منذ قرنين من الزمن، قررت مستعمرة أوروبية قديمة أن تلحق بأوروبا، وقد بلغت من النجاح في ذلك (الولايات المتحدة الأمريكية) أن أصبحت كائناً عجيباً مشوّهاً تضخمت فيه تضخماً رهيباً عيوب أوروبا وأمراضها ولا إنسانيتها . من خاتمة معذبو الأرض لفرانز فانون . يقدّم لنا حميد داباشي كتابه بشرة سمراء، أقنعة بيضاء الذي اقتبس عنوانه من كتاب فرانز فانون بشرة سوداء، أقنعة بيضاء (1952)، ليزوّدنا برؤية نقدية على الدور الذي تؤديه النخبة الفكرية المهاجرة في تأديتها دور الوسيط لتسهيل الهيمنة العالمية للإمبريالية الأمريكية . يُظهر داباشي كيف أن القوة الإمبريالية استغلت المفكّرين الذين هاجروا إلى الغرب، لإساءة تمثيل بلادهم، كما في حالة الكثير من المفكّرين العراقيين في المنفى لتبرير الغزو الأمريكي للعراق . يوضّح داباشي أن هذه ظاهرة عامة، ويعاين لماذا وكيف العديد من المفكّرين المهاجرين يدعمون الإمبريالية .

حميد داباشي مولود في 1951 الأحواز في إيران، حصل على شهادة الدكتوراه في علم اجتماع الثقافة والدراسات الإسلامية من جامعة بنسلفينيا في ،1984 وزمالة مابعد الدكتوراه من جامعة هارفارد . ألف أكثر من عشرين كتاباً، وهو ناقد ثقافي معروف على المستوى العالمي، وفائز بالعديد من الجوائز . ترجمت كتبه ومقالاته إلى العديد من اللغات العالمية، ويعدّ من بين أهم المفكّرين المسلمين في الولايات المتحدة .

واشنطن ترتكب جرائم بحق الإنسانية في العراق وتحمي الإرهاب الصهيوني

في مقدّمته التي تحمل عنوان الإمبراطوريات الاستعلامية يستهلّها بسؤال موجّه إلى الكاتب العراقي كنعان مكية الذي يعيش في الولايات المتحدة والسؤال هو: قال نائب الرئيس ديك تشيني البارحة أنه يتوقع أن يتم الترحيب بالقوات الأمريكيية كمحرّرين، وأتساءل إذا ما كان بالإمكان أن تخبرنا هل أنت موافق على ذلك، وكيف تعتقد أنه سيكون مرحباً بهم؟ وجواب مكية كان التالي: أنا أوافق على ذلك بالتأكيد . كما أخبرت الرئيس في 10 يناير/كانون الثاني، أعتقد أنه سيتم استقبالهم بالحلوى والورود في الشهور الأولى، وهناك القليل من الشكوك من أن يحدث عكس ذلك .

يقدّم حميد داباشي كتابه إلى ذكرى الطفلة العراقية ذات الأربعة عشر ربيعاً، التي تعرضت للاغتصاب والقتل على يد الجنود الأمريكيين في 12 مارس/آذار ،2006 ويتطرق إلى الحديث عن قصتها في مقدمته، إضافة إلى الحديث عن قصة الطفل اليهودي ذي السنتين موشي هولتزبيرغ، حيث قتل والداه من قبل المتطرفين الإسلاميين في مومباي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 .

نقرأ مشاعر الألم في مقدمة داباشي على الإنسانية، التي تعيش في مستنقع القتل والجريمة والعنف . يوضح الطريقة التي يتناول بها الإعلام الغربي أعمال العنف التي يقوم بها متطرفون إسلاميون، وطريقة تعميم جرمهم على المجتمع الإسلامي برمته، وتحميلهم إثم بعض المتطرفين، سواء بسبب التفجيرات الإرهابية في مومباي 2008 أو أحداث سبتمبر/أيلول ،2001 أوتفجيرات مدريد ،2004 أو تفجيرات لندن 2005 .

