معلم اليوم ليس كمعلم الأمس وبالتحديد في ما يتعلق بالهيبة، لدرجة تستوجب الترحم على أيام زمان حتى القريب نسبياً، عندما كانت توكل للمدرس مهمة التربية إلى جانب التعليم، ولو بشكل تلقائي وغير مخطط له، ومرد هذا التراجع حسب الكثيرين أسباب عدة منها على سبيل المثال لا الحصر (الدروس الخصوصية، لقمة العيش، الراتب الضعيف، الأهل، الطالب، ضعف الحصانة والردع . . .) .

لا نريد أن يغير الطالب طريقه إذا رأى مدرسه جالساً أو يمر منها، كما كان عليه الحال في الماضي، ولا نطالب أن يضرب المدرس الطالب بعصاه الغليظة، وكل ما هو مطلوب ألا يحصل العكس في يوم من الأيام، وأن تعاد هيبة الكثير من المدرسين بعد أن فقدوها بمحض إرادتهم، أو أفقدتهم إياها الظروف والأنظمة، حسب مختصين وذوي علاقة بالعملية التعليمية المدرسية، التي كانت وما زالت تسبق فيها كلمة التربية التعليم .

هيبة المعلم المربي، عنوان عريض وكبير، يستوجب وقفة متأنية من ذوي الشأن والمسؤولين في المدارس والمناطق والمجالس التعليمية ووزارة التربية والتعليم نفسها، وإعادة تلك الهيبة المفقودة التي تحتاج إلى تشخيص وتسمية وبحث عن الحلول، إذ لا يستوي معلم ناقص الهيبة على عظم الرسالة التي يؤديها مع حجم تلك الرسالة التي كادت توصله إلى مرتبة الرسل .

أكدت جميلة حسن زين، مديرة مدرسة المعارف الخاصة، التراجع الكبير في مكانة المعلم، ومنها عدم احترام الطالب له، حتى أصبحنا نرى ظاهرة محاسبة الطالب للمدرس وليس العكس، لافتة إلى وجود هوة شاسعة في العلاقة بين الطالب والمدرسة (الهيئة التدريسية) . وإن السواد الأعظم من الطلبة للأسف لا يكنون للمعلم أي مشاعر احترام، على الرغم من أن المعلم كاد يصل إلى مرتبة الرُسل لرفعة الرسالة التي يؤديها .

مصدر للرزق

وحول أسباب تراجع مكانة المعلم وهيبته أوضحت زين: مرد ذلك سببان الأول يتعلق بالمدرس نفسه، فعدد من المدرسين يتنازلون كثيراً حفاظاً على مصدر رزقهم الذي أصبح أداة تهديد وبشكل لافت من قبل بعض أولياء الأمور، كما أن الكثير من المدارس، لا سيما الخاصة منها، أصبحت لا تقف بصلابة مع الحق في حال كان الطالب على خطأ كون هدفها المال في الأساس، بالإضافة إلى أن عدداً من المدرسين أصبحوا يستجدون من أجل إعطاء الدروس الخصوصية للطلبة مما أفقدهم كثيراً من هيبتهم واحترامهم .

أما السبب الثاني فيتعلق بالأسرة والمجتمع، فنرى أولياء الأمور في الوقت الحالي يقفون إلى جانب الطالب ظالماً كان أم مظلوماً من دون البحث عن الأسباب، الأمر الذي يغرس فيه حب الذات وعدم احترام المدرس، بالإضافة إلى الدور الكبير الذي يلقى على أكتاف وزارة التربية والتعليم التي تقف في كثير من الأحيان في صف الطالب والأهل ضد المدرس من دون البحث عن خلفيات المشكلة .

طلال درويش، مدرس أمضى عمره في سلك التربية والتعليم، يرى أن انقلاباً كبيراً قد طرأ على مكانة المعلم في أيامنا هذه، وأن النظرة إلى مكانة المعلم كانت مبنية في السابق على قيم وخلاق تربينا عليها منذ الصغر، التي تركز على تقدير المعلم واحترامه، أما الآن فالصورة أصبحت مختلفة تماماً فأصبح ينظر إلى المعلم بكم يتقاضى من الأجر .

