بعد أن فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة وحطم الأوثان وطهر مكة من الشرك والوثنية، شعرت قبيلتا هوازن وثقيف أن أمر الإسلام أصبح له الكلمة العليا في الجزيرة العربية، وأدركت القبيلتان أن الدائرة ستدور عليهما وسينالهما ما نال قريش من تحطيم الأصنام، وكانت ثقيف تقيم بالطائف، وهوازن كانت تقيم في جبال حول الطائف .
ويذكر الدكتور أمين دويدار في كتاب صور من حياة الرسول، أن الطائف كانت من أخصب بقاع الجزيرة العربية وكان أهلها يعبدون الأصنام فلما علموا بما تم للمسلمين من فتح مكة وتحطيم أصنامها خشيت أن تدور عليهم الدائرة وأن يحاربهم المسلمون واتفقوا على أن يبادروا المسلمين بالغزو والحرب قبل أن يبادروهم، ولذلك أخذوا يستعدون ويستعينون بمن حولهم من القبائل ليتجمعوا في جيش واحد لقتال الإسلام والمسلمين، وقد انضمت إليهم العديد من القبائل التي أرادت حرب المسلمين وقتالهم مثل قبائل نصر وجشم وسعد بن بكر، ورأى سيدهم مالك بن عوف النصري ألا يخرج بقومه إلى المعركة إلا في أشد ما يكونون حمية وحماسة، وحتى يضمن ذلك أخرج مع القوم أبناءهم ونساءهم وأموالهم ليكون ذلك سبباً للحمية والحماسة وحتى يقاتلوا بكل ما لديهم للحفاظ على أموالهم وأبنائهم .
وخرجت ثقيف وهوازن ومن تبعهما إلى وادي حنين وهو أحد أودية تهامة، وهو قريب من الطائف وبينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، واتفقوا على حرب المسلمين وخططوا أن يقوموا باحتلال قمم الجبال عند مضيق الوادي وقد رأى قائدهم مالك بن عوف أن يعسكر في ذلك الوادي وأن يستغل طبيعة المكان في تحطيم قوة المسلمين وأمر الرماة أن يفاجئوا طلائع المسلمين عند ظهورهم فإذا نزل المسلمون الوادي هجمت عليهم قواته الموجودة في جوانب الوادي فيطبقون عليهم من كل ناحية .
وقائع المعركة
ولما عرف الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك سار إلى حنين في اثني عشر ألفاً من المقاتلين منهم عشرة آلاف هم الذين فتحوا مكة وألفان ممن أسلم من رجال قريش وقد شارك أهل مكة في هذه المعركة وأمدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بما شاء من السلاح والمال، وكان ذلك يوم السادس من شوال في السنة الثامنة من الهجرة وكان بعد فتح مكة بحوالي أسبوعين، وكان هذا الجيش يعد أكبر قوة إسلامية محاربة تصل لهذا العدد حتى قال بعض الصحابة لن نغلب بعد اليوم من قلة، وقد أنست كثرة المسلمين بعضهم أن النصر بيد الله عز وجل .
وعندما دخل جيش المسلمين وادي حنين لم يكونوا يعرفون أن الأعداء سبقوهم إلى الوادي وفوجئوا بسهام المشركين تنهال عليهم من كل مكان وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ولم يجدوا سبيلا غير الارتداد وكان ارتدادهم مفاجئاً وغير منظم، وكان المشركون في كمائنهم في قمم الجبال ولهذا لم يستطع المسلمون أن يردوا على السهام واستولى عليهم الفزع، واستغل العدو هذه الفرصة فهجم عليهم بخيله وأمعن في ظهورالمسلمين طعناً وضرباً وشاع الاضطراب في الجيش وسرت في صفوفه عدوى الهزيمة .
فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الفزع ورأى الناس يتدافعون والإبل يحمل بعضها على بعض، ورأى المسلمين قد تركوا ميدان المعركة فنادى: أنا النبي لا كذب . . أنا ابن عبد المطب، والناس في هلعهم لا يسمعون ولا يعون حتى انكشفوا عن رسول الله ولم يبق معه إلا نفر قليل من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب وكان رجلاً جهير الصوت بأن يهيب بالأنصار والمهاجرين أن يرجعوا فجعل العباس يصرخ يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، هلم إلى رسول الله .
درس للأمة
ويذكر الدكتور محمد الدسوقي في كتاب أيام في حياة محمد أنه بعد هذا النداء توافد الناس على الرسول واجتمع حوله طائفة من الرجال الصادقين في عزائمهم وفي إيمانهم فصمدوا في وجه العدو حتى صدوا هجومه، كما استجاب لهذا النداء كثير من المسلمين وشد بعضهم أزر بعض حتى تماسكوا وطاردوا العدو ومازالوا يقاتلون حتى فر العدو وقتل من رجاله من قتل وأسر من أسر وترك العدو وراءه كل ما ساق من الأموال والأنعام وغنم المسلمون كل ذلك وقسم الرسول الغنائم على أصحابه .
وأنزل الله في شأن هذا اليوم قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين، وقد كان ما حدث في حنين درساً للأمة الإسلامية في أن تثق بأن النصر من عند الله عز وجل، وأن الكثرة العددية ليست سبباً في النصر .
وبعد غزوة حنين عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة فطاف وسعى وحلق رأسه، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد وأمر معاذ بن جبل أن يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن، ثم عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .