وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 
عادي

كيف حوَّل بوتين الغاز الروسي إلى لغة للضغط على أوروبا؟

04:03 صباحا
قراءة 12 دقيقة
اسم الكتاب: إمبراطور الغاز/ المؤلفة: ناتاليا غريب / ترجمة: د . عمار قط/ عرض: د . كريم المظفر

صدر حديثاً عن مكتبة مدبولي كتاب مترجم إلى اللغة العربية، بعنوان إمبراطور الغاز (267 صفحة)، للصحافية الروسية المتخصصة بالشؤون الاقتصادية ناتاليا غريب العاملة في واحدة من الصحف الروسية المهمة كومرسانت ديلي والتي تحظى باهتمام صفوة المجتمع الروسي، وبترجمة الصحافي والإعلامي الدكتور عمار قط، الذي حاول بلمساته الفنية اللغوية اختيار المفردات التي تسهل فهم مضامين الرسائل التي حاولت المؤلفة إيصالها إلى قراء هذه الموسوعة التاريخية لأهم الصراعات التي قادتها روسيا للبقاء كإمبراطورة للغاز العالمي بقيادة الإمبراطور فلاديمير بوتين رئيس الحكومة الروسية الحالي .

يتحدث الكتاب عن التحول الكبير في جعل الغاز في ظل إدارة فلاديمير بوتين كرئيس روسي سابق، ورئيس للوزراء حالياً، من بضاعة إلى مصدر للسياسة الاستراتيجية الخارجية، فمن المعروف أن أوروبا تستخدم الغاز الروسي منذ عشرات السنين في الصناعة، وفي مفردات الحياة المعيشية البسيطة، وإن هذا الاستخدام في ازدياد مطرد، وهذا يعني أن احتكار الغاز الروسي من قبل عملاقة الشركات الروسية غاز بروم سمح برفد ميزان البلاد بخمس الدخل القومي .

فصول الكتاب التسعة تكشف الكثير من أهداف وتحركات روسيا الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية إقليمياً ودولياً، وتفتح النافذة قليلاً على التغييرات التي طرأت على توجهات روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي كدولة رأسمالية تسعى بشكل برغماتي تماما إلى تحقيق مصالحها في إطار الصراع الرأسمالي الاحتكاري الدولي على مصادر الطاقة وتوسيع النفوذ الاقتصادي والعسكري . إن الغاز في عهد بوتين تحول إلى كل شيء بالنسبة للاقتصاد والسياسة في البلاد، ولم يعد هذا السائل الأزرق مجرد بضاعة، بل أصبح معادلة للتعاون الإيجابي، وبما أن القسم الأكبر من أوروبا يستهلك الغاز الروسي فعليه أن يتحاور مع موسكو ويتفهمها ويتفق معها، وكذلك الحديث بلغة مفهومة للطرفين، لذلك أصبح الغاز هو لغة جديدة للحوار، وأصبح بوتين المبادر الأول في صياغة لغة الغاز في شؤون السياسة الدولية، وكذلك يشكل اليوم أداة حقيقية للتأثير في الموقف الدولي في العديد من دول أوروبا وآسيا وعلى الأقل في روسيا .

إن روسيا تؤكد يوماً بعد آخر أن أحد المرتكزات الأساسية لسياستها الخارجية يتمحور حول عنصر الطاقة بكل روافده وأشكاله، وليس مصادفة أن أعلن بوتين نفسه في عام ،2005 أن عام قيادة روسيا لمجموعة الثماني الكبار سيكون عام الطاقة في العالم، فموسكو التي فقدت السيطرة على دول حلف وارسو والاتحاد السوفييتي السابقين اكتشفت أنها مضطرة لاستخدام آليات جديدة في الحفاظ على ما تبقى بعد انهيار الكتلة الشرقية بالكامل، وانضمام أغلبية أعضائها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بينما تفكر البقية الباقية في كيفية حصولها على عضوية هاتين المؤسستين الدوليتين المؤثرتين .

