سورة الأنعام من طوال السور، وهي أول سورة ابتدأت بأحد أساليب الثناء وهو: الْحَمْدُ لِلهِ الذِي خَلَقَ السمَاوَاتِ والأرض وَجَعَلَ الظلُمَاتِ وَالنورَ ثُم الذِينَ كَفَرُوا بِرَبهِمْ يَعْدِلُونَ، (سورة الأنعام: 1)، وليس لهذه السورة إلا هذا الاسم من عهد رسول الله، روى الطبراني بسنده إلى عبد الله بن عمر: قال رسول الله: نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفاً من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد، وورد عن عمر بن الخطاب، وابن العباس، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأسماء بنت يزيد بن السكن، تسميتها في كلامهم سورة الأنعام، وكذلك ثبتت تسميتها في المصحف وكتب التفسير والسنة، وسميت سورة الأنعام بهذا الاسم لتكرر لفظ الأنعام ست مرات فيها .

كانت الأنعام عند قريش هي الأكل والشرب والمواصلات والثروة، وكان كفار قريش يقولون: نعبد الله ولكن عصب الحياة لنا نتصرف فيها كما نشاء، لكن الله تعالى يخبرهم بأن التوحيد يجب أن يكون في الاعتقاد وفي التطبيق أيضاً، أي أن نوحد الله في كل التصرفات وليس في المعتقدات فقط، وهذا توجيه ليس فقط لكفار قريش، وإنما لكل الذين يعتقدون بوحدانية الله تعالى، ولكن تطبيقهم ينافي معتقدهم .

وعن ابن عباس أنها نزلت بمكة جملة واحدة ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم، وروى سفيان الثوري، وشريك عن أسماء بنت يزيد الأنصارية: نزلت سورة الأنعام على رسول الله جملة وهو في مسير وأنا آخذة بزمام ناقته إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة .

العقيدة أولاً

يدور محور سورة الأنعام حول العقيدة وأصول الإيمان، وهي تختلف في أهدافها ومقاصدها عن السور المدنية التي سبق الحديث عنها، كالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة، فهي لم تعرض لشيء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين كالصوم والحج والعقوبات وأحكام الأسرة، ولم تذكر أمور القتال ومحاربة الخارجين على دعوة الإسلام، كما لم تتحدث عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ولا عن المنافقين، وإنما تناولت القضايا الكبرى الأساسية لأصول العقيدة والإيمان وعلى رأسها قضية الألوهية وقضية الوحي والرسالة وقضية البعث والجزاء .

ابتدأت السورة بأن حق الحمد ليس إلا لله خالق السموات والأرض، ومما جاء فيها تنزيه الله عن الولد والصاحبة، قال أبو إسحاق: في سورة الأنعام كل قواعد التوحيد .

وموعظة المعرضين عن آيات القرآن والمكذبين بالدين الحق، وتهديدهم بأن يحل بهم ما حل بالقرون المكذبين من قبلهم والكافرين بنعم الله تعالى، وأنهم ما يضرون بالإنكار إلا أنفسهم، وتسفيه المشركين في ما اقترحوه على النبي صلى الله عليه وسلم من طلب إظهار الخوارق تهكماً، وإثبات صدق القرآن بأن أهل الكتاب يعرفون أنه الحق وتثبيت النبي وأنه لا يؤاخذ بإعراض قومه، وأمره بالإعراض عنهم، وبيان حكم إرسال الله الرسل، وأنهم للإنذار والتبشير وليست وظيفة الرسل إخبار الناس بما يتطلبون عمله من المغيبات، وأن تفاضل الناس بالتقوى والانتساب إلى دين الله، وإبطال ما شرعه أهل الشرك من شرائع الضلال، وبيان أن التقوى الحق ليست مجرد حرمان النفس من الطيبات بل هي حرمان النفس من الشهوات التي تحول بين النفس وبين الكمال والتزكية، وضرب المثل للنبي صلى الله عليه وسلم مع قومه بمثل إبراهيم مع أبيه وقومه، وكان الأنبياء والرسل على ذلك المثل من تقدم منهم ومن تأخر والمنة على الأمة بما أنزل الله من القرآن هدياً لهم كما أنزل الكتاب على موسى، وبيان فضيلة القرآن ودين الإسلام وما منح الله لأهله من مضاعفة الحسنات .

وقال فخر الدين: قال الأصوليون (أي علماء أصول الدين): السبب في إنزالها دفعة واحدة أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوءة والمعاد وإبطال مذاهب المعطلين والملحدين، فإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة أن ينزله الله على قدر حاجاتهم وحسب الحوادث، أما ما يدل على علم الأصول فقد أنزله الله جملة واحدة .

