في صيف عام 2000 قام سكان مدينة بنغازي الليبية بثورة عفوية ضد نظام القذافي بعد إهانة فريق المدينة لكرة القدم من بين إهانات كثيرة تعرض لها، ولم تسنح الفرصة للحديث عما جرى قبل 11 عاماً إلا الآن بعد أن أصبحت المواجهة مفتوحة مع النظام . شليفة بنصريتي ذو ال65 عاماً أمضى شهراً كاملاً في زنزانة وصفها بالصاق ذراعيه بجانبي
جسمه كي يشرح ضيقها، ثم وضع يده على رأسه وعكف أصابع قدميه ليبين طولها، وحيداً في الظلام والى جانبه قنينتان: واحدة للشرب وأخرى ليتبول فيها، وسمي بعدو الشعب الليبي لأنه متآمر ومتعاون مع أعداء ليبيا في الخارج، لكن الحقيقة كانت تتعلق بكرة القدم ولا شيء آخر .
بنصراتي شخصية هادئة، وقسمات وجهه تنفرج بابتسامة لا تعبر عن ماضي الرجل التعيس، كان مدرب فريق أهلي بنغازي لكرة القدم على مدى 15 عاماً، من بينها الأربع سنوات التي منع فيها الفريق من لعب الكرة، وبعد ما جرى عام 2000 أمضى بنصريتي 9 أشهر في السجن بسبب مباراة كرة قدم على حد قوله .
فتح بنصراتي قلبه ليروي قصة نادي أهلي بنغازي للذين لا يعرفون تفاصيلها في العالم، وهي قصة غير عادية حتى بالنسبة إلى مواطنيه، قصة ثأر معمر القذافي ونجله الساعدي من أعرق نادٍ في البلاد والذي تأسس عام 1947 .
العشرات من مشجعي الفريق تعرضوا للتعذيب، وحكم على 32 منهم بالسجن وثلاثة منهم بالإعدام، وصدر الأمر الرئاسي بإيقاف الفريق وتدمير ملعبه، وقف بنصريتي وسط أطلال الملعب وقال هناك كان ملعب السلة المغلق، وملعب التنس كان في الجهة الأخرى، أما البناية السوداء اللون بالقرب مما تبقى من الملعب فقد كانت أجهزة استخبارات القذافي تستخدمه لتعذيب المحتجين . الثورة الآن في طريقها للنجاح لكن ثورة عام 2000 التي سميت بثورة الكرة لم يكتب لها النجاح .
حرص القذافي وأولاده على علاقتهم الوثيقة بالكرة، فمباريات الكرة كانت فرصة لظهور العقيد وأولاده، ومسرحاً لتنفيذ أحكام الإعدام بمناوئيهم، كي يبثوا الرعب في نفوس الشعب، ولم يكن من حق أي معلق على المباريات أن يذكر اسم لاعب، بل يشير إليه فقط برقم فانيلته، لأن لا أحد من حقه الحصول على الشهرة .
الساعدي نجل القذافي نصب نفسه ملكاً لكرة القدم الليبية، وعين في أواخر التسعينات رئيساً الاتحاد الكرة الليبي، كما حمل شارة الكابتن في منتخب البلاد، ثم مالكاً ومدرباً وكابتناً لنادي الأهلي طرابلس، وحرص على أن يكون أهلي طرابلس أقوى وأفضل فريق في الدوري .
ليبيا كانت صغيرة على طموحات الساعدي لذا عبر البحر المتوسط وشق طريقه إلى الكالشيو الإيطالي، ولعب في بيروجيا وأودينيزي وسمبدوريا لكنه على مدى الأربع سنوات التي أمضاها في إيطاليا مع هذه الفرق لم يلعب سوى 25 دقيقة، وكان مدار تندر في إيطاليا لكن في ليبيا كان بطلاً قومياً .