وعن هذا الاختلاف يقول: إن مكانة المعلم اليوم أصبحت تحدها العديد من المعايير الخاطئة، وأصبح التركيز على الأجر الزهيد الذي يتلقاه المعلم، وبما أن المجتمع اليوم مادي فقد أثر هذا الأمر على مكانته واحترامه في نفوس الطلاب والأهل .

وعن دور الأهل في توعية أبنائهم لقيمة المعلم يعقب قائلاً: لقد كان الأهل قديماً يعطون المعلم الدعم والصلاحية الكاملة للتصرف مع الطلاب وشعارهم في ذلك هم أبناؤك افعل بهم ما تشاء في إشارة منهم إلى الإقرار بمكانة المعلم المربي والواعظ للأجيال، أما الآن فإننا نرى أن الأهل لا يحثون أبناءهم على احترام المعلم بل على العكس يحاولون التقليل من شأنه ولا يتورعون (هم وأولادهم) عن تهديد المعلم بالشرطة مهما كان المسبب .

إعلام وخادمات

من جانبها مريم أحمد عبدالله مدرسة توافق جميلة الرأي لجهة التراجع في هيبة المعلم هذه الأيام، مقارنة بما كان يتمتع به في الماضي الجميل، معزية ذلك إلى التطور التكنولوجي وتقليد بعض السلوكيات الخاطئة والسلبية التي يكتسبونها من متابعتهم التلفاز ووسائل الإعلام الأخرى، بالإضافة إلى بُعد الأهل عن أبنائهم، وانتشار ظاهرة الخادمات اللائي يوكل إليهن تربية الأبناء من الألف إلى الياء .

ولفتت إلى أن لانفصال الأب عن الأم دوراً كذلك في تغذية السلوك السلبي لدى الطلبة في بعض الأحايين، كون دور الوالدين تكاملياً في التربية والتنشئة السليمة .

وتقول المعلمة نداء غالب، لا نستطيع أن نعفي المعلمين من المسؤولية بما يتعلق بالهيبة، فبعض المعلمين لا يهمهم سوى تمرير ساعاتهم التعليمية، من أجل تقاضي الراتب نهاية الشهر من دون القيام بواجبهم على أكمل وجه، وهذا الأمر يؤثر على مدى احترام الطلبة لهم .

وذكر عماد يوسف أن هنالك العديد من الأسباب التي أدت إلى زعزعة مكانة المعلم ومنها: أسباب مادية، إذ إن ظروف المعلم المعيشية والمادية سيئة جداً، وذلك ينعكس سلباً على مكانته، كما أن تخريج أعداد هائلة من المعلمين في كل عام، وقلة عدد الوظائف المتاحة خلق نوعاً من التنافس غير الشريف بين المدرسين للحصول على الوظائف، ما كان له أثر في التقليل من هيبتهم، وأن انقطاع العلاقات الودية بين المعلم والأهل أدى إلى تطاول الأهل على المدرسين، وهو بمثابة الضوء الأخضر الذي يمنحه الأهل لابنهم من أجل التطاول على المدرس أيضاً .

درس خصوصي

وكان لأولياء الأمور رأي واضح في القضية، وهم من عايش فترات السبعينيات والثمانينيات التي كان فيها المعلم الآمر الناهي، وصانع الأجيال بجدارة .

أكد سامح فاروق، ولي أمر، لديه 3 طلاب على مقاعد الدراسة، التراجع الواضح في مكانة المعلم، على الرغم من أهمية الرسالة التي يحملها، وأرجع السبب إلى ظاهرة الدروس الخصوصية التي جعلت الطلبة ينظرون إلى المدرس على أنه موظف لديهم، مما أفقد مدرسين مكانتهم السامية التي كانوا يتمتعون بها في السابق، لافتاً إلى أن الجزء الأكبر من المشكلة يلقى على عاتق المدرس الذي أصبحت المادة هي الأساس لديه، بالإضافة إلى وجود عدد من أولياء الأمور الذين يسيؤون إلى المدرس أو يقللون من شأنه أمام الطلبة، مما ينعكس سلباً على مكانته، وأن لوزارة التربية والتعليم دوراً في تعزيز مكانة المعلم عن طريق الوقوف معه إن كان على حق، بالإضافة إلى عدم منع العقاب، كون عدد من الطلبة بحاجة إلى الزجر والعقاب المتدرج في أساليبه .