وهي أجمع سور القرآن لأحوال العرب في الجاهلية، وأشد مقارعة جدال لهم واحتجاجاً على سفاهة أحوالهم، وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين .

ووردت في سورة الأنعام، وفضل آيات منها، روايات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأسماء بنت يزيد .

التقرير والتلقين

اشتملت سورة الأنعام على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين، ويقول الإمام القرطبي: إن هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذّب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة، ونزولها ليلاً لما في الليل من سكينة للقلب ومدعاة للتأمل والتفكر في قدرة الله تعالى وعظمته .

والحديث في هذه السورة يدور بشدة حول هذه الأصول الأساسية للدعوة، ونجد سلاحها في ذلك الحجة والبرهان والدلائل القاطعة للإقناع، لأنها نزلت في مكة على قوم مشركين، ومما يلفت النظر في السورة الكريمة أنها عرضت لأسلوبين بارزين لا نكاد نجدهما بهذه الكثرة في غيرها من السور هما: أسلوب التقرير وأسلوب التلقين . ونرى هذين الأسلوبين يأتيان بالتتابع في السورة فتأتي الآيات التي يذكر الله تعالى لنا فيها البراهين على عظمته وقدرته في الكون، ثم تنتقل الآيات للحجة مع المشركين والملحدين والبعيدين عن التوحيد .

يعرض القرآن الأدلة المتعلقة بتوحيد الله والدلائل المطلوبة على وجوده وقدرته وسلطانه وقهره فيأتي بلفظ هو وقد ورد لفظ هو 38 مرة في السورة ومن هذه الآيات: هُوَ الذِي خَلَقَكُم من طِينٍ، وَهُوَ اللّهُ فِي السمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ، وَهُوَ الذِي يَتَوَفاكُم بِالليْلِ، وَهُوَ الذِي خَلَقَ السمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَق، وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ النجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا، وَهُوَ الذِيَ أَنشَأَكُم من نفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ .

أما أسلوب التلقين فإنه يظهر جلياً في تعليم الرسول تلقين الحجة ليقذف بها في وجه الخصم بحيث تأخذ عليه سمعه وتملك عليه قلبه فلا يستطيع التخلص أو التفلت منها، ويأتي هذا الأسلوب بطريق السؤال والجواب، يسألهم ثم يجيب، ونلاحظ في السورة كثرة استخدام كلمة (قل) فقد وردت في السورة 42 مرة، هكذا تعرض السورة الكريمة لمناقشة المشركين وإفحامهم بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة التي تقصم ظهر الباطل، ومن هنا كانت أهمية سورة الأنعام في تركيز الدعوة الإسلامية، تقرر حقائقها وتثبت دعائمها وتحاجج المعارضين لها بطريقة المناظرة والمجادلة، والسورة تذكر توحيد الله جلّ وعلا في الخلق والإيجاد وفي التشريع والعبادة وتذكر موقف المكذبين وتقص عليهم ما حاق بأمثالهم السابقين وتذكر بالبعث والجزاء .

مواجهة المشركين

وتتوالى السورة بمجموعة من الآيات التي تدل على قدرة الله تعالى ثم تتبعها آيات مجادلة ومواجهة مع المشركين والملحدين، ثم تأتي قصة سيدنا إبراهيم مع قومه وسبب ورود هذه الجزئية من قصة سيدنا إبراهيم في سورة الأنعام مناسب لأسلوب الحجة وإقامة البراهين والأدلة عند مواجهة المشركين والملحدين فجاءت الآيات تعرض قصة سيدنا إبراهيم ومحاجته لقومه من الآية 74 إلى ،83 ثم تأتي آية فاصلة في السورة تدلنا على أن آيات الله تعالى في الكون ترى، ولكن القلوب إذا عميت لا تراها وتجحد بها وتكفر: (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن ربكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) (الآية 104) .

تختم سورة الأنعام بالوصايا العشر التي نزلت في الكتب السابقة ودعا إليها جميع الأنبياء السابقين قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم . .، وتنتهي بآية تكشف للإنسان عن مركزه عند ربه في هذه الحياة وهو أنه خليفة في الأرض، وأن الله تعالى جعل عمارة الكون تحت يد الإنسان تتعاقب عليه أجياله، وأن الله تعالى فاوت في المواهب بين البشر لغاية سامية وحكمة عظيمة، وهي الابتلاء والاختبار في القيام بتبعات هذه الحياة .

تتحدث سورة الأنعام عن ملك الله تعالى في الكون وكأنما يقول تعالى لنا: وحدوني أملككم الأرض وأجعلكم خلائف: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم، إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) .