أعلن رئيس حزب العمل الإسرائيلي، ايهود باراك يوم الاثنين، 17/،1 استقالته من الحزب، وتشكيل حزب جديد باسم حزب الاستقلال . فما هي ظروف تلك الاستقالة؟ وما تأثيرها في حكومة بنيامين نتنياهو الائتلافية، وما انعكاساتها على ما يسمى عملية السلام؟
يُحمّل كثير من المحللين (أو أبواق الدعاية الصهيونية إن شئت)، الفلسطينيين مسؤولية اندثار حزب العمل . . فعلى الرغم من أن العناوين تقول إن ايهود باراك هو الذي قضى على حزب العمل، إلاّ أن التفاصيل تقول، إنه فعل ذلك حين أنعش آمال الإسرائيليين بإقامة سلام مع الفلسطينيين في مؤتمر كامب ديفيد سنة 2000 . ولكن الفلسطينيين خذلوه يومئذٍ، ممّا أفقد حزبَه قاعدته الانتخابية، وقوّى شوكة اليمين الإسرائيلي؟
ماذا يقول باراك ذاته عن تلك الاستقالة، وكيف يبررها؟ في موقع وكالة غلوبال بوست الإخبارية (19/1/2011)، كتب مات بينون ريس، (الصحافي والروائي المقيم في القدس)، إن منطق باراك المعلن هو أنه يريد أن يبقى في تحالف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، اليميني لأنه يعتقد أن وجود تحالف مستقر يرغم الفلسطينيين على التفكير بخطته للسلام .
بيْد أنّ استمرار تذمر العديد من وزراء حزب العمل، وتهديدهم بالانسحاب من الحكومة، يجعل الفلسطينيين- باعتقاد باراك- يجلسون بانتظار انهيار التحالف . ولذلك فإنه بالتخلص من أعضاء حزب العمل المتأففين، يجعل التحالف في وضع آمن، ويجبر الفلسطينيين على اتخاذ خطوات نحو السلام .
. . ولكن الكاتب يرى أن باراك قد ضحى بالحزب وبالمبادئ، في سبيل عقد صفقة مع حكومة تمثل- ولو نظرياً على الأقل- كل ما انتُخب باراك لكي يعارضه .
يقول الكاتب، إن اليساريين الإسرائيليين والعديد من الوسطيين، تحدثوا باشمئزاز عن مناورة باراك- التي وصفتها إحدى صحف الكيان الكبرى بأنها دنيئة- وقالوا إنها ستعزز تحرك نتنياهو نحو اليمين .
وتفصيل ذلك، أن التحالف له 74 مقعداً من مقاعد البرلمان- الكنيست- البالغ عددها 120 مقعداً . ولكن احتمال انسحاب أعضاء حزب العمل وعددهم ،13 كان يعطي انطباعاً بالهشاشة؛ أمّا الآن، ومع وجود 66 مقعداً مضموناً للتحالف، فسوف يكون وضع نتنياهو أكثر أمناً .
وهذا ما جعل نتنياهو شديد الاعتداد بنفسه بعد إعلان باراك . فقد كان يخشى انسحاب حزب العمل من الحكومة في مارس/ آذار، بعد إقصاء باراك عن قيادة الحزب . وكان من شأن ذلك أن يجعل ائتلافه في وضع غير منيع- بأغلبيةِ واحدٍ فقط- كما كان من شأنه أن يسلبه وزيرَ دفاعٍ كانت قيادته لحزب يُفترض أنه يساري، بمثابة ورقة توت دولية قيّمة تنفعه في مناوراته الدبلوماسية .
أما الآن فقد صار بوسع نتنياهو أن يقول متبجحاً: إن هذه الحكومة باقية على مدى السنوات المقبلة، وإن على الفلسطينيين أن يتعاملوا معها في عملية السلام .
ولكنّ المؤرخ الإسرائيلي، بيني موريس، فيرى ضمن مقالة نشرها في مجلة ناشيونال انترست الأمريكية المحافظة، (19/1/2011)، أن الفلسطينيين- لا مناورة باراك التي وصفتها تسيبي ليفني بأنها وضيعة- هم المسؤولون عن سقوط حزب العمل .
يرى موريس أن حزب العمل كان ينادي بالسلام- من خلال حل الدولتين- . . ولكنّ الفلسطينيين- الذين لم يريدوا أن يعطوا اليهود شبراً واحداً من فلسطين- رفضوا هذا السلام بصورة مطلقة، وبذلك أثبتوا للناخبين الإسرائيليين أنه لا يوجد شريك في عملية السلام، وأن توجه حزب العمل نحو السلام سراب ووهم، ولذلك، انفضّ ناخبو حزب العمل من حوله، وتوجهوا نحو اليمين المتطرف .