حسين علي حسن، أب لخمسة طلاب في مراحل دراسية مختلفة، يرى هو الآخر تراجعاً في مكانة المعلم ومستوى احترامه، مقارنة بما كان عليه في الماضي، حيث الترابط الاجتماعي وصغر المجتمع، الأمر الذي ينعكس على كافة مناحي الحياة ومنها التدريس، لافتاً إلى أن ضعف التواصل أو انعدامه بين المدرسة والأهل أوصل الوضع إلى ما هو عليه، على مستوى العملية التعليمية ككل، لا مكانة المعلم ودرجة احترامه، وتقدير مهمته ومهنته المقدسة فقط .

واعتبر الدروس الخصوصية أسلوباً رخيصاً ينتهجه البعض من أجل الحصول على المال، الأمر الذي انعكس سلباً على المدرس، داخل الفصل والمدرسة والمجتمع .

لما العويس، ولية أمر، تقول: كنا نعتبر المدرس قدوة لنا، فهو يؤدي رسالة سامية من شأنها رفع المجتمعات إلى مصاف الدول العالمية المتقدمة، فلم يكن الطالب يخالف المعلم في رأي، بل كان لا يستطيع رفع عينه في وجهه احتراماً، لكن للأسف الأمر اختلف اختلافاً جذرياً في وقت أصبح الطلبة يصرخون في وجه المدرس ويهددونه في بعض الأحايين .

وحملت الإعلام المرئي مسؤولية كبيرة عن هذا الانحطاط لدوره في صقل عادات وسلوك المراهقين، كون البرامج التي تبثها الفضائيات تتميز بالعنف الأمر الذي يغرس طابع العنف لدى المراهقين، على اعتبار الشباب يتجهون نحو تقليد الشخصيات، بالأخص في السلوكيات السلبية .

من جهتها قالت عفراء السويدي، ولية أمر: احترام الطلاب للمدرس مرده شخصية المدرس نفسه التي تفرض احترام الآخرين، لافتة إلى أن بُعد الأم عن أبنائها بسبب العمل والاعتماد على الخادمات يؤثر في تربية الأبناء، فعند شعور الأبناء ببُعد الأهل وعدم متابعتهم الحثيثة يفعلون ما يحلو لهم، من دون أدنى شعور بالمسؤولية أو الخوف من المساءلة في مرحلة من المراحل العمرية .

الدلال المدمر

أشار عمر حسن الزعابي، ولي أمر 3 طلاب، إلى أن الطلاب أصبحوا مدللين لدرجة وقوف ولي الأمر في صف الطالب وهو على علم أنه المخطئ . وهناك عوامل عدة اجتمعت مع بعضها أدت إلى التقليل من شأن المدرس وفقدانه احترامه، متمثلة في ثقافة المجتمع وضوابط السلوك الطلابي، وحاجة المدرس إلى المال بسبب ضعف الراتب، الذي لا يكفي لأساسيات المعيشة الكريمة، وللأسف ليس هناك تربية ولا تعليم بالمستوى المرجو، والخاسر في هذه الحالة الأجيال التي تتيه ويضيع مستقبلها .

محمد زكريا الإبراهيمي مشرف قسم البنين في مدرسة دبي الوطنية، شارك الذين يقولون هناك تراجعاً كبيراً في مكانة واحترام المعلم، ومرد ذلك برأيه الرفاهية والدلال الزائد من قبل الأهل لأبنائهم، ما انعكس سلباً على كافة مناحي حياته، ومنها المدرسة وطريقة تعاطيه مع الهيئة التدريسية .

وشدد على دور الأهل البارز في التقليل من هيبة المعلم في نظر أبنائهم كونهم يقفون دائماً في صف أبنائهم ضده، كما أن اعتماد الطفل على الخادمة في كل شيء يعلمه الاتكالية، كما أن لطبيعة الحياة العصرية دوراً بارزاً في تغذية فكرة التقليل من قدر ودور المعلم .

