بات تناول الأدوية وشراؤها من الصيدليات دون وصفات طبية من الأمور الشائعة والمسلم بها بين الكثير من الناس، فأصبح البعض يعتمد على خبرات شخصية في تحديد نوع المرض، وتشخيصه، ووصف العلاج المناسب له، متجاهلاً بذلك اللجوء إلى أي طبيب، أو التوجه إلى مستشفى، أو عيادة لمساعدته في تشخيص حالة المرضية، ووصف العلاج المناسب، فما عليه سوى التوجه إلى أقرب صيدلية لشراء ما يعتقد بأنه مناسب لعلاج لما يعاني منه هو أو أحد أبنائه، بغض النظر عن وجود وصفة طبية أو عدم وجودها، بأصناف الدواء المطلوبة، مضادات حيوية، أدوية أطفال، عقاقير ومراهم تحتوي على مركبات، تهدد صحة الإنسان إذا تم تناولها بطريقة خاطئة، أو الوضع في الحسبان الجرعات المناسبة، وعلى الرغم من الإجراءات العديدة التي قامت بها هيئة الصحة للحد من هذه الظاهرة فإنه مازال هناك الكثير من الصيدليات تبيع أصنافاً عديدة من الأدوية بدون أي وصفة طبية، ضاربة بذلك بإجراءات هيئة الصحة عرض الحائط .

ما زال السؤال قائماً: ما المساحة التي يتصرف فيها الصيادلة في صرف الدواء للمرضى بدون وصفة طبية؟

سؤال عريض وعمقه يتجاوز حدود الوعي، والاتجار الخاطئ، والخطر المنتظر، وغياب الضمير، أو غفلة الرقيب، أو الجهل، وبالتأكيد الإجابة عن هذا التساؤل تحتاج للكثير من البحث والتقصي، فتجاوزات من قبل بعض الصيادلة تحدث لا محالة، ولا تحتاج لبرهان، والعقاب ما زال مقنّعاً، لصعوبة ملاحقة الصيدلي والمستهدف، والأهم من هذا وذاك ضعف أو غياب العلاقة بين الطبيب والصيدلي والمريض .

هيئة الصحة

الدكتور أسامة أبو شعبان رئيس قسم مراقبة المنشآت الصيدلانية في هيئة الصحة في أبوظبي تحدث عن حجم المشكلة قائلاً: إن الهيئة تطبق استراتيجية محكمة لضبط الصيدليات المخالفة حيث ضبطت 102مخالفة صرف ادوية بدون وصفات منذ مطلع ،2009 مشيراً إلى أن المفتشين نفذوا زيارات ل1132 صيدلية في عام ،2009 راصدين 50 مخالفة وبنسبة 4 .4% من إجمالي عدد الصيدليات، و في عام 2010 بلغ عدد المخالفات 40 وبنسبة 5 .3 %،أما في العام الحالي وحتى شهر سبتمبر/ أيلول رصدت هيئة الصحة 12 مخالفة من خلال 517 زيارة قام بها مفتشو هيئة الصحة، خلال حملاتها التفتيشية على الصيدليات في أماكن مختلفة بإمارة أبوظبي .

وتعد أبرز أسباب المخالفات هي صرف الأدوية من دون وصفات طبية، وبيع أدوية ومستحضرات محظور استخدامها أو توزيعها بسبب عدم جودتها أو أنها تشكل خطراً على الصحة العامة، وأكد أن مهمة الصيادلة تنحصر في الاستشارات المتعلقة بالأمراض والأعراض البسيطة وهو أمر مقبول بشكل أولي من المشرعين، كما أنه يتم رصد الأدوية الموجودة على أرفف الصيدليات، ومقارنتها بحجم الأدوية التي تم صرفها وفقا للوصفات الطبية، الموثقة في الصيدلية، لرصد عدد الأدوية التي تم صرفها بدون وصفة، وإصدار المخالفة الخاصة بذلك، فيما يتدرّج حجم المخالفات، من إصدار إنذار أول بحق الصيدلية، وفي حال تكرار المخالفة يتم غلق الصيدلية، كما يتم إصدار عقوبات على المنشأة، أو سحب ترخيص الصيدلي، ويحدد ذلك حسب حجم المخالفة .