يستعرض موريس ما يزعم أنها فرص للحل أضاعها الفلسطينيون عبر تاريخ القضية، فيقول: إن الناخبين (الإسرائيليين) منحوا حزب العمل فرصتين . ولكن، لا عملية أوسلو (في تسعينات القرن الماضي)، في عهد رابين وشمعون بيريز، ولا مؤتمر كامب ديفيد (سنة 2000)، في عهد ايهود باراك، أوصل الإسرائيليين والفلسطينيين إلى أرض الأحلام، حيث منبع السعادة السياسية الحقيقية .
ويضيف قائلاً: قد يتساءل المرء عمن يستحق اللوم على فشل عملية اوسلو: أهو عرفات الذي لم يكبح- بل ربما شجّع سرّاً- استشهاديي حماس (وفتح)؛ أم رابين وبيريز، لبطئهما في التحرك، وتقاعسهما عن التقيد بمواعيد نهائية معينة؟
ويتابع قائلاً: لا يمكن المجادلة في ما تكشّف في يوليو/ تموز وديسمبر/ كانون الأول ،2000 عندما أصرّ عرفات على رفض المقترحات الإسرائيلية، والمقترحات الإسرائيلية- الأمريكية الشاملة بشأن حل الدولتين، الذي كان من شأنه أن يعطي الفلسطينيين السيادة والاستقلال في 95% من الضفة الغربية وقطاع غزة، ونصف القدس ( بما في ذلك نصف أو ثلاثة أرباع المدينة القديمة)، كما لا يمكن المجادلة في رفض محمود عباس للصفقة المماثلة بل ربما الأفضل قليلاً، التي عرضها عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت سنة 2008 ( . . .) .
ويقول موريس بصفاقة عجيبة: في العقد الأول من الألفية الثالثة، كان الفلسطينيون - عرفات وعباس (ولا داعي للقول، حماس الأصولية المعادية للسامية ( . . .) هم الذين رفضوا حل الدولتين فكرةً ومبدأً، لأنهم كانوا يريدون فلسطين بحذافيرها، من دون إعطاء شبر واحد لليهود .
ويتابع موريس قائلاً: كان هذا الرفض هو الذي دمّر حزب العمل الإسرائيلي، الذي خسر، وخسر كثيراً، في كل الانتخابات العامة التي تلت كامب ديفيد .
ففي انتخابات سنة ،2000 كما يقول موريس، أدرك الناخب الإسرائيلي أنه لا يوجد شريك في السلام، وأن الفلسطينيين لن يقبلوا أبداً الاعتراف بدولة يهودية في أي جزء من فلسطين، وأن ما ينادي به حزب العمل- وهو حل الدولتين- كان وهماً بائساً، وهكذا صوّت الناخبون الإسرائيليون لليمين المتشدد .
وبالمنطق ذاته، كتب كارل فيك، في مجلة تايم (19/1/2011)، إن النعي السياسي لحزب العمل، ظهر في الصحف يوم الاثنين، 17/،1 بعد أن عانى المرض فترة طويلة . فقد كان يسارياً، ثم في يسار الوسط، ثم يسارياً مرة أخرى، ولكن كل ذلك الجانب من الطيف السياسي- الذي تزعّم فيه الحزب السعي إلى تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام، وأنعش الآمال العريضة بالتعامل مع الفلسطينيين- كفّ عن الوجود بعد الانتفاضة الثانية .
فبعد أن أحيت اتفاقيات أوسلو الآمال بسلام دائم، ارتقى باراك- الذي كان رئيساً للوزراء يومئذٍ- بتلك الآمال إلى درجة أعلى في مؤتمر كامب ديفيد سنة ،2000 ولكن الإسرائيليين، لم يحصدوا مقابل ذلك، سوى موجات من التفجيرات الانتحارية، فكان لا بدّ والحالة هذه أن ينقشع الوهم عن عيونهم ( . . .) .
ويكرر الكاتب هذا المعنى على لسان صحافي إسرائيلي آخر كتب في إحدى الصحف الإسرائيلية: إن حزب العمل مات سنة ،2000 ولكنه لم يُدفن سوى أمس . .
ولكن المعنى الحقيقي الذي ينطوي عليه موت حزب العمل، هو أن المجتمع الإسرائيلي يوغل في اليمينية، كما يقول جوناثان كوك، في مقالته المنشورة في موقع (كاونتر بانش)، (18/1/2011) .
يقول كوك: إنّ ايهود باراك، قد دق المسمار الأخير في نعش اليسار الصهيوني، بقراره الانشقاق عن حزب العمل، وإيجاد فصيل صهيوني، وسطي جديد في البرلمان الإسرائيلي .
ويضيف الكاتب، أن اليسار الصهيوني قد يختفي عن المسرح البرلماني في الانتخابات المقبلة، ولكن اختفاءه قد يؤدي إلى إعتاق المشهد السياسي من القيود، وإتاحة ظهور يسار حقيقي في إسرائيل، يكون أقل ارتباطاً بما خلفته الصهيونية العمالية من إرث مرهق، ومستعدّاً للتعاون بصورة خلاقة مع الحركات الوطنية الفلسطينية . وذلك مردود لم يحسب نتنياهو حسابه في خططه ومكائده .