وعند سؤال الطلبة عن الأسباب التي أدت إلى تراجع مكانة المعلم، قالت فاطمة حميد، طالبة في المرحلة الثانوية: إن استهتار الطالب بالمعلم وشعوره بأن المدرس يعمل لديه انعكس على احترامه، إضافة إلى خوف المدرس على لقمة عيشه ومصدر رزقه قاده إلى التغاضي عن الكثير من تصرفات الطلبة السلبية، مما جعلهم يفهمون ذلك بشكل خاطئ، ويتمادون أكثر فأكثر مع المدرس .

واستشهدت فاطمة ببيت الشعر الشهير للشاعر أحمد شوقي والقائل:

قم للمعلم وفه التبجيلا

كاد المعلم أن يكون رسولا

لكن للأسف لا نرى ذلك في وقتنا الحاضر، ونلمس عكس ما يخبرنا به آباؤنا عن مدى المكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها المدرس فيما مضى، متمنية عودة تلك الأيام، لأن ذلك يصحح مجمل العملية التعليمية والتحصيل العملي لدى الطلبة .

ووافقها الرأي طالب الثانوي أحمد إبراهيم غياف، الذي يرى أن التراجع لم يصب العلاقة بين الطالب والمدرس، بل تعدى ذلك ليصيب المدرسة، كمؤسسة عريقة لها احترامها ومكانتها في صناعة الأجيال كذلك، وأن لشخصية المدرس دوراً كبيراً في كسب احترام الطلبة .

وقالت الطالبة منى أحمد: لطالما حدثني والدي عن مكانة المعلم وهيبته قديماً، حينما كانوا ينطقون بكلمة الأستاذ، وتفخيم الكلمة دلالة على تعظيمهم لشأن المعلم والإعلاء من مكانته، كان المعلم مقدراً ليس من طلابه وحسب وإنما من أبناء قريته ومجتمعه، فالمعلم هو المصلح الاجتماعي وهو صاحب الكلمة المسموعة، فحينما يمر الأستاذ من طريق فلا بد للطالب أن يغير طريقه . بهذه الكلمات وصفت المعلمة نداء حمّاد، 24 عاماً، مكانة المعلم .

وأضافت: على الرغم من القسوة التي كانت تمتاز بها تلك الحقبة إلا أننا لو قارناها بما هو حاصل حالياً لعلمنا أن المعلمين يعيشون في مهزلة كبيرة .

ضرب من الوهم

سهى خليل طالبة جامعية، وبعد مدة ستصبح معلمة تعمل في الميدان، تقول: أسمع بين الحين والآخر قصصاً وأحداثاً تحدث في المدارس وتعكس الواقع المؤلم الذي آلت إليه مكانة المعلم، فالحديث عن هيبة المعلم حالياً أصبح ضرباً من الوهم، الأمر الذي دفعنا إلى التفكير ألف مرة قبل الدخول في معترك التدريس .

وعن أسباب زوال احترام المعلم من الطلاب والمجتمع تقول خليل: إن هنالك أسباباً عديدة أدت إلى تقليل هيبة المعلم مثل العدد الكبير من الطلاب داخل الصف الواحد الأمر الذي يفقد المعلم تركيزه وبالتالي احترام الطلاب له لصعوبة العمل مع هذا العدد .

ومن الأسباب الأخرى تهافت وصراع الكم الهائل من المعلمين على الفوز بالوظيفة، وهذا الأمر أضر بسمعة المعلمين من قبل الأهل والطلاب والمجتمع فظهر المعلم بصورة السلعة الكاسدة نتيجة تخرج أعداد هائلة من دور المعلمين وبقائهم دون عمل، وبعبارة أخرى فالجميع ينظر إلى أن أسهل الأمور هي أن تكون معلماً .

