فكرة المعلقات فكرة جميلة حتى ولو لم تصح حكاية أن تلك القصائد السبع المنتخبة في الجاهلية كتبت بماء الذهب وعلقت على الكعبة، لكن المهم هو مفهوم القيمة الذي يستشف من حكاية التعليق، فهذه القصائد التي أبدعتها قرائح أولئك الرجال الذين يعيشون في صحراء قاحلة أغلب الوقت، والذين لا عهد لهم بالتمدن، تدل فعلاً على عبقرية الإنسان وقوة خياله وصفاء ذهنه، وتدل على أن القيم الإنسانية هي قيم عامة ومشتركة تتجاوز الزمن وتتعدى حدود الجغرافيا، فمعلقة امرئ القيس فيها من جمال التصوير وقوة الخيال ما يجعل قارئها ينبهر بعبقرية ذلك الفتى الكندي رغم جاهليته، فلا يكاد يأتي بمعنى إلا ومثل له بصورة من الواقع، وربما الإلحاح في التصوير ودقته ميزة جاهلية . لكن ما يعجب فيها هو دقتها وتلقائيتها التي تبتعد كل البعد عن التكلف، وهي ميزة يندر أن تجد لها مثيلاً في كل العصور الشعرية اللاحقة، ويمكن أن تعزى تلك الدقة إلى معايشة البدوي اليومية للطبيعة وإحساسه بكائناتها أحياء وجمادات . وخلو ذهنه من أي عمل آخر يمكن أن يربك تلك المعايشة، فأصبح يميز ما بين مختلف الأصوات والحركات والألوان والأشكال والأحجام من تشابه وتمايز ويستخدم ذلك في تصاويره المختلفة فيأتي دقيقاً يسمو بالمشبه إلى درجة المشبه به، يقول امرؤ القيس في وصف جواده:
لَهُ أيْطَلا ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ
وإِرْخَاءُ سَرْحَانٍ وَتَقْرِيْبُ تَتْفُلِ
كَأَنَّ دِمَاءَ الهَادِيَاتِ بِنَحْرِهِ
عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ
وليست القيمة التصويرية وحدها هي مدار جمال تلك القصائد بل إنها أيضاً تشكل في مجموعها دستوراً لمكارم الأخلاق التي لاتزال إلى اليوم قيماً إنسانية رفيعة، فلا شيء أبهى لدى الإنسان من موقف شجاع يتحدى فيه المرء المخاطر دفاعاً عن نفسه أو أهله أو وطنه أو عن فكرة أو مبدأ، وقس على ذلك كل القيم التي تغنى بها أولئك الموهوبون انطلاقاً من غريزة إنسانية تعرف بطبعها الخير وتميل إليه وتنفر كل حين من الشر . وتمثل رائعة زهير بن أبي سلمى دستوراً لتلك القيم النبيلة فقد ضمنها من الحكم ما عبر عن طباع النفس البشرية ولايزال إلى اليوم صحيحاً، ولصحته فقد وجدت أبيات الحكمة لديه من الذيوع ما لم يجد أي شعر غيرها قديماً ولا حديثاً، ومنها:
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ
يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ
عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ
وَمَنْ يُوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُهُ
إلى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لا يَتجَمْجَمِ