عدد من قضايا المجتمع الإماراتي ومحاولة إيجاد حلول لها، سعياً إلى الحفاظ على الهوية الإماراتية، محور أربعة أفلام إماراتية تنوعت بين الوثائقية والقصيرة، صنعتها أيدي طلاب وطالبات كليات دبي للتقنية العليا . وتعرض هذه الأفلام خلال مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي في دورته الخامسة وهي الكندورة ولهجتنا وسئيد، والأمل المفقود . التقينا صناع هذه الأفلام للوقوف على ما تتضمنه والعقبات التي واجهتهم .
فيلم الكندورة أنجزته ثلاث طالبات، الإخراج لميثاء الحداد ولمياء المعلا وتحرير الصوت لميرا أحمد، تقول ميثاء الحداد الطالبة في السنة الرابعة بقسم الإعلام والتي تولت أيضاً بجانب الإخراج مونتاج الفيلم والإعداد له وضبط الصورة: الفيلم وثائقي ومدته 15 دقيقة ويعتمد على إجراء مقابلات مع عدد من الشباب من دول مجلس التعاون الخليجي، لأن ارتداء الكندورة متعارف عليه ضمن عادات وتقاليد هذه الدول، والغرض من الفيلم هو معرفة السبب وراء عزوف الشباب عن ارتداء الكندورة، ولجوئهم إلى ارتداء الملابس العصرية، وهو الأمر الذي أصبح منتشراً بشكل كبير بين الشباب في تجمعاتهم في المراكز التجارية وفي الوقت نفسه يخالف عاداتنا التي نشأنا عليها . تضيف: صوّر الفيلم في أكثر من مكان، مثل القرية العالمية والجميرا والكليات الجامعية، خاصة كلية تقنية دبي للطلاب ومحال الخياطة وبعض المراكز التجارية في دبي، وكذلك بعض الدوائر الحكومية التي تشترط ارتداء الكندورة، وجرى تصوير ما يزيد على 40 شخصاً من مختلف الأعمار والجنسيات الخليجية من عمان وقطر والبحرين والسعودية والإمارات بالطبع . توضح النتيجة التي توصلنا إليها من خلال الفيلم أن شباب الإمارات الأكثر تقليداً للغرب وأن الشباب أكثر التزاماً داخل الدوائر الحكومية، وبدأت تظهر بعض الصيحات الجديدة على الكندورة ومنها التطريز، وهناك شباب تأثروا بذلك في محاولة للتجديد فيها والتماشي مع روح العصر الذي يفرض التغيير على كل شيء من وجهة نظرهم .
تضيف: استغرق تصوير الفيلم وإنتاجه أسبوعاً وكان من ضمن مشروعات الكلية لعام ،2011 ومن خلال اتصالاتنا المستمرة لمعرفة موعد فتح باب التسجيل للمهرجان تقدمنا بالفيلم للجنة وتمت الموافقة على عرضه . وشارك الفيلم من قبل في مهرجانات عديدة منها مهرجان الخليج السينمائي، ومهرجان رأس الخيمة للأفلام الإماراتية، ومهرجان دبي للأفلام الطلابية .
وعن حبها للعمل السينمائي ومستقبلها المهني تقول ميثاء الحداد: أرى أنني سأكون أكثر إبداعا في مجال تصميم الغرافيكس ولاحظت ذلك من خلال عملي للمادة الدعائية للفيلم من بطاقات ودعوات وملصقات .
وحول العقبات التي واجهتهن أثناء تصوير الفيلم تقول لمياء المعلا، المشاركة في الإخراج: أخذ منا العمل الكثير من الوقت والجهد حتى توصلنا إلى فكرة، ففي بداية عملنا في مشروع التخرج كنا كلما نأتي بفكرة لننفذها ترفض، حتى توصلنا إلى فكرة فيلم الكندورة والمشكلة التي حاولنا أن نتغلب عليها أن الوقت كان محدوداً، كما اعترضنا بعض الشباب الذين تساءلوا لماذا لا نصنع فيلماً عن العباءة ولماذا نبحث في قضايا تخص الشباب الذكور؟ وكان هناك بعض الأشخاص الذين مازالوا يرون وقوفنا لسؤالهم أمراً جديداً على مجتمعنا مخالفاً للعادات والتقاليد .
