حين كان الدبلوماسي السوري السابق بسام البيطار مقيماً في باريس منذ ثلاثة عقود، دق أحد أفراد الشرطة السرية من العاملين في السفارة باب شقته ليبلغه تهديداً مبطناً بالقتل إن هو لم يكف عن انتقاد النظام .

وقال البيطار (55 عاماً) وهو يتذكر اليوم الذي زاره فيه الضابط من السفارة بمنزله في إحدى الضواحي بعد فصله من عمله بها في مايو/ أيار عام ،1987 إن الضابط من السفارة الذي عرف نفسه باسم المقدم غياث أنيس، وهو ليس اسمه الحقيقي، قال له إنه ينصحه كصديق بأن يلتزم الصمت وإلا سيواجه العواقب .

وتابع قائلا ل رويترز إنه كان ينتقد الابتزاز والصفقات التجارية غير المشروعة لنظام الأسد رغم أنه فقد وظيفته وحرم من رؤية بلده . وتابع قائلاً إن السوريين يتحدون الآن طلقات الرصاص من أجل الحرية ويدفعون ثمناً أغلى كثيراً . وكان يتحدث في بهو فندق باسطنبول على هامش اجتماع عقد هذا الشهر لمعارضين من خارج سوريا وداخلها .

ويرى البيطار، وهو مسيحي من حلب، فرصة الآن في إجراء تغيير سياسي حقيقي للمرة الأولى خلال عقود من العمل السياسي . وانتعش أمله بالعودة إلى الوطن وهو ينظم احتجاجات أمام البيت الأبيض .

وجلس معارضون في الخارج يقيمون في استراليا وكندا ودول عربية حول مائدة مؤتمر اسطنبول ومعهم أجهزة الكمبيوتر المحمول واللوحي يخططون لاجتماعات ويدردشون عبر موقع سكايب مع لجان تنسيق محلية داخل سوريا .

ويقول ياسر سعد الدين، وهو محلل مستقل يميل إلى التيار الإسلامي ويقيم في قطر، على المعارضة في الخارج أن تؤدي دور الخادم لهذه الثورة ودعمها وإسنادها .

وتلقى المعارضون في الخارج دفعة حين تم رفع الحظر على السفر المفروض على هيثم المالح هذا الشهر . والمالح قاض سابق أمضى عشر سنوات في السجن لمقاومته احتكار عائلة الأسد للسلطة وسيطرة حزب البعث على جهاز القضاء .

واستقبل المالح في مؤتمر اسطنبول استقبالاً يليق برجل دولة، وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من الإفراج عنه وهو يلعب دورًا رئيساً في إقامة جسور بين معارضي الأسد في الداخل والخارج .

وقال المالح، خلال تناوله الغداء في فندق خمسة نجوم قرب البوسفور الذي عقد فيه اجتماع المعارضة، إن المعارضة في الخارج تجمع الأموال حتى يستمر المحتجون وتساعد على توسيع نطاق العصيان المدني الذي جعل بعض المدن مثل حماة وحمص مناطق محررة .

وأظهر مكان عقد المؤتمر حجم النفوذ المالي والتنظيمي لجيل شاب ميسور مادياً من المعارضين في الخارج الذين فروا من القيود في وطنهم ليقيموا مشاريع تجارية في الخليج وأوروبا .

ومن بين النشطاء أسامة الشوربجي (32 عاماً) الذي قطع دراسته للحصول على درجة الدكتوراه في الكائنات الحية الدقيقة بجامعة باريس للحضور . وألقي القبض عليه عام 2003 مع مجموعة من النشطاء الشبان بعد حملة لتنظيف شوارع دارايا وهي ضاحية بدمشق، وهي المبادرة التي اعتبرت محاولة تخريبية لتعطيل عمل المجلس البلدي .

وقال الشوربجي إنه يعتبر الجيل الجديد من المعارضين السوريين في الخارج أكثر تحرراً من العقيدة السياسية التي يتشبث بها الجيل الأكبر سناً .

ويقول سوريون مغتربون أنشأوا مواقع الكترونية مناهضة للأسد، وأمدوا منظمي الاحتجاجات في سوريا بالهواتف التي تعمل بالقمر الصناعي، إنهم يجدون وسائل سرية أيضاً لتمويل حملات العصيان في مدن مثل حماة وحمص يأملون بأن تسرع بإسقاط نظام الأسد .

ويقول صالح مبارك، وهو أكاديمي تعلم في الولايات المتحدة ويعمل حالياً بجامعة قطر، إن المعارضة في الداخل في مقعد السائق والمعارضة في الخارج هي الصدى لكنها تتمتع بحرية الحركة . وأضاف أن معارضي الداخل محاصرون، وإذا تحدثت أي شخصية من المعارضة فإما تتلقى رصاصة أو يلقى القبض عليها .

وفي مؤشر آخر على النضج السياسي، حفزت المناقشات عن شكل سوريا بعد سقوط النظام جماعة الإخوان المسلمين على أن تتبنى علنا المبادئ الديمقراطية وتقبل بمجتمع مدني مع التعهد بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية .

وقال علي صدر الدين البيانوني، الرئيس السابق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا الدولة التعددية هي الهدف، ولا بد أن نؤكد رفضنا لكل شكل من أشكال استبداد الأكثرية ولأي ديمقراطية إقصائية . لقد عانينا طويلاً من سياسات وأشكال الاستبداد والاقصاء وعهدنا لكل ابناء الشعب أن ننفيها عن وطننا الحبيب، ونأمل بأن نبدد كل التخوفات من الغد الديمقراطي الذي نريده تشاركيا .

ويقول عماد الدين الرشيد، أستاذ الشريعة الإسلامية الذي ترك سوريا مؤخراً ويمثل أحدث موجة من المعارضين في الخارج لا ننكر أن هناك كماً من التراكم الكبير في ترهيب النظام للرأي السياسي الآخر والمعارضة السورية في معظمها ليس لديها ممارسة سياسية لأن النظام يحتكرها .

وقال الرشيد، الذي سجن لفترة قصيرة خلال الاحتجاجات، وغادر سوريا بمجرد الإفراج عنه، النظام يقتات على تمزق المعارضة .

ويعترف الكثير من المعارضين في الخارج بافتقارهم إلى قيادة موحدة، لكنهم يقولون إن الاخوان المسلمين واليساريين العلمانيين يمكن أن يتفقوا على هدفين رئيسين هما الإطاحة بالأسد والسعي إلى تحقيق مستقبل ديمقراطي .

وقال رضوان زيادة، الباحث السوري المعروف والناشط المقيم في واشنطن، إن الإخوان واليساريين العلمانيين استطاعوا توحيد أهدافهم لأن المحتجين لهم هدف واحد هو إسقاط النظام .

وأضاف إن المعارضة في الخارج تقع تحت ضغط حتى لا تعلن عن خلافاتها، بينما يقتل أبناء شعبها في سوريا إلا أن إيجاد بديل لحكم الأسد سيستغرق وقتاً . وتابع أن من الصعب الوصول إلى قيادة موحدة بعد 48 عاما من الدكتاتورية مشيراً إلى أنه حتى تتطور المعارضة وتكون تحالفات، فإنها تحتاج إلى وقت . (رويترز)