علي حسن، مدير منطقة عجمان التعليمية، يقول إن معلم اليوم غير معلم الأمس، فلطالما دخل بيوت الطلبة لإعطاء الدروس الخصوصية قلت هيبته، والعلم يؤتى لا يأتي إليك، ولدينا معلمون أصحاب هيبة وكرامة في الميدان، ومسيطرون في فصولهم بشخصياتهم وحزمهم ومادتهم العلمية واقتدارهم، وآخرون هدفهم الراتب، ومتى نظر المعلم إلى التدريس كمهنة فسيبدع، وإذا كانت وظيفة فسيخفق وتختفي الهيبة .

لا يوجد تدرج في إجراءات ردع الطالب، فلماذا لا يتدرج المعلم في استخدام لائحة السلوك، والتدخل مع ولي الأمر والأخصائي الاجتماعي في المدرسة؟ علماً أنه لدينا توجه فردي على أن يجلس المدرس مع الطالب ويوجهه، وكل إنسان له مفتاح، وعلى المعلم كسب الطالب والتعامل مع المواقف بحكمة واتزان .

واعتبر تعدي الطالب على المعلم فشلاً للأخير في أداء رسالته، وإذا خاف المعلم فهذا خلل في شخصيته، وهناك حدود بين الأطراف ولائحة تنظيمية .

ويرى أن هناك تهاوناً من أولياء الأمور ونصرة لأبنائهم على المعلم، واختلف الوضع عما كان عليه في السبعينات والثمانينات، وعلى ولي الأمر متابعة الابن الوقوف على مستواه ومصلحته، حيث كان الأب في الماضي يقول للمدير أو المدرس سلمتك ابني أمانة، وهذا لا يصلح اليوم بأن يرمي كل الحمل على المدرسة، وكل ما لدينا التوجيه والإرشاد والنصح، وليس لدينا خيزرانة للردع والعقاب .

ويشدد على أهمية التواصل بين المدرسة والأهل، في علاج الكثير من القضايا والمشاكل بنسبة 90% . وتساءل باستنكار هل حاول معلم ولو مرة الحصول على البريد الإلكتروني لولي أمر؟ بغية التواصل معه، وإفادته بتقارير عن حالة ابنه، ولو حصل ذلك فكيف ستكون مكانة المعلم؟

لدينا في لائحة السلوك أساليب عدة لردع الطالب منها (التنبيه، لفت النظر، استدعاء ولي الأمر، توقيف الطالب أو نقله)، واللائحة مهمة مع عدم تجاوز الخطوط الحمر، فلماذا ألجأ لها وأنا أقوم سلوك الطالب، فدور المعلم غير مقتصر على إيصال المعلومة، وإنما لدينا أهداف ثلاثة (وجدانية، مهارية، معرفية) . ويجب التركيز عليها في المدارس للتأثير على الطالب وإحداث تغيير في سلوكه .

لا نريد معلماً تقليدياً وإنما معلماً يعي استراتيجيات التعليم، وتوظيف الأهداف الثلاثة في مادته ولقاءاته الفردية مع الطلبة الذين بحاجة إلى نصح وإرشاد .

مهنة لا وظيفة

أكد الدكتور أحمد العموش، عميد كلية الآداب في جامعة الشارقة، على تراجع مكانة وهيبة المدرس عما كانت عليه في الماضي وبشكل ملحوظ، حيث كان يحتل المدرس في الماضي مكانة اجتماعية مرموقة، لكنه افتقدها في وقتنا الحالي، معزياً ذلك لسببين رئيسين: الأول يتعلق بالمدرس نفسه، مما يستدعي إعادة النظر بالدور المنوط به، كما يتوجب عليه إعادة النظر في ذاته من حيث الدروس الخصوصية التي لها دور كبير في سلب مكانته وهيبته داخل المجتع .

وشدد على أهمية أن يكون التعليم مهنة لا وظيفة، والمهنة لها أخلاق لذلك لابد أن يكون في التعليم جانب أخلاقي يتم الارتكاز عليه، لافتاً إلى أن لحظة اتخاذ التعليم وظيفة لكسب الرزق دون إيلاء الجوانب الأخرى الأهمية الكافية، ينعكس ذلك سلباً على المكانة الاجتماعية للمدرس .