ميرا أحمد تقول: كانت هناك بعض الصعوبات الأخرى التي تعرضت لها، ومنها صعوبة التقاط الصوت حيث كان التصوير يتم في أماكن مفتوحة والمعدات التي نستخدمها بسيطة وفرتها الكلية لنا، لذلك اضطررنا لإجراء بعض التعديلات على الصوت لكي يكون أكثر وضوحا، لأنه كان من الصعب إعادة التصوير، وتم استخدام برنامج الفاينال كت برو في تنفيذ الفيلم صوتاً وصورة وكذلك برنامج موشن لتحريك الأسماء، وبالنسبة لي فهو أول فيلم أشارك فيه محررة أولى للصوت ولم يكن هناك مساعدة من أحد ولم نتوقع أن يفوز الفيلم بالمشاركة في عديد من المهرجانات .
لهجتنا هو فيلم وثائقي مدته 16 دقيقة يدور حول اللهجة الإماراتية وما يهددها، تقول مريم النعيمي مخرجة الفيلم وصاحبة الفكرة ومنفذة المونتاج، وهي طالبة في السنة الرابعة في قسم الاتصال الجماهيري في الكلية: فريق عمل الفيلم يتكون من ثلاث طالبات والفكرة جاءتني بعد تفكير طويل، فأمي بريطانية وكانت لدي مشكلة كبيرة في إتقان اللهجة الإماراتية على الرغم من كوني درست في مدارس حكومية، وأكثر شيء أفادني في تعلم اللهجة الإماراتية هو وجود جدتي لأبي، وكانت والدتي تحرص على تعليمنا الأصول والعادات والتقاليد الإماراتية من خلال ذهابنا كل جمعة للقاء الجدة وقضاء اليوم معها، واستطعت أن أتعلم منها بعض الكلمات التي رأيت أنها اختفى تداولها حتى بين زملائي في الصف وتدريجيا تختفي من حياتنا أو يجري استخدامها بطريقة خطأ .
تضيف: ارتكز الفيلم على إجراء مقابلات مع عدد من المهتمين بالتراث الإماراتي ومنهم عبد العزيز المسلم، مدير إدارة التراث بالشارقة وعدد من المذيعين الإماراتيين المهتمين بالتراث والعاملين في مجال الإعلام، وكذلك بعض كبار السن والشباب . سألنا هؤلاء: هل فعلاً اللهجة الإماراتية بدأت تختفي؟ وكيف يمكن إحياؤها؟ العديد من كبار السن لم يوافقوا على قولنا إن اللهجة الإماراتية بدأت تختفي لأنهم مازالوا يتواصلون بها، بينما رأى بعض الشباب أنها لم تختف ولكنها تطورت مع الزمن، ورأى آخرون أن ذلك راجع إلى موروث قديم لدينا وهو أن من واجب الضيافة والكرم أن نحدث كل شخص بلهجته، فإذا كنا نتكلم مع لبناني فيجب أن نستخدم اللهجة اللبنانية وليس الإماراتية، وهو ربما من الأسباب التي أدت إلى اختفائها، بينما رأى البعض الآخر أنها في خطر مثلها مثل اللغة العربية .
وتوضح أنه من الأسباب التي اكتشفنها وأدت إلى اختفاء اللهجة الإماراتية واندثار بعض الكلمات هو بعد الجيل الحالي عن الجيل القديم وافتقاد المعاني الجميلة لبيت العائلة الذي كان يتجمع فيه كل أفراد الأسرة كبيرها وصغيرها يتحاورون . وترى أنه لا يوجد منهج دراسي يعلمهم كيفية الحفاظ على التراث الإماراتي، لذلك كان الفيلم هو توعية للشباب بأهمية التمسك بالتراث الذي يعتبر جزءاً من هويتهم .
وعن الصعوبات التي واجهتهن أثناء تصوير الفيلم، تقول إيمان آل علي الطالبة في نفس السنة والمسؤولة عن التصوير: كنا نقوم بتصوير مجموعة كبيرة من كبار السن والتعامل معهم يتسم ببعض الصعوبة، خاصة أنهم يرتبكون عندما يرون الكاميرا وفي أحيان كثيرة يخرجون عن الموضوع ولا نستطيع أن نوقفهم . واستغرق التصوير عشرة أيام وكنا نرتب العمل بحيث نقوم بتصوير ثلاثة أو أربعة أشخاص يومياً .