وفي واقع الأمر، أصبحت شركة غاز بروم تشبه إحدى مؤسسات السلطة منذ أن أصبح ألكسي ميللر، صديق بوتين منذ كان يعيش في مدينة سانت بطرسبورغ (مسقط رأس فلاديمير بوتين) ولديها قناة تلفزيونية وشركة نفطية ضخمة، بل أصبح لها جهاز دبلوماسي يجري محادثات مع قادة الدول الأخرى، ويرى كثيرون من المراقبين أن الرئيس بوتين هو أول مسؤول في حقيقة الأمر يهتم بشركة غاز بروم، ومن ثم أصبحت الشركة وسيلة سياسية كانت تستخدمها الإدارة الروسية في السابق في الضغط على الجيران السوفييت السابقين من أجل عدم الانسحاب من رابطة الدول المستقلة وأصبحت تستخدم اليوم ضد من ارتكب ما تصفه بالخيانة وفقاً لمصطلحات المحللين الروس .

بوتين يتخذ شخصياً القرارات المتعلقة ب (غاز بروم)، ويمكن إدراك هذا الاهتمام الفائق من قبل الشخص الأول في الدولة بشركة واحدة، هو بسبب حول الموازنة الفيدرالية الروسية على 20% من إيراداتها من (غاز بروم) ورأسمال هذه المؤسسة وحدها يشكل 35 % من قيمة السهم المتداولة في سوق المال الروسية، حيث وصل حجم عائدات الشركة مثلاً عام 2008 من التصدير 64 مليار دولار، رغم أن ثلثي الغاز المستخرج لدى الشركة يبقى في روسيا ويعزز اقتصاد البلاد .

روسيا تدوس على أنف أوروبا

تحاول الكاتبة في مفرداتها حول التعاون الروسي الأوروبي في مجال الطاقة تسليط الضوء على الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه فلاديمير بوتين الذي قام بمحاولة لاختراق أوروبا المتحضرة، انطلاقا من إيمانه بأنه يجب على روسيا أن تحتل أخيراً مكانة مرموقة في النادي المغلق للدول العظمى بفضل مصادر الطاقة، فبحث استراتيجية الطاقة الروسية حتى عام 2020 وعملية تبادل الأصول في قطاع الطاقة بين روسيا وأوروبا التي تقدر قيمتها ب (100) مليار دولار، ولكن لو تم هذا التبادل لتمكنت روسيا من الاندماج الفعلي، وبالنتيجة تحصل الشركات الأوروبية على حصص في حقول النفط والغاز في سيبيريا، فيما تحصل الشركات الروسية (غاز بروم ولوك أويل وروس نفط) على معامل تكرير ومحطات كهرباء في أوروبا الغربية، ولارتفعت حصة (غاز بروم) في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي من 23% إلى 33% مع حلول عام 2015 .

لقد دعا فلاديمير بوتين مراراً وتكراراً ومنذ عام 2000 إلى الاندماج في سياسة الطاقة، لكنهم (أي الأوروبيين) تعاملوا مع جميع المبادرات من طرف واحد، أي أنهم أيدوا كل ما فيه مصلحة الاتحاد الأوروبي، أما ما كان يستوجب تنازلات متبادلة فكان يجري إرجاؤه إلى ما بعد، فقد أقر الاتحاد الأوروبي وبمبادرة من هولندا (ميثاق الطاقة الأوروبي) عام ،1991 وتم وضع المبادئ السياسية في اتفاقية ملحقة بالميثاق عرضت على التوقيع عام 1994 بهدف توجيه أموال المستهلكين في أوروبا الغربية للاستثمار في حقول البلدان المنتجة للغاز، ووقعت روسيا إلى جانب 50 بلداً على الاتفاقية، إلا أنها لم تصادق عليها حسب الأصول القانونية حتى الآن بسبب أن روسيا ومن وجهة نظر نائب وزير الطاقة أناتولي يانوفسكي وقعت على ميثاق الطاقة وعولت على استثمارات ضخمة وتقنيات وتفعيل للطاقة، لكننا لم نحصل على شيء، وزيادة على ذلك، اقترحوا علينا، وفي إطار بروتوكول الترانزيت أن نخلع ونستعد وهذا يقضي بأن نفتح أنابيبنا لكل من يرغب، بينما لم يسمحوا لنا بالدخول إلى أي مكان .