والسبب الثاني، حسب العموش، مرده أشياء كثيرة تتحكم بها وزارة التربية والتعليم والأسرة والمدرسة، بالإضافة إلى الطالب نفسه، إذ رأى أن رواتب الكثير من المدرسين لا تتناسب مع طبيعة عمله وهي دون الحد المطلوب، مما يجعله يتجه إلى الدروس الخصوصية لتعويض ذلك، كما اعتبر أن غياب الرقابة الأسرية على الطالب وضعف التواصل بين الأسرة والمدرسة يلعبان دوراً بارزاً في تراجع احترام المدرس من قبل الطالب .

مفهوم أبوي

وفي رأس الخيمة يقول (م .س .ح) معلم مادة اللغة العربية للحلقة الثانية بمنطقة رأس الخيمة التعليمية، إن العلاقة بين المعلم والطالب يجب أن تكون وفق الحالة التي يعيشانها داخل الفصل الدراسي على ألا يهمل المعلم الحالة النفسية والاجتماعية والسلوكية لكل طالب، وسلوك الطالب نفسه يفرض على المعلم تحديد كيفية التعامل معه .

وإن اللين والشدة والتعامل وفق إطار المفهوم الأبوي من قبل المعلم تجاه الطلبة أمر ضروري، حيث إن ذلك من شأنه أن يفرض أجواء متوازنة داخل الحصة الدراسية، وبالشكل الذي يستطيع المعلم السيطرة على سلوكيات الطلبة بمختلف طبائعهم .

من جانبه أشار (ف .ح .أ) معلم مادة الرياضيات بمنطقة رأس الخيمة التعليمية، إلى أن القوانين واللوائح والأنظمة التي حددتها وزارة التربية والتعليم، تقف جميعها إلى جانب الطالب وولي أمره مما جعل المعلم والمدرسة في زاوية اتهام مستمرة تقيدهما مجموعة من الضوابط مما يجعلهما في عرضة دائمة للاستهزاء وربما الاعتداء من قبل بعض الطلبة وأولياء أمورهم، مستذكراً بعض الوقائع التي راح ضحيتها بعض المعلمين من خلال إنهاء خدماتهم بسبب شكوى ولي أمر ضد معلم استخدم العنف والقوة ضد طالب مسيء .

إن وزارة التربية والتعليم قادرة على إعادة الاعتبار للمعلم ومن ثم المدرسة من خلال سن قوانين، تضع ضوابط وقوانين صارمة تحمي المعلم أثناء تأديته لمهام عمله داخل المدرسة وبالشكل الذي يصعب اخضاعه لتحقيق إداري أو قضائي ربما لقضية أو اتهام كيدي من ولي أمر .

أسباب معيقة

أما (ص .ع .خ) معلم مادة الفيزياء، فأكد أن غياب القوانين والأنظمة واللوائح التي تحمي المعلم والمدرسة من شكاوى الطلبة وأولياء أمورهم، مع ضعف الأجور الشهرية التي يتقاضونها وانعدام التأمين الصحي والتعليمي لأبنائهم وأسرهم، يضاف على ذلك توقف علاواتهم السنوية عند سقف زمني محدد، وعدم تعاون الأسرة والطالب في اتمام المسيرة التعليمية، كلها جزء من عقبات وعوارض تقف في طريق تحقيق المعلم لرسالته من داخل بيئة تعليمية طاردة وليست مشجعة .

وأن وزارة التربية والتعليم لو أرادت تعديل أوضاع المعلم والبيئة المدرسة، فعليها البدء بإزالة تلك المعوقات الآنفة الذكر، كي يتسنى للمعلم والطالب على حد سواء التعايش في بيئة تعليمية جاذبة .

وقال (م .أ .ع) معلم مادة اللغة الإنجليزية إن وزارة التربية والتعليم لم تضع قوانين وأنظمة صارمة تحفظ للمعلم كرامته وحقوقه الوظيفية أمام تعسف بعض الطلبة وأولياء أمورهم، فمجرد شكوى بسيطة، ترى أن المعلم يساق إلى تحقيق إداري أو قضائي في الشرطة والمحاكم، نتيجة شكوى كيدية كانت أو صحيحة . إن زج المعلم في مثل تلك المعتركات، من شأنه أن يضيع هيبته وهيبة المدرسة والمنطقة التعليمية التي ينتمي إليها، وبالتالي تشجيع من تسول له نفسه بارتكاب تجاوزات أخرى ضد البيئة التعليمية والعاملين فيها .