تضيف: الفيلم يوصل رسالة مهمة للمجتمع الإماراتي وهي ضرورة الحفاظ على اللهجة الإماراتية، ونادراً ما نجد أفلاماً وثائقية تتحدث عن اللهجة أكثر من اللغة العربية، وهناك فريق كبير ممن أجرينا معهم مقابلات لا يعرفون الفرق بين اللهجة الإماراتية واللغة العربية، واللهجة الإماراتية تتغير من إمارة إلى أخرى، وكنا نستعين بمرجع قديم عن اللهجة الإماراتية في مواجهة من أجرينا معهم المقابلات لنعرف كيف تطورت الكلمات أو جرى استخدامها بطريقة خطأ .
كان تسجيل الصوت وتحريره مهمة الطالبة كوثر بن نتوف زميلتهما في نفس السنة الدراسية، وتقول: كنت أقوم بتسجيل الصوت أثناء التصوير ولم تستغرق التعديلات التي أجريت على الفيلم أكثر من ساعتين، بينما كانت المشكلة الرئيسة في التصوير الخارجي الذي كان يتطلب دقة للصوت وكانت أصوات السيارات والطائرات توقف التصوير، وكنا نتغلب على ذلك باستخدام ميكروفون عازل للصوت، وأقوم بتركيبه على ملابس الشخص الذي أجري معه المقابلة بحيث يكون قريباً من فمه حتى لا تتداخل عليه أصوات أخرى .
تضيف: العمل خرج في النهاية بشكل جميل، فلم تبخل إحدانا في تقديم المشورة والدعم للأخرى في كل مراحل العمل حتى ظهر في أجمل صورة، وشارك الفيلم أيضاً في عديد من المهرجانات ومنها مهرجان الخليج السينمائي ومهرجان رأس الخيمة، وهو جرس إنذار للاهتمام باللهجة الإماراتية .
فيلم سئيد سيناريو وإخراج الطالب مروان الحمادي في السنة الثالثة في كلية الإعلام بتقنية دبي . ويقول: الفيلم مدته دقيقتان ويناقش قضية مطروحة بشدة في المجتمع الإماراتي وهي زواج الشاب الإماراتي بغير مواطنة، والنتيجة هي معاناة الأبناء، والفيلم يدور حول سئيد شاب في منتصف العشرينات، هو ثمرة زواج أب مواطن من أم آسيوية، والشاب اسمه الأصلي سعيد لكن الأم لا تستطيع إخراج الحروف بطريقة صحيحة وكما هي في العربية فتنطق الاسم سئيد مما يتسبب له في إحراج كبير .
يضيف: الفيلم يدور حول ثلاثة أشخاص الأم والابن وزميله في العمل، وجرى تصويره داخل المستشفى الكندي في دبي، ويدور حول موقف محوره أن الأم مريضة وسعيد يصطحبها إلى الطبيب وأثناء تواجدهما في المستشفى، الأم تقف مع الممرضة لملء بعض البيانات وتتحدث معها بطلاقة بلغة بلدها، يقابل سعيد زميله عن مدخل المستشفى وهو واقف مع أمه ويستفسر منه عن سبب وجوده ويقول للأم ألف سلامة وترد عليه بلغة عربية ركيكة فيتعجب الزميل، وفي نفس الوقت يراها وهي تتحدث مع الممرضة فيخبره الابن بأنها الخادمة .
وعن الرسالة التي يتضمنها العمل، يقول الحمادي: يحمل الفيلم رسالة مهمة وهي أن جنسية الشخص لا تهم ولكن المهم هو من يكون، ومن الضروري كسر هذه النظرة السيئة التي ينظر بها لابن الأجنبية ومعاملته كشخص طبيعي في المجتمع .
يضيف: استغرق التصوير 6 ساعات في يوم واحد والفيلم قصير جداً وهو أصعب بكثير من كتابة فيلم طويل لأن الثانية الواحدة تحدث فارقاً في العمل وقمت بدور المخرج والكاتب والمونتير، وقام بالتصوير زميلي الطالب محمد السويدان، وأبطال الفيلم صديقان لي أحدهما قام بدور سعيد والآخر بدور زميله، وموظفة آسيوية في إدارة الكلية قامت بدور الأم . وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها الفيلم في مهرجان سينمائي .