مخاطر

ويقول الدكتور محمد صلاح نصحي رئيس قسم الأمراض الباطنية في مدينة الشيخ خليفة الطبية في ابوظبي يجب عدم استخدام أدوية السعال والبرد اللاوصفية OTC)) مثل أدوية السعال والبرد، وخافض الحرارة لدى الأطفال دون سن الثانية، وذلك لاحتمال حدوث أعراض جانبية خطرة ومهددة لحياة الطفل، وقد تؤدي إلى حدوث حالات الوفاة المفاجئ، حيث يعد الأطفال أكثر حساسية من غيرهم، مؤكدا أنه يجب على مصنعي ومنتجي مستحضرات السعال والبرد تحديث جزء التحذيرات الوارد في النشرة الداخلية المرفقة بالمستحضر، لإبلاغ المرضى ومقدمي الرعاية الصحية بعدم استخدام هذه المستحضرات للأطفال دون الثانية من العمر على الإطلاق .

وأكد الدكتور محمد صلاح أضرار تناول المضادات الحيوية والمسكنات بدون وصفات طبية، حيث تعمل على إضعاف خلايا الكلى والكبد، كما تعمل على زيادة حدة الاكتئاب، إذا استمر عليها المرضى لمدة طويلة، وتعمل على تقليل إفراز كرات الدم ما يؤدي إلى فقر دم أنيميا .

وتعمل المضادات الحيوية على تهيج جدار المعدة، وربما تكون السبب في حدوث قرحة فيها، كما أن معظم أنواع المضادات تسبب حساسية أو خللاً في المناعة، وتسهم في حدوث جلطات لدى كبار السن قد تؤدي إلى الوفاة .

مساحة التصريح

وتقول الصيدلانية هبه أحمد إن هناك أكثر من 6000 صنف دوائي تصرف من دون الحاجة إلى وجود وصفة طبية، ومن أبسط الأمثلة عليها والمعروفة لدى الجميع، المسكنات بأنواعها المختلفة كالباندول والبروفين، وليست المسكنات وحدها هي التي يمكن الحصول عليها من غير وصفة طبية بل هناك الكثير من الأدوية كمهدئات السعال، ومخفضات الحرارة، ومضادات الحموضة، ومضادات الهستامين التي تستخدم في حالات الحساسية، ومراهم لمعالجة حب الشباب و غيرها، مشيرة إلى أنه يمنع بتاتا صرف أي دواء عدا الأصناف السابق ذكرها، إلا بوجود وصفه طبية، وقد تحتمل لصرف دواء واحد وصفة لتوقيع طبيبين مختصين بالمجال وتصرف لمدة محدودة، مثل الأدوية المخدرة، وبعض أنواع المسكنات القوية، وتصرف بتوقيع المريض، أو من ينوب عنه .

وتضيف: هذا النوع من الأدوية نادراً ما يحدث أي تلاعب أو مخالفات فيها لشدة الرقابة وصعوبة تداولها، بل قد يصعب توافرها في بعض الصيدليات، وتختم مؤكدة أن الاستعمال الخاطئ للدواء ينتج عنه مخاطر لا حصر لها ومشكلات صحية متعددة واستهلاك مادي متراكم ومجتمعنا يسهل فيه الاستعمال الخاطئ للدواء .

وتقول: نحن مجتمع مترابط عائلياً وتحكمنا العاطفة وكم من الأشخاص قدموا نصائح ليست في محلها لتناول ادوية مثل المضادات الحيوية لأخيه أو أخته أو أصدقائه أو أطفاله .

أدوية محدودة

وتؤكد الصيدلانية فاطمة محمد علي أن نظم هيئة الصحة صريحه وواضحه بشأن صرف الأدوية، كما أن قائمة الأدوية التي تصرف بدون وصفات أو اللاوصفية محددة ومعروفة، فضلاً عن أن السياسة المتبعة داخل الصيدلية التي أعمل فيها ترفض منح أي دواء بدون وصفة، كما نشهد العديد من الحالات الشديدة الخطورة التي ترد إلى الصيدلة باحثة عن علاج سريع، مثل حالات الحروق من الدرجة الثانية وثالثة التي تأتي بحثاً، عن كريم أو مرهم مبرد، أو درجة حرارة مرتفعه لطفل غير قابلة للانخفاض منذ أيام، أو أحد المرضى الذين يعانون من صداع نصفي يأتينا باحثا عن مسكن لآلام الصداع، غير مكترثين بحجم المشكلة التي يعانون منها، باحثين عن الحل الأسهل، محملين الصيادلة مسؤولية تفاقم حجم مشكلتهم الصحية .

