكاديمية أو نقدية بحتة، لن يخدم اللغة الصحفية أو الإعلامية، التي تمارس وظيفة محددة، تقع في منتصف المسافة بين التثقيفية والتعليمية والتوعوية والخبرية بكل تأكيد .
في مستوى آخر من اللغة الصحفية، هناك المقالة، التي يتوافق النقاد على توصيفها بالقطعة النثرية التي تعالج بعض القضايا الخاصة أو العامة، ويبرز فيها الرأي الخاص أو الذاتي، وغالباً ما تمتاز بالسهولة والاستطراد وتعالج موضوعاً واحداً وليس أكثر، بل غالباً ما يتم توصيفها بالمقال الأدبي، حتى وإن نشرت في صحيفة يومية أو أسبوعية أو دورية .
يعرف الكاتب آرثر بنسن المقالة بأنها تعبّر عن إحساس شخصي، أحدثه شيء غريب أو جميل أو مثير للاهتمام أو يتمتع بدرجة من التشويق، أو يبعث على الفكاهة والتسلية .
إن لغة المقال الصحفي هنا، ترتقي إلى أن تكون قطعة أدبية فنية، ومبتكرها في الغرب هو الفرنسي مونتني في القرن السادس عشر، وكانت تتناول موضوعات تربوية وأخلاقية، لكنها تطورت في انجلترا في القرن السابع عشر على يد فرنسيس بيكون، الذي حرص على أن يكون موضوعياً في كتاباته، أما في القرن الثامن عشر فتطورت إلى ما يشبه المقالة الأدبية القائمة بذاتها، مع ميل إلى النقد والتحليل، و قد عرفها أدبنا العربي القديم في نموذج رسائل ابن المقفع ورسائل الجاحظ وأبي حيان التوحيدي.