قرار الساعدي بجعل أهلي طرابلس أفضل نادٍ في ليبيا وفي إفريقيا، وتفكيره في وجود نادٍ واحد يحمل اسم الأهلي قاده لحملة على أهلي بنغازي فاشترى أفضل لاعبيه، وفي يوم قائظ الحر في يوليو/تموز ،2000 كاد الساعدي يحقق أمنيته عندما كاد أهلي بنغازي يهبط إلى الدرجة الثانية . في ذلك اليوم كان بنصريتي جالساً على دكة فريقه، فيما كان الساعدي جالساً على المنصة الرئاسية في المدرجات، وكان في الملعب 30 ألف متفرج، ويقول بنصريتي كانت القصة المثالية، ففريق الساعدي كان يحصل على ضربة جزاء تلو أخرى، أهل بنغازي كانوا دوماً يصبرون على الأذى لكن الوضع تجاوز الحد في ذلك اليوم . الملعب كله كان ضد الساعدي فلكل واحد منهم قريب يقبع في سجون النظام، والجميع يعرف واحداً أو أكثر قتل أو جرد من أملاكه على يد النظام .
بنغازي كانت تكره آل القذافي، لكنها في ذلك اليوم كانت تكره الساعدي على وجه الخصوص، لذا بدأ الجمهور بالصفير، وتحول الصفير إلى زئير، واندفع المئات إلى أرض الملعب، وانتشروا في الشوارع المحيطة به وأحرقوا صور القذافي، وأضرموا النار في اتحاد الكرة، وقام أحد المحتجين بإلباس الحمار فانيلة عليها رقم الساعدي .
سارعت الأجهزة الأمنية إلى المدينة لقمع الثورة، وألقي القبض على 80 شخصاً من ضمنهم مشجعون للنادي وموظفون فيه، واختفوا في غياهب السجون .
بنصريتي تابع حديثه فقال قال الساعدي سأدمر ناديكم وسأحوله إلى عش للبوم، لكنه انتظر حتى الأول من شهر سبتمبر/أيلول التالي، الذي صادف الذكرى ال31 لتولي أبيه الحكم، وبعث بالجنود الذين قاموا بهدم الملعب هدية للقائد المفدى .
ويعلق بنصريتي قائلاً دمروا الملعب والبوابة، ثم قامت البلدوزرات بمحو كل شيء . استغرقت العملية 3 أو 4 ساعات، وأجبروا الناس على مشاهدة عملية الهدم والتصفيق لها ثم عرضوا عملية الهدم في ذلك المساء على شاشة التلفاز ثم أكملوا المهمة ومحوا كل شيء في اليوم التالي .
بنصريتي بالطبع حصل على تلك المعلومات من طرف آخر لأنه حينها كان في السجن، لكنه يقول تدمير النادي الأهلي أسهم في اندلاع الثورة الحالية والكتيبة التي أطلقت شرارة الثورة من مشجعي الفريق ولاعبيه، الذين حرصوا على ارتداء فانيلته عندما التحقوا بجبهة القتال وقتل أحدهم لاعب وسط في القتال بمصراتة .
شبح من الماضي
عبدالسلام ثاو يتحدث من دون تحريك شفتيه، فالتعذيب الذي لقيه حطم فكيه ولا يملك ثمن علاجهما حالياً، أمضى في السجن 10 أعوام منها ثلاثة أشهر في التعذيب اليومي والقذافي أصدر عفواً عن تنفيذ حكم الإعدام فيه بعد 5 سنوات من السجن مع اثنين فقط بقيا بعد انتحار سجين ثالث .
صدر القرار بإعادة فتح نادي أهلي بنغازي ليس لأن القذافي شعر بالأسف تجاه النادي، بل لأن سجن لاعبي كرة يشوّه صورته أمام الغرب . ومنح النادي أرضاً في بنغازي ورغم الوعود بإنشاء ملعب تمرينات، لكنه بقي حتى اليوم ساحة عشب محاطة بسور حديدي، لأن الشركات الكبرى تربطها علاقة وثيقة بالنظام، وتخشى تقليل الدعم في حال تبنيها مشروع بناء النادي .