أوفر الحلول

الخليج التقت عدداً من افراد المجتمع الذين اشاروا الى انهم يلجأون الى شراء الأدوية بدون وصفات لعدم حصولهم على التأمين وهروباً من اسعار الكشف العالية عند الاطباء حيث قال أشرف صقر: غالباً ما ألجأ لشراء المضادات الحيوية من الصيدلات، في حال تعرضي لنزلات برد أو زكام، أو التهاب في الحلق، حيث يكلفني شراؤها من 50 إلى 70 درهماً تقريباً، والسبب في عدم لجوئي إلى طبيب معالج ومختص، هو أنني لا أملك تأميناً صحياً، وأقل تكلفة لزيارة طبيب معالج، وإصدار وصفة طبية ستكلفني نحو 600 درهم، بإضافة إلى أن الدواء الذي سيحدده الطبيب في الغالب ما يكون أغلى من الدواء الذي سأشتريه بنفسي من الصيدلية، وهذه مبالغ كبير لو قارنتها بقيمة الدواء الذي سأشتريه، والذي في الأغلب يكون هو العلاج المناسب لحالات البرد والزكام العارضة والتي لا تحتاج لاستشارة طبيب .

مواعيد مؤجلة

وقالت سعاد ناجي: غالباً ما أضطر لشراء خافض الحرارة، والأدوية المهدئة للسعال لأطفالي من أقرب صيدلية مجاورة للمنزل، والغالب ألجأ لهذا الأمر لتعرضي للكثير من الحالات المشابهة من ارتفاع في درجات الحرارة المصاحبة لظهور الأسنان اللبنية عند الأطفال، أو تناول بعض المشروبات الباردة التي تؤدي إلى الزكام والتهاب في الحلق، التي تحتاج لعلاج آني، لا يحتمل التسويف والانتظار، خاصة أن الطبيب المختص غالبا، ما نحتاج لأخذ موعد مسبق لمقابلته، وعادة ما يستغرق الموعد أسبوعاً أو أكثر، للأسف يرفض استقبال مثل هذه الحالات في قسم الطوارئ ما أضطر معه إلى اللجوء إلى الصيدلية، واستخدام خبراتي الشخصية التي تسهم في العلاج السريع، وتوفر علينا عناء الانتظار .

لا داعي للوصفة

وتقول منال أحمد: كثيراً ما نعاني من أمر الوصفات الطبية، وتزداد حاجتك لبعض الأدوية التي كانت تصرف بلا وصفات طبية، ولا أمر من الطبيب، ولا أتوقع أنها تسبب أي مضاعفات أو أعراض جانبية، ومثال على ذلك حبوب منع الحمل بأنواعها المختلفة، ففي السابق كنت أشتريها من أي صيدلية، ولا أواجه مشكلة في ذلك ولكن حاليا، ترفض معظم الصيدليات بيعها، إلا بوجود وصفة طبية، وعلى الرغم من ذلك العديد من الصيدليات تبيع هذه الحبوب بدون وصفة، وأنا اشتريها منها حيث ان الذهاب للطبيبة النسائية شهريا، للحصول على هذه الحبوب سيكلفني، 700 درهم، لكي تصرف لي حبوب منع الحمل التي تشترى ب 28درهماً .

