ستظل الجاسوسية من الأنماط الدرامية التي تستهوي الكتاب والمخرجين وتجذب الجمهور، وخصوصاً أنها لعبة تعتمد أسلوب الصدمات والمفاجآت المتلاحقة وتنبني على الدراما بتجسيدها للصراع الأبدي الأزلي بين العرب والصهاينة، ولذا فقد كان طبيعياً أن يتم إنتاج وعرض عدد لا بأس به من الأعمال التي تدور في هذا الفلك خلال السنوات الماضية، ومنها حرب الجواسيس ودموع في عيون وقحة والعميل 1001 وغيرها، ورغم كثرة مسلسلات الجاسوسية إلا أن رأفت الهجان الذي كتبه الراحل صالح مرسي وأخرجه الراحل يحيى العلمي وجسد بطولته النجم محمود عبدالعزيز قبل نحو 20 عاماً ما زال على القمة، حيث لم يستطع أي عمل لاحق له أن يهدد عرشه .

هذا العام نعيش مع حكاية جديدة من عالم الجاسوسية وهي مسلسل عابد كرمان والذي كنا ننتظره في رمضان الماضي، وبشكل مفاجئ تم تأجيله نتيجة تحفظ جهات أمنية في مصر ليتم حذف 70 مشهداً منه من بين عدد مشاهده البالغ 1500 حسب تصريح لمخرجه نادر جلال، وبدلاً من أن نشاهده باسم الرواية الأصلية المستوحى منها كنت صديقاً لديان لماهر عبدالحميد نتابعه اليوم باسم بطل الأحداث والشخصية المحورية فيه عابد كرمان .

المسلسل يجذب قطاعاً من الجماهير، وخصوصاً الحريصين على مشاهدة ما يؤكد التفوق العربي على الكيان الصهيوني وبصرف النظر عن قيمة عابد كرمان الفنية فإنه من المهم أن يظل النمط الدرامي الذي يتمحور حول الصراع العربي الإسرائيلي موجوداً على الشاشة العربية لإلقاء الضوء على بعض فصوله التي لا تخلو أبداً من تجاوزات وانتهاكات إسرائيلية قديمة متجددة بحق الفلسطينيين والعرب، حتى لا تسقط قضيتنا الأولى من ذاكرة الأجيال الجديدة، وحتى لا ينتصر تيار التطبيع ويثبت ضياع الحق من أصحابه .

عابد كرمان حكاية جديدة عن الجاسوسية يتردد أنها مستوحاة من الواقع في حين يحاول صناع المسلسل تأكيد العكس بأنها من وحي الخيال، وهو ما تم فرضه بجملة تستهل بها كل الحلقات حتى يجد طريقة للعرض، ورغم أن الحكاية جديدة من حيث الأسماء ومواقع الأحداث إلا أن المضمون لا يختلف كثيراً عما شاهدناه في أعمال سابقة، ولعله أكثر تأثراً بالمسلسل الأنجح رأفت الهجان حيث إن الظروف الاجتماعية لبطل كل منهما متشابهة بل وتكاد تكون متطابقة، باستثناء أن رأفت كان مصرياً في حين أن عابد شاب من فلسطينيي ،1948 ويعيش في الأرض المحتلة ويحمل الجنسية الإسرائيلية ويريد الانتقام من الصهاينة بسبب مشهد اعتدائهم على أمه وقتلهم أخيه وهو طفل، ووصية أبيه بالعمل لاستعادة الحق المسلوب .

امتد التشابه بين المسلسلين أيضاً إلى الأدوات التي يستخدمها كل منهما في جمع المعلومات، وهي العلاقات النسائية والبيزنس، ليظهر عابد كرمان محاطاً بالمعجبات في حيفا وفي باريس وفي كل مكان يذهب إليه، وكان ينقصه العنصر النسائي في بلجيكا خلال معسكر التدريب الذي أقيم له هناك .

المسلسل استغرق 10 حلقات ليقدم لنا فيها شخصية عابد ويطلعنا على ظروفه، وأساليب تجنيده وتدريبه، وهو ما كان يكفي له حلقتان أو ثلاث، بجانب أنه وقع في أخطاء عدة، مثل ظهور ممثلة تتحدث في الموبايل في الحلقة الرابعة، رغم أن الأحداث تدور عقب هزيمة ،1967 وأيضاً مشاهد المترو في باريس، وبعض ملامح الديكور الذي ينتمي إلى عالم اليوم وليس إلى ما قبل أكثر من 40 عاماً .

ورغم أخطاء المسلسل إلا أن بطله الفنان السوري تيم حسن، يواصل تألقه ليؤكد من خلاله أنه ممثل يمتلك موهبة نادرة وقادر على التنويع في أدواره، وأن نجاحه في مصر لم يكن من خلال تجربة عابرة صفق له فيها الجميع، وهي مسلسل الملك فاروق لأنه أيضاً يستحق أن نصفق له في دور الجاسوس .

أيضاً تألق وأبدع في عابد كرمان الفنان أحمد حلاوة في شخصية إيزاك وعبدالرحمن أبو زهرة في جاكوب وباقي الممثلين أدوا المطلوب منهم .

[email protected]