يعرض داباشي الانتهاكات الإنسانية التي قامت بها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة في العراق وأفغانستان، وسكوتها عن الاغتيالات المستمرة للفلسطينيين، وعن سجن مليون ونصف فلسطيني في غزة، والذي وصفته الوكالات الإنسانية بأنه السجن الأكبر على الأرض . كما يذكر أن 655 ألفاً قتلوا في العراق وحدها قبل 2006 وفقاً لتقرير لانسيت، إضافة إلى ملايين اللاجئين . يؤكّد أن كل الفظائع التي مارستها الولايات المتحدة وإسرائيل لم يظهره الإعلام الغربي على أنه انتهاك لكرامة الدول وساكنيها، وترجمنا ما طرحه داباشي من سؤال حول التضخيم الإعلامي لأحداث دموية في أماكن معينة وتقليصها في أماكن أخرى قائلاً: لماذا يسبّب الموت والدمار الكثير من البغض والغضب لدى الغرب عندما يحدث في مومباي، ولندن، وتل أبيب، ونيويورك، ولا يسبب الشيء نفسه عندما يحدث في بغداد أو في قندهار أو في بيروت أو في غزة؟ .

يشير داباشي إلى مصطلح المخبر الأصلي في إشارة إلى الكتّاب والأدباء من الأصول الإسلامية بشكل خاص، المهاجرين إلى الغرب، والذين يؤدون دوراً في تسهيل الهيمنة الأمريكية على بلدانهم الأصلية، وتوفير غطاء من الشرعية لها في العالم الإسلامي . يشير إلى الكثير من الكتّاب ممن لهم كتابات أحدثت صدىً مثل قراءة لوليتا في طهران، للكاتبة الإيرانية آزار نفيسي وكتابات اللبناني فؤاد عجمي والصومالية أيان هيرسي علي والأوغندية إرشاد مانجي والهندي سلمان رشدي وابن الوراق، وكل هؤلاء يحملون جنسيات دول غربية .

صناعة الإسلاموفوبيا

يرى داباشي أن طبيعة الإمبراطورية الأمريكية كانت موضوع العديد من الدراسات القيمة مثل الإمبريالية الجديدة: من مستوطنات البيض إلى الهيمنة العالمية لفي .جي . كيرنان (1978-2005)، ولاتزال تقف كرواية تاريخية صلبة للدافع الإمبريالي . والأعمال الأحدث على إثر غزو العراق وأفغانستان هي عادات الإمبراطورية (2008) للكاتب ولتر نوجينت الذي يجد أن الولايات المتحدة لديها ميول إمبريالية منذ نشأتها، وأيضاً ثلاثية بلوباك (2000-2008) للكاتب جالميرس جونسون الذي يعاين النتائج الأخلاقية والسياسية للإمبراطورية الأمريكية المعولمة .

يبين داباشي أن العوامل الإقليمية الأبرز، التي أسهمت في فهم الإسلام والإسلاموية على أنه يمثل بعبعاً للغرب كانت مع انطلاق الثورة الإسلامية 1977-1979 في إيران، وتشكيل حزب الله بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982)، وظهور حركة حماس بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987)، إضافة إلى ظهور الجيش الإسلامي للإنقاذ في الجزائر بعد حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ (1992) .

يشير إلى البروفيسور الفخري بيرنارد لويس في مركز دراسات الشرق الأدنى في برينستون، الذي بدأ مهنته في هيئة الاستخبارات في الجيش البريطاني، وأنهى خدمته كمستشار للبنتاغون . صوّر لويس في كتاباته خلال نصف قرن من الزمن، الإسلام كتهديد حقيقي للنماذج الغربية العالية، فبحدود 1950 توقع حدوث صراع للحضارات، ولايزال غاضباً إلى هذا اليوم من أن هذا الشيء ينسب إلى صموئيل هنتغتون، فمنذ ستينات القرن المنصرم نشر كتباً مثيرة للجدل منها: الشرق الأوسط والغرب (1964)، الإسلام والغرب (1994)، الثقافات في صراع (1996)، الاكتشاف الإسلامي لأوروبا (2001)، الخطأ الذي حدث (2003)، وكتبه تشكّل الأساس لما طرحه فوكوياما وهنتغتون حسبما يذكر الكاتب .

يرى داباشي أن العامل السياسي الذي عولم شعبية الاستراتيجيات الكبيرة مثل ما طرحه فوكوياما وهنتغتون، كان بسبب ظهور النظام الدولي أحادي القطب، الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وسرعان ما تسبب ذلك في إضفاء وضع جديد للمحافظية الجديدة في الإيديولوجية السياسية والليبرالية الجديدة في الاقتصاديات العالمية . كما يشير إلى أن مشروع القرن الأمريكي الجديد، الذي أسسه ويليام كريستول وروبيرت كاغان كمنظمة في ،1997 وأصبح مركز نفوذ فكريّ يدعم التفوق العسكري الأمريكي، ولم يكن من أعضائها فوكوياما فقط، بل دونالد رامسفيلد وزير الدفاع وبول وولفويتز نائبه في فترة بوش، وفي 1998 كان مشروع القرن الأمريكي الجديد مؤمناً بمهمته في تشجيع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لإزاحة صدام حسين عن السلطة . وفي عام ،2000 عصفت أفكار فوكوياما وهنتغتون بواشنطن تماماً، ذلك أن الإسلاموية الفدائية تحركت إليها في المدى القصير بعد فصلها عن سياق ريغان، والذي كانت فيه الولايات المتحدة داعماً متحمّساً للمجاهدين في معاداة الاتحاد السوفييتي .

