كتب الراحل ممدوح عدوان كتاباً حول هواجس الشعر تناول فيه الكثير من الهواجس التي أسس من خلالها الشعر العربي المعاصر، وتحدث في كتابه عن الأصوات الشعرية المتميزة وارتباطها بالقضايا الكبيرة للأمة العربية، واعتبر في كتابه أن ارتباط الشعر بتلك القضايا منح أصحابها مكانة مهمة لدى المتلقي من جهة، وربما لدى المؤسسة الثقافية العربية نفسها، وفي استعادة كتاب عدوان حول هواجس الشعر يمكن القول إن العقدين الأخيرين شهدا تحولات مهمة في تلك الهواجس، وخاصة بما يتعلق بعملية انزياح الهواجس الكبيرة، وحلول هواجس من طبيعة مختلفة .

مما لا شك فيه أن العقدين الأخيرين عرفا مجموعة من التحولات التي طرأت على العالم، وكان لها آثارها في وطننا العربي، وقد أعادت تلك التحولات إنتاج الأسئلة الإبداعية بطريقة مغايرة عن تلك التي تمت بها صياغة الأسئلة الفكرية أو الإبداعية التي سادت منذ بداية ستينات القرن الماضي وحتى أوائل التسعينات منه، وأقل ما يمكن قوله إن الإبداع انتقل من العناوين الكبيرة مثل التحرر والعدالة والحداثة إلى عناوين تتعلق أكثر فأكثر بالإنسان بوصفه ذاتاً مفردة في مواجهة اغترابين اثنين، يتعلق الأول منهما باغتراب المبدع عن محيطه، والثاني باغتراب المبدع عن ذاته، وقد أنتج هذا التحول في الهواجس مقاربات جديدة لموضوعات شتى .

السؤال الذي يطرح نفسه في سياق التاريخ العربي المعاصر هو: كيف تحولت هواجس الفكر والإبداع قبل أن تتحقق تلك الهواجس في الواقع؟ ويقودنا هذا السؤال المركزي إلى سؤال فرعي هو: هل انتفت الحاجة إلى تلك الهواجس الأولى التي عبر عنها الشعر العربي؟ بالطبع ما حققه العرب من هواجسهم الكبيرة في التحرر والاستقلال وبناء الدولة الحديثة ليس بالكثير، ولكن جيلاً جديداً من الشعراء وجد نفسه أمام أسئلة من نوع مختلف تتعلق بموقع الذات من مجمل الواقع والتاريخ، ورأى أن الذات الشعرية تم تغييبها لمصلحة العناوين الكبيرة، وأيضاً تهميش الفرد المستمر لمصلحة المؤسسة، وخاصة المؤسسة التقليدية، وهكذا فقد راح هذا الجيل ينتج نصوصاً لها سمات مغايرة حتى في طبيعة البنية اللغوية، وجاءت تلك الحالة كرد فعل على ما تبقى من خطابية في الشعر العربي، وكانحياز للصوت الخافت والضعيف أمام الصوت المجلجل، الذي لا يفعل شيئاً بحسب رأي كثيرين من أبناء هذا الجيل سوى دغدغة الذاكرة التاريخية للعرب بما عرفت عنه من خطابية وشفاهية .

هذا الجيل الشعري الجديد الذي أعطى كل ما هو مهمش أولوية في نصوصه أصبح هو نفسه مهمشاً نتيجة لذاتية لم يعتد عليها المتلقي العربي، ونتيجة لموقف شائع لدى المؤسسة الثقافية العربية ما زالت تنظر إلى النص الإبداعي بوصفه خطاباً في المقولات، وليس خطاباً إبداعياً صاحب مواصفات تنتج من داخله وليس من خارجه، ولم يحظ الشعر الجديد بحركة نقدية موازية تكون وسيطاً بينه وبين الآخر أكان متلقياً أم مؤسسة، كل تلك الأمور جعلته خارج سياق التدوال العام، ما يجعلنا نتساءل في نهاية هذه المحطة عن معنى الشرعية ومن يمنحها للإبداع؟

[email protected]