قال الله عزوجل وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (سورة التوبة الآية 6)، هذه الآية الكريمة من سورة التوبة مدنية، وفيها أمر من الله سبحانه وتعالى لرسوله الامين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بأن يجير ويحمي اي شخص من المشركين، إذا استجار به وطلب الحماية منه، وأن ينصحه ويسمعه كلام الله ثم ان يوصله إلى بلده آمناً على نفسه وماله من غير خداع ولا غدر ولا خيانة، وفي هذا إشارة إلى حرص الاسلام على هداية البشرية وعلى حسن المعاملة وكرم الاخلاق والوفاء بالعهود والمواثيق والعقود . وهذه الآية الكريمة هي تشريع لجميع المسلمين في كل زمان ومكان، فكيف اذا كان المستجير مسلماً؟
إننا نؤكد حقيقة ناصعة لا جدال فيها أن المؤمن هو أخ للمؤمن أحب أم كره، وأن المسلمين جميعاً بمختلف ألوانهم وأصولهم وقومياتهم يشكلون أمة اسلامية واحدة ذات رسالة خالدة هي رسالة الاسلام . وهناك عشرات الآيات الكريمة والاحاديث النبوية الشريفة التي تصرح بذلك، واكتفي بالاستدلال بأربع آيات كريمة واربعة أحاديث نبوية شريفة . فيقول سبحانه وتعالى:
- كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله (سورة آل عمران الآية 110) .
- إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (سورة الأنبياء الآية 92) .
- وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (سورة المؤمنون الآية 52) .
- إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (سورة الحجرات الآية 10) .
ويقول رسولنا الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم:
- المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم .
- ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (متفق عليه) .
- المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً (متفق عليه) .
- المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره . (متفق عليه) .
يقول الله سبحانه وتعالى: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير . سورة الأنفال الآية ،72 وتفيد هذه الآية الكريمة بأن المسلمين إذا طلبوا النصرة والنجدة من اخوانهم يجب عليهم أن يلبوا النداء وأن ينصروهم وأن يقفوا إلى جانبهم، إلا إذا وجد عهد وميثاق مع الدول المعاهدة والمسالمة كما نصت الآية الكريمة، وعليه فلا يوجد عهد وميثاق مع الدول المحاربة والمعتدية .
ويقول رسولنا الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً، فقدر أن ينصره، فلم ينصره، (رواه الطبراني في الكبير وفي الأوسط عن الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما) . وفي رواية فلم يفعل بدلاً من فلم ينصره والمعنى واحد .
ويقول عليه الصلاة والسلام ما من امرئ يخذل مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، (رواه أبو داود في سننه، والطبراني في الأوسط عن الصحابي الجليل أبي أيوب الانصاري رضي الله عنه) .
ويقول صلى الله عليه وسلم من أذل عند قوم فلم ينصره، وهو يقدر أن ينصره، إلا أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة رواه أحمد والطبراني عن الصحابي الجليل سهل بن حنيف رضي الله عنه، فإن الله عز وجل سيذل من يتخلى عن نصرة أخيه والأحاديث النبوية الشريفة صريحة وواضحة في التحذير من الخذلان وعدم النصرة، وقد سبق لي أن أصدرت أخيراً فتوى شرعية بهذا الخصوص .
إن ديننا الاسلامي العظيم هو دين العقيدة والحضارة والعزة والكرامة، وهو يدعو إلى الوحدة والتضامن والتكافل الاجتماعي، كما يدعو إلى نصرة المظلوم والدفاع عن الضعيف والفقير والمسكين والمسحوق، وإلى حمايتهم وعدم خذلانهم أو عدم التخلي عنهم، ويحرم الاسلام سفك الدماء وازهاق الأرواح وقتل الابرياء، ويدعو إلى إسعاد البشر وليس إلى ابادتهم، ويدعو أيضاً إلى الامن والامان والطمأنينة والسلام . وعلى المسلمين جميعا أن يقفوا صفا واحداً في وجه الظلم والعدوان واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا (سورة آل عمران الآية 103) إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون (سورة آل عمران الآية 160) فهل من مدكر؟! هل من متعظ؟!