إن قادة أوروبا القديمة لم يبدلوا مشاعر الاحترام والثقة بالصداقة اللامبالية للروس، ولم تتفق أوروبا مع روسيا بشأن أمن الطاقة بحجة أن الأموال المتداولة في موسكو، تفوق في لحظات معينة، الاحتياطات المالية في أي عاصمة أوروبية، الأمر الذي أدى إلى نفاذ صبر المسؤولين الروس، الذين انتقلوا إلى المجابهة، وهدد نائب رئيس مجلس إدارة غاز بروم ألكسندر ميدفيديف على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي الروسي في لندن عام 2006 بأن ميثاق الطاقة في صيغته الحالية هو وثيقة موجهة ضد روسيا، وإن روسيا لن تصادق عليه قبل إجراء تعديلات حقيقية .

حاول بوتين الحديث مع الاتحاد الأوروبي بلغة أمن الطاقة وأوضح أن مشروعات الطاقة تتطلب استثمارات كبيرة وهي مربحة من وجهة النظر الاقتصادية وتحمل طابعا سياسيا لأن زيادة دور أي دولة في سياسة الطاقة الأوروبية سيرفع من شأنها وكلمتها، مشيراً إلى أن بلاده فتحت الطريق إلى مصادرها الطبيعية ولكن مقابل التقنيات الأوروبية والمعدن المفكر، إضافة إلى حصص في محطات الكهرباء وشبكت توزيع الغاز . أما الأوروبيون فكانوا يبحثون باستمرار وبتفاؤل شراكة مع العديد من الشركات الروسية (غاز بروم ولوك أويل وروس نفط) في حصة معينة من الشركات الصناعية في أوروبا الغربية، ولكن عندما يصل الأمر إلى الموافقة السياسية على الصفقة يرمون بروسيا إلى الخارج، فقد أجرت (غاز بروم) محادثات مثلاً عام 2006 بشأن الحصول على حصة 20% في (سينتريكا) أضخم شركة طاقة بريطانية، إلا أن مجلس اللوردات في البرلمان البريطاني اتخذ قرار خاصاً بمنع هذه الصفقة .

ولعل مشروع خط أنابيب نقل الغاز (السيل الشمالي) من روسيا إلى ألمانيا عبر قاع بحر البلطيق، الذي اقترحه فلاديمير بوتين، بات يعد خطة سياسية جريئة في مجال الطاقة ولم يتمكن الأوروبيون من استيعابها بعد، ويخشى الاتحاد هذا المشروع ليس بمقدار أقل من خوفه من التهديد النووي السوفييتي، كان يمكن أن تنضم إليه جميع بلدان حوض البلطيق والبلدان المجاورة، إلا أنه لم يغامر بالانضمام له سوى المختارين، حيث يتمتع المشروع بالتأييد المطلق من قبل ألمانيا وهولندا وبريطانيا وفرنسا، ويوحد بينهم سعيهم لتأمين التوريدات خلال السنوات الثلاثين المقبلة وتجنب العجز في المصادر أو احتمال أزمة طاقة، حيث سيزداد حجم الاستهلاك الأوروبي للغاز الطبيعي من 336 مليار متر مكعب في عام 2005 إلى 536 مليار م3 في عام 2015 وستتمكن روسيا من توريد 170 مليار م3 سنوياً إلى الاتحاد بعد تشغيل خط السيل الشمالي .

وتدرك السيدة غريب ولأول مرة ومنذ مؤتمر (السيل الشمالي التداعيات في منطقة بحر البلطيق، فبراير / شباط2007) إلى أي حد تخشى أوروبا التهديدات المحتملة من قبل روسيا، واعتبرته داء طفولياً لدى الأوروبيين الذي يبتلع كل شيء، وأصبح واضحاً لها سبب المعارضة القاطعة بوجه مشروع خط أنابيب الغاز من قبل السويد والدنمارك وبولونيا ولاتفيا وإستونيا كان هذا رعباً حقيقياً، لأن هذه الدول لن تحصل من المشروع المذكور لا على الغاز ولا على رسوم للعبور، حيث تبقى حصة السويد وبولونيا وليتوانيا وإستونيا، هي مخاطر حصول كارثة بيئية في بحر البلطيق، في وقت تمثل كل من الدنمارك وفنلندا دور المفاوض الحيادي .

الترهيب والترغيب

ويسرد الكتاب بإسهاب كبير، سياسة الترهيب والترغيب التي سارت عليها روسيا في التعامل مع (أبناء العمومة) السابقين سواء في أوكرانيا أو بيلاروسيا وجورجيا وغيرها من بلدان رابطة الدول المستقلة وذلك في استراتيجية روسية جديدة تهدف للسيطرة على غاز أو شبكات نقل الغاز أو الاثنين معاً في أراضي الجمهوريات السوفييتية السابقة، فإن موسكو لم تتوان عن اعتماد أقصى درجات القسوة مع الثوار البرتقاليين في أوكرانيا والدخول في مواجهة صارمة مع أوروبا والولايات المتحدة، وبالتالي كسبت جولتها بعد الإطاحة (بالبرتقاليين) مدشنة سيطرتها على شبكات نقل الغاز في الأراضي الأوكرانية، في وقت تدور أحاديث على درجة عالية من الحساسية حول نية موسكو للإطاحة بالرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، لأن روسيا وببساطة ترغب في الاستيلاء على شركة الغاز البيلاروسية بتشكيل شركة متحدة تكون لروسيا السهم المسيطرة عليها، ومينسك ترفض ذلك، لأنها تعلم جيداً أنها لن تستفيد أي شيء من هذه الصفقة .

في حين أن حروب الطاقة بين تبليسي وموسكو امتدت طويلاً قبل أن تتحول إلى نزاع مسلح مفتوح عام 2008 وكانت جورجيا تعاني، وعلى مدى السنوات العشر الماضية بشكل منتظم، العجز في الطاقة الكهربائية، حيث يرى بوتين أن على روسيا أن تتخلص من واقع أنها بقرة حلوب للجميع، ولكل من هب ودب، نحن نلبي شروط شركائنا آخذين في الاعتبار مصالحهم، ولنا الحق بالمقابل في أن نطالبهم باحترام مصالحنا .

إن أزمة الغاز في يناير/ كانون الثاني 2006 بين روسيا وأوكرانيا مثلاً ألقت بظلالها على منظومة العلاقات الهشة، سواء السياسية أو الاقتصادية، بين روسيا وأوروبا من جهة، وبين موسكو وكييف من جهة أخرى، وكشفت عن مساعي روسيا إلى استخدام آليات جديدة قديمة في التعامل مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي خرج كل منها عن الطوع الروسي بدرجات أو أخرى، غير أن الأخطر هنا هو أن تسوية الأزمة كشفت عن جملة من المعضلات الأخرى التي تلخص الدرس العميق الذي أعطاه الروس لأوروبا أو للرفاق السوفييت القدامى الذين يسعون إلى الابتعاد عن موسكو مفضلين التكامل مع المؤسسات والهيئات الأورو أطلسية .

إن تحول ملكية خطوط نقل الغاز والتي يبلغ طولها نحو 4 آلاف كلم، ومؤلفة من 24 أنبوباً مرصوصاً جنب إلى جنب من روسيا إلى أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 أي إلى بلدان رابطة الدول المستقلة ودول البلطيق، قسم صمامات شرايين الجسد الواحد إلى عدة أجزاء وتم تحديد عملية تبادل المعلومات بين إدارات المراقبة، ومع نهاية التسعينات تمكنت (غاز بروم) من شق ممر وبهدوء في العديد من هذه الدول، وأصبحت ضمن المساهمين في شركات نقل الغاز اللاتفية والليتوانية والأرمنية بحصولها على الحصة المتحكمة، وبما أن حجم استهلاك هذه الدول لا يزيد على ملياري م3 من الغاز سنوياً، فإن الصراع على أسواق التصريف الكبيرة كان مؤجلاً . في حين تتمسك تركمنستان بتكتيك التصادم المباشر لمتنافسين على هدف واحد، ألا وهو جني الأرباح من الغاز، وتمكن الكريملين إلى هذا الحد أو ذاك من إقناع عشق آباد بأنه لا بديل عن الصداقة مع روسيا، ما حدا بتركمانيا إلى التمسك بكلمتها وتحافظ على أولوية العلاقة مع روسيا، خصوصاً أن الأخيرة وافقت على الانتقال ومنذ يناير 2009 إلى الصيغة السعرية حسب مبادئ السوق، ليحافظ الكريملين على رقابة حركة الطاقة في المنطقة حتى نهاية عام 2010 ورسمياً حتى عام 2028 .

نابوكو لغم عبر بحر قزوين

من وجهة نظر الكتاب فإنه ليس هناك أعداء في حروب الطاقة بل هناك متنافسون، مادامت العقيدة العسكرية للقادة الدوليين تسمح على أقل تقدير بالحفاظ على العلاقات الدولية في إطار التمارين الدبلوماسية والإعلانات السياسية، طالما أن خصوم الأمس في الطاقة يمكن أن تضمهم شركة واحدة غداً وتحولهم مرة واحدة إلى حلفاء، لأن العلاقات بين المتنافسين، كقاعدة تبنى على أساس المصالح التجارية .

ولعل مشروع خط أنابيب (نابوكو) الذي قامت خمس شركات (أو إم في) النمساوية و(بوتاس) التركية و(بلغار غاز) البلغارية و(ترانس غاز) الرومانية و(مول) الهنغارية بتأسيسه بحصص متساوية بطول 4 ألاف كلم وبطاقة 31 مليار م3 سنوياً وبتكلفة تصل إلى 9 .7 مليار يورو، وأصبحت (آر دبليو إي) الألمانية الشريك السادس ما أدى إلى تخفيض حصص الآخرين بحجم غير كبير، إلا أنها أبقت خارجا الشركة الفرنسية (غاز دو فرانس)، تعده روسيا ذا خلفية واضحة ومعادية لها، وإن كان من المفترض أن يبدأ المشروع في عام 2008 لكن عجز المساهمون في المشروع عن إيجاد مصادر كافية للضخ لذا تم تأجيل التنفيذ مرة أخرى، على الرغم من أنه كان (لنابوكو) إمكانية أن يخفض اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي بشكل جدي، ويسهم في تعطيله الحلفاء والخصوم، في حين نعته الأمين العام لأمانة ميثاق الطاقة الأوروبي أندريه مارنيه ب الطفل المولود ميتاً .

واستغلت تركيا هذا المشروع لتحقيق مصالح وطنية، حيث إنها أدركت أهميتها الجغرافية على طريق مصدر الخامات من الشرق الأوسط ووسط آسيا إلى أوروبا واشترطت أن يكون مقر إدارة الغاز على أراضيها، ودعا رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان أوروبا إذا أرادت بناء الخط لاستئناف المفاوضات حول انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، وبعكسه فإن تركيا ترفض حتى الآن الانضمام إلى اتحاد في مجال نقل الغاز كبلد عبور، في حين قررت أوكرانيا استثمار المتناقضات بين المشاركين في المشروع وتقدمت رئيسة حكومتها يوليا تيموشينكو عام 2007 بمشروع جديد للغاز عبر بحر قزوين والبحر الأسود باسم (السيل الأبيض) إذ إنه يتجنب عبور تركيا ويختار أكثر الطرق أمانا ومنفعة اقتصادية .

إضافة إلى ذلك يشير خبراء إلى مشكلات قانونية تتعلق بمسألة عدم تقاسم الرصيف القاري في بحر قزوين وعدم توثيق ذلك قانونياً بين الدول المطلة على هذا الحوض، وإن ذلك يرجح ألا يتم بناء مشروع (نابوكو) لحساسية وضع البنية التحتية للطاقة في المنطقة، في حين تعد أذربيجان أن بناء الخط من دون المرور بروسيا هو صراعات مجمدة في القفقاس، إضافة إلى أن الاتحاد الأوروبي مازال بعيداً عن الاتفاق بشأن المشروع، وأعرب المفوض الخاص لشؤون آسيا في الاتحاد الأوروبي بيير موريل في نهاية يناير/كانون الثاني عام 2009 عن شكوكه حول إطلاق المشروع مع حلول عام ،2013 مشيراً إلى ضرورة توخي الحذر بشأن تعيين مواعيد محددة، لأن الكثير من أمثال هذه المشروعات تصطدم بظروف معطلة، ويتطلب إتمام بناء خط أنابيب مهم كهذا زمنا ليس بالقليل من 5-12 سنة .