بشرة سمراء، أقنعة بيضاء

في الفصل الأول من الكتاب بعنوان بشرة سمراء، أقنعة بيضاء، والذي يحمل عنوان الكتاب نفسه، يستهله الكاتب بعبارة لفرانز فانون من كتابه بشرة سوداء، أقنعة بيضاء وهي: بقدر الألم الكبير، لكنني مضطر إلى قبول ذلك: بالنسبة إلى الرجل الأسود هناك مصير واحد فقط . هو المصير الأبيض .

يشير داباشي إلى أن تعيين الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما، شجّعه على إعادة قراءة بشرة سوداء، أقنعة بيضاء لفرانز فانون، ليعكس المعنى الذي كان يحمله حين كتابته في ،1952 وماذا يعني أن يكون رجل أسود في قمة البيت الأبيض .

قرأ داباشي كتاب فرانز فانون حينما كان شاباً في إيران ،1970 وقد تركت جملته الافتتاحية من الكتاب تأثيراً فيه وهي: لاتتوقع أن ترى أي انفجار اليوم . إن الوقت مبكّر للغاية أو متأخر للغاية، ويتحدث في المقدمة وفي هذا الفصل عن دراسة فانون حول العلاقة بين العنصرية والاستعمار في بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، ويبين أن فانون اعتمد في كتابه على النظرية النفسية التحليلية لفهم الإحساس الصدامي للوضاعة أو النقص، الذي يباغت أولئك الذين يقعون ضحية الافتراضات العنصرية للقوى الاستعمارية المهيمنة على أوطانهم . ويجري مقارنة بينه وبين فانون، حيث كان فانون في السابعة والعشرين من عمره عندما كتب كتابه في الجزائر، حيث الاستعمار الفرنسي، وداباشي بدأ به وهو في السابعة والخمسين في نيويورك، العاصمة التجارية . وكان العالم في زمن فانون مقسّماً بين المستعمِر والمستعمَر، بين الشرق والغرب، الشمال والجنوب، أما في الزمن الحالي لم يعد مقسماً بالشكل الذي كان . ومن بعض ماقاله في الحديث عن فانون: يبقى نص فانون مرتبطاً بالاستعمار، الذي ارتدى الآن بربريته العارية ودخل مرحلة كولونيالية جديدة من العولمة، مع المخبرين الأصليين الذين يبشّرون بأن المجازفيّة الإمبريالية هي نافعة للعالم، وبالنسبة إلى الناس المستهدفين بالغزو والعبودية على نحو خاص . هذه حقيقة وقحة وقاسية عن غزو العراق وأفغانستان بقيادة الولايات المتحدة، إضافة إلى البذاءة الإسرائيلية السافرة حول الاستيلاء والاحتلال المطوّل لفلسطين وغزواتها المتكررة للبنان، والتي تخدش الحياء العام . يشير إلى أنه في زمن فانون، أنشأ جان بول سارتر مدرسة فلسفية يحتقر فيها الاحتلال الفرنسي لدول أخرى . أما في زمنه، أنتج الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق شخصيات تبرّر البربرية التي يمارسونها بحق الشعبين وتدافع عن التعذيب، وتتلقى مساعدة المخبرين الأصليين على حد قوله .

مغازلة الاستعمار

يدخل داباشي في قراءة معمّقة لأفكار فانون حول العقل المستعمِر والمستعمَر، في فقرة روحه التنبؤية، وبشكل خاص حول معاناة الرجل الأسود في أن يظهر بمظهر الفرنسي الأبيض، وقصد فانون سكان جزر الأنتيل الصغرى، ويسقط ما يقوله فانون على الرجل الأسمر الشرقي الذي يقطن في الدول الأوروبية، والولايات المتحدة بشكل خاص، حيث يحاول أن يظهر نفسه على أنه ابن الثقافة التي غادر إليها، خاصة بإتقانه اللغة الأجنبية، ويذكر فؤاد عجمي كمثال، الذي يظهر على شاشات التلفزة الأمريكية، ولايتوانى عن قول نحن الأمريكيون، أو التلفظ بجمل مثل عقلية هؤلاء العرب .

يشير داباشي إلى ماقاله فانون حول سكان جزر الأنتيل الذين كانوا يشعرون بالانزعاج عندما يتم تعريفهم كسنغاليين، حيث وجدوا أنفسهم أقرب إلى الفرنسي الأبيض، الذي يجسّد التفوق والحضارة، وفي موقف مشابه لذلك ما يشعر به الإيرانيون في موقفهم تجاه العرب، حيث يميّزون أنفسهم بأنهم من العرق الآري، الذي يضعهم على مقربة من الأوروبيين، ويأخذهم بعيداً عن العرب .

يشير داباشي في الفقرة الثانية من الفصل بعنوان الرجال البيض ينقذون النساء الملونات، إلى تحليل فانون النفسي للعقلية المستعمَرة، الذي يحوّل بانتباهه إلى العلاقة بين المرأة الملونة والرجل الأبيض . وبرأي داباشي، يقدم فانون نقداً قبل نصف قرن لكتاب أنا امرأة من المارتينيك للكاتبة مايوتي كابيسيه وهو ينطبق على مذكرات نزار نفيسي قراءة لوليتا في طهران الآن ويقول عن ذلك: إن قراءة فانون الآن، توضّح أن الاستعمار لديه حق بضع أدوات في ترسانته الإيديولوجية ليبقى متجدداً . وهدف فانون الحقيقي هو أنا امرأة من المارتينيك للكاتبة مايوتي كابيسيه، حيث تفعل مايوتي ما فعلته نظيرتها الإيرانية بعد عقود من الزمن: تشوّه الرجال الملونين، وترتاح لإنقاذ النساء الملونات على يد الرجال البيض الذين ينقذونها وأخواتها من العبودية، وتم الاحتفاء بها تقريباً مثل نفيسي، وفازت بجائزة غراند بريكس للآداب في فرنسا 1949 .

يجد داباشي وفقاً لما ذكره فانون، أن المستعمِر الفرنسي وجد صوت مايوتي حليفاً مثالياً، يثبت سياسة الاستعمار، ويقتبس ما كتبه فانون عن مايوتي: تحبّ مايوتي رجلاً أبيض من غير شروط . إنه سيدها، لا تسأله ولاتطلب منه شيئاً سوى بعض البياض في حياتها . كما يشير داباشي إلى مناقشة فانون لروايتها الثانية الزنجية البيضاء حيث لاحظ أن مايوتي وصفت كل رجل أسود بالتافه أو صفات غير لائقة وماقاله فانون: نستطيع أن نقول بأمان أن مايوتي كابيسيه دارت بظهرها إلى الجزيرة . في كلا كتابيها هناك منهج واحد متروك لبطلتها وهو الرحيل . هذه الجزيرة جزيرة السود الملعونة بالتأكيد . ويرى داباشي أن الإيرانية نزار نفيسي ذهبت إلى باريس زمن مايوتي، أي إلى واشنطن، وفعلت أكثر من ما فعلته المارتينيكية في مغازلتها القوة الأمريكية .

الأسود والعربي في المشروع الإمبريالي

يشير داباشي إلى أنه كما يتوقع فانون في حديثه عن مايوتي كابيسيه جيلاً جديداً من المخبرين الأصليين من بينهم نفيسي، وهيرسي علي وإرشاد مانجي، يتوقع أيضاً مايمكن أن نسميه ظهور العربي كالإفريقي التالي والمسلم كاليهودي الجديد . ويدخل فانون في حوار نقدي مع الدراسة الشهيرة للكاتب الفرنسي مانوني عن الاستعمار بعنوان سيكولوجية الاستعمار (1950)، الذي يجد أن عقدة النقص موجودة لدى الشخص المستعمَر منذ الطفولة، ويجد أن شيئاً من العبودية كان موجوداً فيه قبل وصول الأوروبيين، ولايجد الحضارة الأوروبية أو ممثليها مسؤولين عن التمييز العنصري الاستعماري . لكن فانون ينتقده بشدة ويجد أن الحضارة الأوروبية وعملاءهم يتحملون مسؤولية التمييز العنصري الاستعماري . يشير داباشي إلى أن آزار نفيسي استخدمت الأدب الغربي لتشويه سمعة المجتمع الإيراني وثقافته، كما أن كتابات سلمان رشدي ضد الإسلام والمسلمين وجدت الدعم لدى أعلى المستويات الثقافية الأدبية الأوروبية والأمريكية، إضافة إلى الثناء الذي لقيته هيرسي علي على مذكراتها في 2007 في صحيفة واشنطن بوست . يقول داباشي: إن التمييز العنصري ليس استثناءاً بل قاعدة الاستعمار الأوروبي، ولا يرجع ترويجه وإرساؤه إلى الوضاعة والنقص الفطري عند السكان الأصليين، بل روجته الحضارة الغربية، كما روّجته شخصيات مثل هيرسي علي ونفيسي ورشدي وغيرهم . ويشير داباشي خلال مناقشته لفانون إلى أحد المقاطع التي يرفض فيها فانون وجود عقدة النقص عند المستعمَرين: كم عدد المرات التي أوقفتني فيها الشرطة في وضح النهار، حيث أخذوني على أني عربي، وعندما اكتشفوا أصولي، كانوا يعتذرون بسرعة قائلين: نعرف جيداً أن المارتينيكي مختلف جداً عن العربي . ويبين داباشي إلى أن فانون توقع أن العربي سيظهر بمظهر الإفريقي الجديد، وسيظهر المسلم بمظهر اليهودي الجديد، والرجل الأسمر بمظهر الأسود، ويؤكّد داباشي أن كل الخدمات التي سيقدمها المخبرون الأصليون تحقق هذا الكلام ويصبح واضحاً ومفهوماً .