محمد يوسف طالب في السنة الثالثة في كلية الإعلام والتصميم بكلية تقنية دبي ومخرج وصاحب فكرة فيلم الأمل المقيد يقول: الفيلم وثائقي ولكنه يختلف عن معظم الأفلام الوثائقية التي تأخذ شكل التعليقات على لسان أشخاص، قصته لها بداية ونهاية وحبكة درامية، ومدته 12 دقيقة و19 ثانية . وقصة الفيلم عن شاب وفتاة ابني عم تربيا معاً وولدت بينهما مشاعر راقية وعندما كبرا تقدم الشاب لخطبة الفتاة ووافق الأهل وقبل الاستعداد للزواج نصح أحد الأقارب الشاب بإجراء فحوص ما قبل الزواج . واستمع الشاب لنصيحته وبالفعل توجه بصحبة خطيبته لإجراء الفحوص الطبية، وعندها فوجئا بأنهما يحملان جيناً وراثياً لمرض معين ومن الممكن أن ينتقل لأبنائهما في المستقبل، وبعد حالة الضيق التي انتابتهما لفترة، قررا أن يكملا الزواج وفي النهاية أنجبا طفلاً اسمه خالد يحمل المرض، لكنهما أحسنا تربيته وأصبح عضواً فاعلاً في المجتمع ولم تقف إعاقته حائلا أمام تفوقه .
يقول: ليس الهدف من الفيلم هو عدم الاهتمام بفحوص ما قبل الزواج، ولكنه رسالة لمن أهملوه وتسببوا في إعاقة أبنائهم، وتذكير بأن الإعاقة الناتجة عن زواج الأقارب ليست عائقاً أمام تربية الأبناء وإشراكهم في المجتمع وممارستهم للهوايات .
يضيف: اشترك معي في صناعة الفيلم زميلي محمد السويدان وتولى التصوير وطالبان آخران قاما بإعداد بحث طبي حول الأمراض الوراثية الناتجة عن زواج الأقارب، وعندما بدأنا تصوير الفيلم كان من المفترض أننا سنستعين بشاب وفتاة لبطولته ولكن لضيق الوقت أمامنا والذي استغرق شهرين فقط، اضطررنا أن نغير الفكرة ونلجأ إلى رسم الشخصيات، واستعنت بطفل من العائلة وتم تصوير الفيلم وهو يجلس تحت الحديقة في منزله ويرسم الأب والأم ويقوم بالتحدث وسرد القصة بالنيابة عنهما وفي بداية التصوير لم يكن يظهر غير يده وهو يرسم وفي النهاية ظهر وجهه وهو يقول إنه هو الطفل الذي كان ثمرة زواج الأب والأم القريبين .
ويشير إلى الاستعانة بثلاث شخصيات حقيقية في الفيلم، يحمل كل منها رمزاً، ففضيلة الشيخ عبد الله موسى، وهو كاتب عدل وخبير استشاري في شؤون الأسرة، يمثل بذرة الإيمان وظهر في بداية الفيلم يتحدث عن كيفية اختيار الزوج والزوجة والمواصفات المطلوبة في كل منهما، ثم ظهر في وسط يتحدث عن كيفية اختيار الإنسان السوي عند الزواج، ثم في النهاية الفيلم تحدث عن الإيمان بالقضاء والقدر .
وعن فكرة الفيلم يقول: جاءتني منذ كنت في المرحلة الثانوية وكنت أتدرب في الصيف في مركز الثلاسيميا وتعرفت وقتها إلى عدة أشخاص حاملين للمرض لكنهم متفوقون ومتميزون في عملهم، فالمريض الذي استعنا به في الفيلم يكمل دراساته العليا ويعمل في وظيفة مرموقة ويمارس هواية التزلج كأي شخص عادي .
ويشير إلى أن الفيلم حصل على جائزتين من قبل، هما جائزة المركز الثاني في مسابقة حبيب آل رضا على مستوى الجامعات الحكومية عن فئة الأفلام الوثائقية، وجائزة المركز الأول في المهرجان السينمائي الأول للطلاب في كلية دبي .