من جانبه أوضح المواطن (س .ر .خ) معلم مادة التربية الوطنية، أن اكتمال حلقة التواصل بين الطالب وأسرته من جهة، والمدرسة وكوادرها التدريسية وأخصائيها الاجتماعيين من جهة ثانية له دور بارز في تقدم مستوى الطالب العلمي بشكل كبير، نظراً لما تحدثه تلك العملية من متابعة حثيثة وجادة من قبل الأهل والمدرسة لحل كل المعوقات التي يعانيها الطالب داخل وخارج المدرسة . وأضاف أن التجربة خير برهان على ذلك، حيث تشهد المستويات العلمية المتقدمة للطلبة الذين يتلقون الاهتمام والمتابعة المستمرة من قبل ذويهم لأدائهم ومستواهم التعليمي بالتواصل مع المدرسة، فيما يعاني بعض أقرانهم الآخرين من مستويات علمية متدنية، وتسجيل حالات تغيب مستمرة، فضلاً عن العنف الذي يتسمون به داخل البيئة المدرسية، بسبب غياب دور الأهل في متابعة شؤونهم المدرسية والاجتماعية .

قيمة منقوصة

واعتبر معلمو ومعلمات المنطقة الشرقية بمدنها الثلاث خورفكان وكلباء ودبا الحصن، أن مشكلتهم ليست فقط في مساحة الفضاء الشاسعة بينهم وبين الوزارة والأسر، بل في أوضاعهم المعيشية التي يتزايد معدل حاجتهم فيها إلى تحسين الدخل والنظر إليهم بشكل أكثر آدمية، بعد أن أصبحوا، حسب كلامهم، قيمة منقوصة .

(ص .و .ع) مدرس أساسي، أكد أن العلم أصبح قيمة بلا قيمة تحاصره مشكلاته الشخصية التي مطلوب منه أن ينساها أو يتناساها أمام تلاميذه، ولكن كيف يتحقق هذا في ظل ماراثون غلاء المعيشة ووضعه الاجتماعي المتقهقر، فهو يسعى إلى أن يصل بما هو مكلف به إلى التلميذ الذي هو مشغول بأمور أخرى من مغريات العصر .

وأشار إلى أن مشكلتهم الحقيقية في عموم المناطق التعليمية بالإمارات الشمالية ضعف الراتب وعدم وجود حوافز وعلاوات وكادر توظيفي .

ويرى (م .ن .س) معلم ثانوي بإحدى مدارس مدينة خورفكان، أن إعادة الاعتبار للمعلم لن تأتي بين ليلة وضحاها، ولكن تحتاج إلى تفعيل قوانين من خلال نظرة جادة إلى حال المعلم .

ويشير (ر .و .م) معلم بالمرحلة الثانية من التعليم الأساسي، إلى أن قوانين التربية بالفعل أصبحت نصيراً للطالب على حساب المعلم، الذي للأسف يدفن رأسه في الرمال هرباً من كثير من المواقف أمام الطلاب حتى لا يجد الطالب موجهاً له بفعل هذه القوانين، بعد أن سُلب حقه في العقاب التأديبي التربوي .

ضرب مدرس

نظرت دائرة الجنح الجزائية بمحكمة الفجيرة الاتحادية، مؤخراً في القضية الجزائية المتهم فيها ولي أمر طالب بالاعتداء على مدير مدرسة حكومية تابعة لمنطقة الفجيرة التعليمية، وكانت الأجهزة الأمنية في الفجيرة قد تلقت بلاغاً من مدير إحدى المدارس في منطقة الفجيرة التعليمية، أفاد فيه بقيام (ح .أ) ولي أمر طالب بالاعتداء عليه، ولكمه في أعقاب استدعائه إلى إدارة المدرسة لأخذ تعهد على ابنه الذي يدرس في المدرسة، نظراً لسوء سلوكه .

