عندما عمد جورج ميليس إلى حرق 500 من أفلامه التي أنتجها على مر حياته السينمائية، لم يعرف حينها أنه يحرق ما سيكون بمثابة كنز في أيامنا هذه، هذا الكنز الذي عمد كثير من مرممي الأفلام السينمائية في عصرنا الحالي إلى البحث عنه وترميم ما يمكن ترميمه منه، ومن هؤلاء الباحثين سيرج برومبيرغ وهو مؤرخ سينمائي وفنان استعراض عمل جاهداً على ترميم كل ما وقع بين يديه من أفلام قديمة، وها هو اليوم وللمرة الأولى في الشرق الأوسط يقدم برنامجه المشهور أنقذ من النيران، ويتضمن عرض أفلام نجت في اللحظة الأخيرة من الدمار، قدم برومبيرغ إلى مهرجان أبوظبي السينمائي حاملاً معه تحفته رحلة إلى القمر والتي صنعها جورج ميليس عام 1902 .

وقد أكد برومبيرغ في جلسة حوارية مصغرة في فندق فيرمونت باب البحر على أن شركته (لوبيستر) بدأت البحث عن الأفلام الضائعة منذ 26 سنة في المخازن والمستودعات القديمة علها تجد شيئاً من تلك الكمية الهائلة من الأفلام التي اختفت لسبب من الأسباب ويقول برومبيرغ: نصف كمية الأفلام التي تم تصويرها في عالم السينما فقدت وذلك لعدد من الأسباب، فقد يكون المنتج قد أخفاها ولم يظهرها للعلن، أو بسبب الحروب أو الكوارث الطبيعية التي أدت إلى اندثار بعض منها، كما أن غياب عملية الأرشفة في ثلاثينات القرن الماضي جعلنا نجهل عدد الأفلام المفقودة، وتعتبر المأساة الحقيقية في عالم السينما هي الحادثة التي حصلت مع جورج ميليس هذا المبدع الذي توفي عام 1938 بعدما أنتج أكثر من 500 فيلم، إلا أنه وفي عام 1923 أفلس مما اضطره إلى بيع جميع ممتلكاته ومنها بيته، فما كان منه إلا أن حفر حفرة في فناء البيت ووضع فيها كل ما أبدعه من أفلام وأحرقها، فلم يتبق أمامنا سوى البحث عن الافلام التي قام هو ببيعها، سواء عند بعض الأشخاص المهتمين أو دور السينما القديمة .

واشار برومبيرغ إلى أن فيلم رحلة إلى القمر يماثل فيلم أفاتار في وقتنا الحالي، ويضيف بالقول: في ذلك الوقت كانت الأفلام لا تتعدى 3 دقائق إلا أن ميليس صنع فيلماً تجاوز ال15 دقيقة، ودعمه بمؤثرات خاصة مميزة جداً، إذ استطاع أن يستفيد من كونه يملك مسرحاً يقدم فيه عروض السحر، لقد كان هذا الفيلم بمثابة أفاتار عصره، وحقق نجاحاً منقطع النظير، لكنه لم يسلم من القرصنة، وقام بعض المنتجين بسرقة نسخة عنه وعرضها محققين أرباحاً طائلة، فيما قضى جورج في فقر مدقع، كما أن هذا الفيلم سابق لعصره، ففي الوقت الذي كانت الأفلام كلها تعرض باللونين الأبيض والأسود تمكن ميليس من تقديم فيلم بالألوان، إذ قام وبمساعدة فريق متخصص في التلوين، بتلوين كل لقطات الفيلم صورة صورة بواسطة فرشاة يدوية، وعدد اللقطات التي قام جورج بتلوينها هو 13795 لقطة .

وعن الطريقة التي تمكنت من خلالها شركة لوبيستر من الحصول على هذه النسخة النادرة يقول برومبيرغ: المعجزة حصلت عندما جاء شخص مجهول إلى مكتبة الأفلام في مقاطعة كاتالونيا الإسبانية وقدم لهم مجموعة من الأفلام هي عبارة عن 150 فيلماً نادراً تم إنتاجها في مطلع القرن العشرين، ومن بينها كانت نسخة ملونة لفيلم رحلة على القمر، لقد كانت هذه النسخة بمعظمها تالفة فلم يستطيعوا في برشلونة ترميمها، فقامت شركتي بمقايضتهم عليها مقابل فيلم أنتجه مخرج كاتالوني، لم نعرف وقتها معنى اليأس فكيف نملك كل هذه التقنيات ولا نستطيع أن ننقذ تحفة فنية قديمة كهذا الفيلم، فقمنا باتباع طريقة جديدة تقوم على وضع الفيلم ضمن خليط كيماوي يسرع تحلل الفيلم إلا أنه وفي لحظة معينة يمكن أن نرى فيها الصورة بوضوح والاحتفاظ باللقطة، وخلال مدة 3 سنوات كان فريق العمل يقوم بإخراج الفيلم ومحاولة استخراج لقطات منه، وأحياناً يستطيع أن يخرج بصورة أو أكثر وأحياناً لا يحالفه الحظ بذلك، بعد انتهاء هذه العملية تمت مقارنة النتيجة مع نسخة للفيلم باللونين الأسود والأبيض وكنا نحدد اللقطة الضائعة ونقوم بتعويضها من خلال تلوين نفس اللقطة من نسخة الأبيض والأسود، 12 سنة كاملة هي المدة التي احتاجتها عملية ترميم الفيلم وأكثر من نصف مليون دولار هي تكاليف عملية الترميم .

وأشار برومبيرغ إلى أن شركته تملك أكثر من 100 ألف فيلم بكرة تحتاج إلى ترميم، وقد تم ترميم بضعة آلاف منها، ويضيف قائلاً: كل ستة أشهر لدينا رحلة حول العالم نعرض فيها هذه الأفلام، حتى يتعرف الناس عليها، وقد أكملت في الفترة الأخيرة ترميم فيلم بعنوان (أطفال الجنة)، ومشروعي المقبل هو ترميم 26 فيلماً لشارلي شابلن لم تشاهد من قبل .