تبقى أمريكا المنافس الحقيقي لروسيا حتى يومنا هذا في مشروع (نابوكو) بمصادر تركمانيا وأذربيجان مع الأخذ في الاعتبار انضمام كازاخستان وأوزبكستان باحتياطات تقدر ب (6 .1) تريليون م3 من الغاز، واتفقت بلغاريا عام 2008 على توريدات مباشرة بحجم 2 مليار م3 من الغاز التركماني سنوياً عبر خط (نابوكو)، لذلك ترى الكاتبة أن المنافسة احتدمت ما يترتب على موسكو اتخاذ حلول غير اعتيادية من أجل تعطيل برامج بناء نابوكو وخط أنابيب الغاز عبر قزوين، مشيرة إلى أن الكريملين يمكن أن يلجأ إلى مختلف الألاعيب ابتداء من الزيارات المتزامنة للقيادات الروسية إلى أوروبا وآسيا الوسطى وحتى المناورات الجانبية .

تحت وصاية الأوبك

أثار احتمال تأسيس اتحاد لمنتجي الغاز رد فعل سلبي حاد من قبل أمريكا، وقبل أسبوع من افتتاح منتدى الدول المصدرة للغاز في الدوحة طلبت نائب رئيس لجنة الكونغرس الأمريكي للشؤون الدولية إليانا ليتينن من وزيرة الخارجية كونداليزا رايس أن تعارض بفعالية تأسيس منظمة عالمية للابتزاز والاستغلال، بما أن تأسيس اتحاد للغاز سيعتبر تهديداً عن سبق الإصرار والترصد لأمريكا بالنتيجة، قدم للكونغرس الأمريكي مشروع قانون، يعطي الحق لحكومة البلاد متابعة أي منظمة يجري تشكيلها على غرار الأوبك، وصولاً إلى الصراع المسلح .

لقد نبه خبراء سياسة الطاقة في وقت مبكر إلى أن الاعتبارات المتفاوتة بين الدول المختلفة المشاركة في المنتدى لن تسمح بخلق منظمة متضامنة للدفاع عن مصالحهم، وأوضح رئيس معهد سياسة الطاقة ووزير الطاقة الروسية الأسبق فلاديمير ميلوف أن قطر ريادية في التوريدات إلى أمريكا وبريطانيا، والجزائر إلى إسبانيا وإيطاليا، وهما لا تستطيعان تعويض توريدات بعضهما بعضاً عندما تصل بين الموردين والمستهلكين خطوط أنابيب مباشرة وكقاعدة لا يتقاطعون . ولذلك فإن أمن الطاقة بالنسبة للذين يملكون المصادر يتمثل في الحفاظ على السيادة على احتياطاتهم الوطنية من خامات الطاقة، وإمكانية الحصول عليها بالكميات اللازمة وبشروط واقعية، ولهذا السبب لا بد من الاتفاق في إطار نادي الغاز الكبير حيث الأمور المضمونة لن تتبدل في المستقبل المنظور .

وترى الكاتبة أن تشكيل آليات (أوبك الغاز) حسب مبادئ اتحاد النفط ليس له معنى، لأن توريدات القسم الأكبر من الغاز تتم على أساس عقود طويلة الأجل، وتنقل عبر خطوط الأنابيب التي تصل آبار الاستخراج بالسخانات في البيوت مباشرة، ويختلف الغاز عن النفط في أنه صعب التخزين، وتكاليف بناء الخزانات مرتفعة، كما أن إمكانات تخزين الغاز المسال محدودة، لأن سوق الغاز المسال، رغم أنها تتوسع، إلا أنها لا تزيد على 30% من مجموع كميات المبيعات، ولذلك فإن تنسيق الأعمال في خطوط الأنابيب الجديدة ومشروعات إسالة الغاز هي دعوة قابلة للتحقيق لدى المشاركين في المنتدى، وهي تعطي روسيا وقطر وغيرهما من أعضاء نادي الغاز العالمي إمكانية الحصول على أسعار أعلى للغاز .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"