الخييلي: دراسة للوضع

اكتفى مغير الخييلي مدير عام مجلس أبوظبي للتعليم بالتعليق على الموضوع قائلاً: نعمل في المجلس على إعداد دراسة عن وضع المعلم، وهيبته ومكانته الاجتماعية، وتقريباً تم الانتهاء منها، ستخرج بتوصيات ذات علاقة سيتم الأخذ بها .

وأضاف أن المعلم أو التربوي بفلسفتي الخاصة يجب ألا يراقب، وإذا احتاج لذلك أصبح غير تربوي، والأصل ألا يكون في المدرسة، لأنه ليس قدوة للطلبة، ومن لا يحب مهنته يجب ألا يتقدم لها، وهي المهنة التي كاد العامل بها أن يصل إلى منزلة الرسل، ويجب حبها والتضحية من أجلها، لتخريج أجيال المستقبل القادرة .

طعن معلم

طعن طالب في الأول الثانوي من إحدى مدارس دبي، مؤخراً، معلمه بسكين في ظهره، لدى خروجه من المدرسة وفر هارباً، وسط ذهول جموع الطلاب الذين تجمعوا حول موقع الحادث، فيما نقل المعلم على الفور إلى المستشفى، وأدخل إلى غرفة العناية المركزة، وأمر الأطباء بمكوثه فيها تحت الملاحظة لمدة ثلاثة أيام .

المشكلة والحل من وجهة نظر التعليم الخاص

تقول محاسن سعادة، مديرة مدرسة العالم الجديد الخاصة في دبي، إن الكثيرين يستغربون مما حدث لهيبة المعلم، ويتساءل البعض لماذا فقدت؟ والأسباب من وجهة نظري تنقسم إلى شقين منها ما يتعلق بالمدرس نفسه، وأخرى تعود إلى الإدارات المدرسية:

أولاً: أسباب مصدرها المعلم (مجتمع المعلمين)، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: سلوكيات بعض المعلمين التي أفقدت مهنة التعليم مكانتها وشخص المعلم هيبته، ولعل أهمها الدروس الخصوصية، بخاصة اعطاء المعلم دروساً خصوصية لطلبته، فقدان المعلم لمضمون مهنته، بسبب عدم الاطلاع والقراءة، وعدم مواكبة متطلبات العصر الحالي من أدوات التعلم المستمر واستخدام التقنيات، رضوخ المعلم للعمل في ظروف غير قانونية وقبوله بانتهاك حقوقه .

ثانياً: أسباب مصدرها بعض إدارات المدارس، ومنها: اتاحة بعض إدارات المدارس الفرصة لأولياء الأمور بانتهاك حرمة المعلم وشتمه وتوبيخه بدلاً من تدارس الأمر مع ولي الأمر الغاضب وحل المشكلة بحكمة وتدبر، تفضيل مصلحة المدرسة المادية على شخص المعلم من باب الاستفاضة والتوسع في تطبيق مبدأ العميل دائماً على حق، وعدم تقديم الدعم الكافي للمعلم المتمثل في ضبط سلوكيات الطلبة لتهيئة بيئة عمل تمكن المعلم من العمل والإنتاج .

وعن الحلول لاستعادة الهيبة المفقودة للمعلمين، فهي برأي محاسن سعادة، مواكبة المعلمين لمتطلبات العصر، من خلال حيازة أدوات التعلم المستمر، واستخدام التقنيات والقراءة والاطلاع، واكتساب المعرفة، وعدم تهاون المعلمين في حقوقهم، والحرص على انتقاء بيئات العمل الأفضل دائماً، وتوفير إدارات المدارس الدعم الكافي للمعلمين من خلال توفير ما يستلزمه العمل من موارد بشرية (أخصائيين، مشرفين، مساعدين)، وموارد مادية (رواتب، وسائل تعليمية، تقنيات) ونظم سياسات عمل توفر الضبط والنظام في المؤسسة بصورة عامة، إضافة إلى مراجعة القوانين والتشريعات وعقود العمل وإكسابها بعض المرونة لتكون صالحة للعمل من قبل كافة المدارس وفقاً لرسومها الدراسية، وقيام الجهات الرسمية بتقنين وسن بدائل تلتزم المدارس بها كبديل للدروس الخصوصية .