تؤدي للوفاة

ويقول حسن الحمادي: أحرص دائماً على اللجوء إلى الطبيب المختص حتى في أبسط الأمور، ولا أشعر بالراحة إلا إذا عاينني أحد الأطباء وحدد لي الدواء المناسب لعلاج مشكلتي الصحية، ولا أتجه أبدا لتناول أي دواء بناء على وجهة نظر أحدالأصدقاء والأقارب، فبمجرد أن تذكر أمام أحدهم أنك تعاني من مشكلة ما، سواء كانت، الزكام أو ألماً في الرأس، أو تلبكاً معوياً، حتى يبدأ بوصف أنواع مختلفة من العقاقير، وحتى تصل الأمور مع بعض الأشخاص لأن يعرض عليك بعض الأدوية، لعلاج ما تعاني منه، أو تدفعه الشهامة والمروءة، لأن يستخدم الوصفة الطبية الخاصة به، ليحضر لك الدواء، مغمضاً عينيه عن مضار هذا الدواء، أو احتوائه على بعض المركبات، مثل البنسلين التي تناسبه ولا تناسب شخصاً آخر، معرضاً حياة الآخرين للخطر .

أدوية السعال

وتقول ميسون محمد أرفض أن آخذ على نفسي مسؤولية تناول أي دواء لي أو لأحد أفراد عائلتي،قبل استشارة الطبيب، حتى أبسط انواع المسكنات الشائعة الاستعمال، حيث انتشر الحديث مؤخرا عن بعض الأدوية التي يدمن على استعمالها الشباب أدوية السعال وللأسف تعمل بعض الصيدليات على صرف مثل هذه الأدوية بلا وصفات طبية، حيث أصبح من السهل الحصول عليها، فتناول عبوة واحده يوميا من هذه الأدوية كفيل بأن يدخلهم في دوامة الإدمان .

حالات عارضة

ويشير عامر عواينة إلى أنه في حال تعرضه لحالات عارضة ناتجة عن التقلبات المناخ، أو تناول بعض المشروبات شديدة البرودة أو أحد المثلجات، أو نوبة صداع ناتجة عن ضغوط العمل، يلجأ إلى إحدى الصيدليات، لعلاج أحد الحالات العارضة التي يعاني منها، أما في حال تعرضه لالتهاب في الحلق فيلجأ إلى أخذ مضاد حيوي شائع الاستخدام، مفاجأ منا أنه يمنع شراء المضادات الحيوية من الصيدليات بدون وصفات طبية، مشيراً إلى أنه يحرص على قراءة الوصفة المرفقة مع الدواء جيداً وتحديد كمية الجرعة وكذلك الاهتمام بقراءة الأعراض الجانبية الناتجة عن استخدام الدواء، وأنه لم يصادف اي صيدلية رفضت اعطاءه مضاداً حيوياً بدون وصفة .

استغلال صحة الإنسان

كما تشير روجينا عيسى إلى أنها لا تجد أي مبرر لتناول دواء بدون وصفات طبية من طبيب مختص، فقد أصبح الأطباء منتشرين في كل المناطق، هناك من تعد كشفيتة معقولة الثمن، حيث إن للاستعمال الخاطئ للدواء ينتج عنه مخاطر لا حصر لها ومشكلات صحية متعددة، واستهلاك مادي متراكم، ومجتمعنا ارض خصبة للاستعمال الخاطئ للدواء، وقد ينتج عنه إعاقات عديدة، وخاصة بين الأطفال، ودون شك الأمر مرتبط بمهنية الصيدلي، ومراقبته لله في عمله، لأن استهداف المريض لأجل التربح أمر يدخل ريبة وقلقاً في نفوس الكثير، لأن صحة الإنسان أعز ما يملك، الهدف الرئيسي من عمل الأطباء والصيادلة هو حماية المريض ورفع المستوى الصحي له، وخدمته دون ضرر، وهذه العلاقة يفترض أن تكون تكاملية وليست تنافسية، لأن استهداف المريض - المشتري - لتحقيق المنفعة له في غالب الأحيان، والكثير من الصيدليات لا يوجد بها صيدلي بصفة دائمة، بل بائع، ليست له القدرة على قراءة الاسم العلمي للدواء .

أما رولا محمد فقالت: قبل أسابيع توجهت الى احدى الصيدليات وطلبت من الصيدلي مضاداً حيوياً لوجود ورم في ضرسي، في البداية سأل الصيدلي عن الوصفة الطبية، وعندما عرف انه لا توجد لدي وصفه وأنني لست من المفتشين في مجال الصحة صرف لي المضاد الحيوي بدون وصفة، وطلبت منه فاتورة لكنه رفض قائلاً إذا رغبت في فاتورة لا بد من وجود وصفة طبية .