المسلم هو اليهودي الجديد!؟

يرى داباشي أن ما جعله المخبرون الأصليون واضحاً هو أن الخيال الأبيض أعاد تصنيف لون العنصرية المزمنة، وتجسدت الوظيفة الرئيسة لهم في وضع العربي والمسلم في موقع النبذ ليحلّ محلّ الأسود واليهودي في السابق . ويشير إلى أنه خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية في ،2008 أعلن الأمريكيون العنصريون بصوت عالٍ أن أوباما رجل أسود، وذكروا أنه كان مسلماً، إضافة إلى اعتقادهم أنه كان عربياً . كما يرى أنه بظهور العرب والمسلمين كالشياطين الجدد- خاصة بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001- استفاد العديد من الأكاديميين المغتربين سواء الباكستانيين أوالإيرانيين أوالعرب أو المسلمين بشكل عام بشكل كبير، من العداء ضد المسلمين والدول ذات الأغلبية المسلمة، وذلك في تعزيز وترسيخ النظرة تجاه هذه المجتمعات على أنها متخلفة وبحاجة إلى تدخل تحرري بشكل رهيب . وكانت هذه النتيجة-كما يوضّح- واضحة في كتابات فؤاد عجمي وكنعان مكية خلال التحضير لغزو العراق، وبشكل ضمني في كتابات آزار نفيسي وهيرسي علي . وبرأيه رسم هؤلاء صورة المجتمعات الإسلامية بناءً على متطلبات آلة الدعاية الأمريكية، وأسهموا في تبرير المشاريع الإمبريالية ما بعد 11 سبتمبر .

يشير داباشي إلى الجدل حول حادثة الرسوم الكرتونية للرسول الكريم في 2005-،2006 حيث يرى أن سلمان رشدي ومن يشبهونه من المخبرين الأصليين استخدموا هذه الأحداث لتحذير الأوروبيين والأمريكيين بأنهم يواجهون خطراً مرتقباً يماثل الفاشية . ويرى أن ما يلفت الانتباه هو تحول المعاداة التاريخية للسامية في أوروبا إلى إسلاموفوبيا واسعة وخطرة على حد سواء، وسهّل البغض الذاتي للمخبرين الأصليين المسلمين على إجراء هذا التحوّل .

يرى داباشي أن ما نشهده اليوم هو ببساطة مرحلة متقدمة أكثر من الاستعمار، ويعكس ظرفاً متقدماً أكثر للرأسمالية في مرحلتها المعولمة، مع أشكال جديدة من الهيمنة في حاجة إلى لغة إيديولوجية متجددة . كما يبين أن المشروع الإمبريالي لايميز بين لون أو عرق، فقط يريد أن ينتج بشكل رخيص ويبيع بشكل هائل إلى أكثر الأسواق، ولايكترث بمن يشتري أو من يبيع أو من يربح أو من يعاني عواقب الدائرة الخطرة . ونختم هذه الحلقة بما قاله داباشي في النهاية: إن الخدمة التي يزوّدها المخبرون الأصليون للمشروع الإمبريالي، تعتبر فقط سلعة أخرى غير مفيدة بعد استعمالها في تلك الدائرة، وهي تشبه مناديل الحمام، تستعملها وتتخلص منها ثم تتركها .