يمكنك أن تقول ما تشاء حول الدراما هذا العام، قل إنها أقل بريقاً عن المواسم الماضية، وقل أيضاً إنها أقل جماهيرية بعد أن استحوذت الأحداث السياسية في أكثر من بلد عربي على اهتمام الناس، وعجزت الدراما عن أن تكون العصا السحرية التي تخرجهم من دائرة الحدث التراجيدي الأعظم، والذي يتماشى مع أحلام وطموحات الكثيرين في غد أفضل، وقل أيضاً إنه أكثر المواسم خسارة لصناع الدراما ومنتجيها بسبب المشكلات التسويقية وخفض الإنفاق الإعلاني . ولكن في المقابل ينبغي أن نقول إنها دراما تحمل ملامح جديدة بعد أن أسقطت نظرية النجم الأوحد، وأجبرت كبار الفنانين على تخفيض أجورهم، والأهم أنها انعكست إيجابياً على مضمون المسلسلات التي أصبحت أكثر تعبيراً عن هموم الإنسان العادي، وتحدثت بلسان البسطاء والمهمشين ورسخت الصورة السينمائية الأكثر وضوحاً وجذباً على شاشة التلفزيون .

هذا العام سقطت نظرية النجم الأوحد التي روج لها بعض الكبار، وأقنعوا الموزعين وأصحاب القنوات أنهم الورقة الرابحة، وتمادوا في غيهم ليبتلع أجرهم في بعض الأعمال نصف ميزانية المسلسل كاملاً . وحالياً تدحض الأعمال المعروضة هذه الأكاذيب بعد أن استقطبت الجماهير أعمال تخلو تتراتها تماماً من أسماء النجوم، وحققت نجاحاً عجزت مسلسلات النجوم أن تحقق نسبة ضئيلة منه .

استحسن الناس مسلسلات مثل المواطن إكس الذي يلعب بطولته مجموعة من الشباب أصحاب الأسماء غير المشهورة والتفوا حوله، وقاموا بالترويج له، في حين انصرفوا عن مسلسل سمارة الذي تلعب بطولته غادة عبدالرازق بعد أن صدعتنا كلاماً وتوعدت الجميع بأنها الاسم الرابح الذي لا يهتز له عرش .

التف الجمهور أيضاً حول مسلسل شارع عبدالعزيز الذي يعد عمرو سعد أشهر أبطاله (كثيرون لا يعرفونه) في حين لم تشغلهم مغامرات الدالي في جزئه الثالث والذي يلعب بطولته نور الشريف بعد أن مل الناس الحدوتة وما فيها من مط وتطويل رغم إقحام مشاهد عليه تدين النظام المصري السابق وتنال من صور بعض رموزه بعد أن أصبحوا خلف القضبان .

ويعتمد أيضاً مسلسل دوران شبرا على البطولة الجماعية رغم تصدر كل من دلال عبدالعزيز وعفاف شعيب أفيشاته، ولكن مساحة دور كل منهما تكاد أن تكون أقل من ممثلين شباب كثيرين، ولذا فضله الناس على مسلسل رمضان مبروك أبو العلمين لمحمد هنيدي، والذي يستثمر فيه نجاح الفيلم الذي قدمه حول الشخصية نفسها العام الماضي، وتوهم أن ما نجح به سينمائياً سينجح به تلفزيونياً غير مدرك أن المفاهيم قد تغيرت، وأن الناس تبحث عن فكر جديد بعد أن سئمت التكرار .

المهم أن المسلسلات التي لفتت الأنظار ونالت إعجاب الناس هذا العام جاءت بفكر جديد يرفع شعار التغيير الشامل، فهي ليست فقط بطولة أسماء شبابية أو غير معروفة، ولكنها أيضاً من تأليف عناصر تخوض تجربة الكتابة الدرامية لأول مرة، وتتولى إخراجها عناصر جاءت إلى عالم التلفزيون من عالم السينما لتنقل إليه تقنياتها وتحدث ثورة بصرية فيه . فمثلاً مسلسل المواطن إكس كتبه محمد ناير ويخرجه عثمان أبولبن ومحمد بكير، في حين أن شارع عبدالعزيز فمن تأليف أسامة نورالدين وإخراج أحمد يسري ودوران شبرا من تأليف عمرو الدالي وإخراج السينمائي خالد الحجر، وكل الأسماء سالفة الذكر جديدة على مجال الدراما التلفزيونية .

إن هذه المسلسلات جاءت بفكر جديد وتنبئ بخريطة درامية جديدة في الأعوام المقبلة، خريطة لا تكون فيها كلمة النجم هي العليا، وإرادته هي التي ينصاع لها الجميع، ولكنها خريطة ستكون الكلمة الحاسمة فيها للنص والمضمون والإخراج، وهو ما يمكن أن يوقظ الدراما العربية من غفوتها ويضعها في المكان اللائق بها ويعيد إليها الجمهور الذي قاطعها بسبب تدني مستواها والفساد الذي أصابها .

إن تفوق أعمال الشباب على أعمال النجوم هذا العام بمنزلة صافرة إنذار وتحذير للنجوم الكبار الذين يرغبون البقاء كلاعبين على الساحة، فإما أن يغيروا من مناهجهم وأساليبهم ورؤاهم، وإما أن يتنحوا قبل أن يخلعهم الجمهور .

[email protected]