ويقول ثاو إن الفريق كان يسمح له بلعب المباريات المهمة فقط، ومن دون جمهور . المفارقة أن الساعدي القذافي كان في بنغازي يوم 17 فبراير/شباط، وقال إنه سيدعم نادي أهلي بنغازي ويصحح أخطاء الماضي، لكن في ذلك اليوم اندلعت شرارة الثورة، وأمر فيها الجنود بإطلاق النار على الثوار، ويعلق معتز بن عامر (29 عاماً) كابتن الفريق في آخر 5 سنوات، لم يكن أحد من أهل بنغازي يصدق ما يقوله الساعدي، ليس بعد كل ما فعله ضد النادي .
ابن عامر كان أحد الأشخاص الذين حاول النظام استخدامهم لقمع الثورة بقوة الكرة، وفي أولى أيام الثورة تلقى اتصالاً هاتفياً، وأمره الشخص المتصل بوجوب الحضور لمبنى الإذاعة والتلفزيون ليشجب المتظاهرين على الهواء ويندد بالعصيان لكن بن عامر رفض . حاولوا الاتصال به مرات كثيرة لكنه لم يجب، لم يكن لاعب الوسط الرياضي الوحيد الذي طلب منه شجب الثوار، بل أيضاً رئيس نادي أهلي طرابلس، الذي أُمِر بقول إن ثوار بنغازي ينتمون إلى القاعدة لكنه رفض وهرب .
وقبل بضعة أسابيع انضم بعض أفراد المنتخب الليبي إلى الثوار، ويقول بن عامر لا نريد أن نتعرض للاستغلال بعد الآن، نريد الحرية والديمقراطية ونريد استعادة الكرة . بن عامر عرف الساعدي القذافي جيداً، لأنه لعب إلى جواره في طرابلس موسماً كاملاً لم يكن الأمر سهلاً، الساعدي كان الكابتن، وكان يريد تسجيل الأهداف، وكان عندما لا يمرر أحد اللاعبين الكرة له بالشكل الصحيح يضربه أو يحلق له شعره، وأحياناً يطلق كلابه على اللاعب .
ما زال بن عامر يخشى سطوة آل القذافي، وهو يتجنب الخروج من منزله الذي يتقاسمه مع والديه وبقية أفراد الأسرة، فيما تقبع الكأسان اللتان فاز بهما في بطانية في غرفة الجلوس كأس لتنفيذه 26 ضربة جزاء ناجحة متتالية، يقول عنها إنها إنجاز إفريقي، ويعلق لم يكن يسمح لنا بأن نكون أبطالاً، فالبطل الوحيد إما أهلي طرابلس أو الاتحاد ناديي العاصمة اللذين يدعمهما أبناء القذافي .
أهلي بنغازي ينتظر إعادة بنائه
بعد انطلاق الثورة في فبراير/شباط الماضي حل نادي أهلي بنغازي مرة أخرى ورئيسه الذي عين من قبل النظام هرب إلى الخارج وسط شائعات بمشاركته في قمع الثورة في أيامها الأولى، أما المدرب التونسي فعاد إلى بلاده كما فعل اللاعبون من نيجيريا ومالي وتونس، فيما انضم اللاعبون الليبيون إلى الثورة، ولم يتبق من الفريق سوى نصفه اليوم في بنغازي، ويتمرن لاعبوه من وقت لآخر في المزارع خارج المدينة، والجري هو التمرين الوحيد الذي يحصل عليه اللاعبون حالياً، ويعلق بن عامر نادينا ليس نادياً بل كومة من النفايات . حاول بن عامر إقناع المجلس الانتقالي بإقامة مباراة ودية تحت سماء الحرية في بنغازي لكن المجلس رفض لأن المباراة قد تكون هدفا لنيران القذافي لكن بن عامر يتطلع إلى مباراة تجمه أهلي بنغازي وأهلي طرابلس في وقت قريب وإذا جرت فعلاً، فسيكون القانون فيها الفوز للفريق الأفضل .