هؤلاء يظلهم الله بظله يوم القيامة

حين تدنو الشمس من الرؤوس ويشتد هول الموقف
05:30 صباحا
قراءة 5 دقائق

تعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحمل البشارة بدخول الجنة لأصناف من عباد الله الصالحين، وسوف يجد هؤلاء جميعاً ما وعدهم خالقهم به وما بشرهم رسولهم الكريم به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى ربه بقلب سليم .

من بين الذين وعدهم الله برحمته ومغفرته وبالتالي جنته هؤلاء الذين تحدث عنهم رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه .

في هذا الحديث النبوي الشريف يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر مكانة بعض المؤمنين المقربين من خالقهم الذين يكونون في ظل عرش الله أو في كنف رب العالمين ورعايته يوم القيامة حين يقوم الناس لرب العالمين، وتدنو الشمس من الرؤوس، ويشتد الحر، ويأخذ الناس العرق، ولا شيء يظلل الناس ويقيهم لفح الشمس وهول الموقف إلا الالتجاء إلى الله وإلى كنفه وظل عرشه ورحمته، ولكن هذا الظل ليس لكل أحد، إنه لأصحاب هذه العلامات والقائمين بتلك العبادات .

الإمام العادل

وأول هؤلاء الذين يسعدون بظل الله ويفوزون بجنته بعد الفوز برحمته هو الإمام العادل، وينطبق هذا الوصف على كل إنسان نظر في أمر من أمور المسلمين وحكم فيه، وغالباً ما ينطبق ذلك على الحكام والولاة والقضاة، وقد بدأ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لدفعهم إلى العدل والحرص على الإنصاف بين الناس لما في ذلك من عموم نفع لجموع المسلمين .

وثاني هؤلاء الذين بشرهم رسول الله بظل الله يوم القيامة والفوز بجنته شاب نشأ بعبادة ربه أي حرص منذ صغره على أداء العبادات كما ينبغي أن تؤدى، والثالث رجل قلبه معلق بالمساجد أي انه شديد الحب للمساجد ملازم للجماعة فيها، وليس المراد دوام القعود في المسجد والنوم فيه كما يفعل بعض الناس، فالمساجد جعلت للعبادة وتدارس القرآن ولم تكن أبداً مكاناً للنوم والاسترخاء .

ورابع هؤلاء الذين ينتظرهم ظل الله ورحمته يوم القيامة رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه والمراد بهذا الوصف أن يجمع الحب في الله بينهما وأن يستمر حتى يتفرقا عليه في مجلسهما أو حتى يفرق بينهما الموت، وهما صادقان في حب كل منهما للآخر عند اجتماعهما وعند افتراقهما .

عفة تقود إلى الجنة

وخامس هؤلاء الناس الذين يحظون بظل الله يوم القيامة وينعمون برضوانه ويفوزون بجنته رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات المنصب والجمال لكثرة الميل إليها، وصعوبة الحصول عليها وهي جامعة لكل أسباب الرغبة في المنصب والجمال وهي التي تدعو فأغنت عن مشقة التوصل إليها، فكان البعد عن المعصية والامتناع خوفاً من الله مع كل هذه المرغبات دليلاً على كمال الطاعة لله والخوف منه سبحانه وتعالى، ولقد أعلن الخوف من الله بلسانه زجراً للمرأة، أو بقلبه زجراً لنفسه .

وسادس هؤلاء الذين بشرهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بظل الله وجنته رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، وفي رواية أخرى العكس أي حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه لأن المعروف أن النفقة تكون باليمين، ومهما يكن النص الصحيح هنا، فدلالة ما يقصده رسول الله صلوات الله وسلامه عليه واضحة وهو فضل صدقة السر لبعدها عن الرياء، وقربها إلى الإخلاص، وهذا يكون في صدقة التطوع، أما الزكاة الواجبة فإعلانها كما يشير الدكتور هاشم أفضل، وكذلك الحال بالنسبة إلى الصلاة، فالفريضة يكون إعلانها أفضل، والنافلة يكون إسرارها أفضل، وفي الحديث الصحيح أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة .

قلوب خاشعة

وسابع الأصناف الذين يدخلهم الله جنته ويظلهم بظله يوم القيامة كما بشرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، وذلك من خشية الله سبحانه وتعالى والخوف منه وطاعته، وقد يكون ذكره لله تعالى بلسانه، وقد يكون بقلبه، المهم أنه بعيد عن الالتفات لما سوى الله تعالى، فهو مخلص في ذكره، لا صلة له بالنفاق، ولا سبيل للرياء إلى قلبه، ولذا سالت دموعه خوفاً من ربه سبحانه وتعالى .

 

مكونات
هؤلاء يظلهم الله بظله يوم القيامة

وهنا ينبه الدكتور هاشم إلى أن العيون التي تفيض حباً لله لابد أن يصاحبها خشوع ورهبة، فالدموع المصطنعة التي تتساقط من عيون بعض دعاة الفضائيات أمام الكاميرات بعضها ليس دليل خشية وخوف ورهبة من الله، لأننا لا نرى هذه الدموع إلا أمام الكاميرات فقط، وهذا افتعال لا يؤثر إلا في البسطاء من الناس .

لكن: هل الأصناف السابق ذكرها هي وحدها التي تحظى بظل الله ورحمته وتفوز بجنته في الآخرة؟

ويقول الدكتور هاشم: لقد وردت في أحاديث أخرى أمور كثيرة جاء في شأنها الإظلال والفوز بالجنة، وقد تتبعها بعض العلماء فبلغت سبعين منها: من أنظر معسراً أو وضع عنه، ومن أعان مجاهداً في سبيل الله أو غارماً في عسرته أو مكاتباً في رقبته، والمشي إلى المساجد في الظلام، ومن أعان أخرق (وهو من لا يجيد صنعة ولا يهتدي إليها)، والناصح للوالي في نفسه وفي عباد الله، وواصل رحمه، ورجل لم تأخذه في الله لومة لائم، ومن فرج عن مكروب، ومن أحيا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بر والديه، وعبد أدى حق الله وحق مواليه، والقاضي لحوائج الناس، وحملة القرآن الكريم والمهاجرون .

كل هؤلاء ينتظرهم عفو الله ورحمته وبشرهم القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة .

اغرسوا . . تحصدوا

هذا الحديث النبوي الشريف وغيره من الأحاديث النبوية الكريمة تؤكد لنا حقيقة مهمة هي أن الله عز وجل لم يجعل الجنة مستقراً لمتقاعس أو مهمل لحقوق الخالق وحقوق عباده، بل جعلها مكافأة لكل من يعمل، فمن يزرع يحصد، ومن يغرس غرساً يطعم منه، وكل من يريد الفوز بالجنة لابد أن يعمل لها بحب ورغبة وإخلاص، أما هؤلاء المتكاسلون المهملون المستهترون بالعبادات والطاعات والفضائل فليس من العدل أن يحصلوا على جوائز ومكافآت، فعدالة السماء تقرر أن المكافأة لمن يجيد والجائزة لمن يعمل بإخلاص ويتفوق في عمله على الآخرين .

فهل نتعلم من هذه التوجيهات النبوية كيف نعمل ونجد ونجتهد لكي نفوز بالجوائز والمكافآت الإلهية وفي مقدمتها الفوز بالجنة؟

العاقل منا هو الذي يدرك هذه الحقيقة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"