مهما كان عمق الاختلاف، ومهما طالت سنوات الفراق ومهما تضاربت المصالح لا تموت المشاعر الأخوية، ويبقى الدم ذاته يجري في عروق الجسدين، هذه هي الرسالة التي حاول المخرج الأمريكي، غافين أوكونور، إيصالها من خلال فيلمه المشوق المحارب .
تبدأ أحداث الفيلم بزيارة تومي (توم هاردي) لمنزل والده بادي (نيك نولتي)، ذلك الأب السكير الذي تخلى عنه وعن أمه المريضة، وتركهما يواجهان مصيرهما الأسود، مشاعر باردة طغت على هذا اللقاء رغم محاولة الأب إقناع ابنه الغائب منذ سنوات طويلة بأنه تغير، لكن دون جدوى، يدخلان المنزل يقلب الابن ذكرياته وهو يشاهد صور طفولته معلقة على الجدران، لتبدأ خيوط القصة تتكشف شيئاً فشيئاً، فالعائلة هي عائلة رياضية بامتياز، حتى أن طومي كان يعتبر في بدايته معجزة رياضية . عند انفصال الوالدين اختار طومي الذهاب مع أمه المريضة، في حين فضل بريندان (جويل اجبرتون) البقاء مع ابيه، والاستمرار بعلاقة الحب التي كانت تربطه مع فتاة جميلة أصبحت فيما بعد زوجته، بمرور الأحداث نكتشف شخصية طومي الغامضة، فذلك الجسد الخارق يحتوي غضباً وجرحاً ليس من الممكن أن ينساه فغدر أبيه وأخيه به وبأمه ذنب لا يغتفر .
بعد وفاة الأم انتقل طومي إلى البحرية، حيث وجدت هناك عائلة كبيرة، وفي إحدى المعارك تعرض هو وصديقه إلى قصف من قوات صديقة أودت بحياة صديقه، ما جعله يهرب من السجن مستغلاً ضعف المعلومات العسكرية حوله كونه قد تم تسجيله باسم عائلة أمه، تنتقل العدسة فيما بعد إلى بيت بريندان الذي كان يحتفل بعيد ميلاد ابنته حيث تحيطه السعادة بكل أشكالها، أو هذا ما كنا نعتقده في البداية، فمدرس الفيزياء هذا يتعرض لضغوط كبيرة من قبل البنك نتيجة تأخره في سداد التزاماته المادية التي ترتبت عليه نتيجة التكلفة المادية الكبيرة لعلاج ابنته الصغرى، مما عرضه لفقدان البيت، ولم يكن عمله وزوجته في ثلاث وظائف ليسدد هذه الالتزامات، مما يدفعه للمشاركة في مسابقات للقتال التي تجري عادة في مرآب للسيارات في أحد النوادي الليلية، هذا الأمر أدى إلى فصله من التدريس لمدة ستة أشهر، وهو ما زاد الطين بلة، وبعد نقاش مع زوجته التي كانت ترفض هذا النوع من الأعمال ورضوخاً للوضع المادي السيء اتفقا على مشاركة بريندان في مسابقات قتالية، وهو أمر يجعله يعود للتمرين في نادي يملكه صديق قديم له، في هذا الوقت يتفق طومي مع والده أن يدربه للمشاركة في أكبر مسابقة للفنون القتالية المختلطة، على أن تبقى العلاقة بينهما علاقة مدرب ومتدرب، ومن دون أن يبدي طومي أي نوع من الرأفة بوالده الذي تكررت محاولاته في تحسين صورته لدى ابنه، إلى هنا لم نكن نعرف من هو طومي بالضبط، لكن بمجرد اشتراكه في أحد النوادي نكتشف أننا أمام آلة للتدمير الشامل من خلال صرعه لأقوى مقاتل في النادي في ثوان معدودة، وتتطور الأحداث ليشترك بريندان في المسابقة ذاتها بعد أن فقد المدرب مرشحه لهذه البطولة نتيجة إصابة في الفخذ، وتمضي الأحداث في قالب درامي مثير، لنتعاطف مع البطلين بعد أن نكتشف الجانب الإنساني لمشاركة طومي في هذه البطولة، وهو منح الجائزة الكبرى والوحيدة والبالغة 5 ملايين درهم لعائلة صديقه القتيل .
تبدا المنافسات ليفاجأ طومي وهو القادم من المجهول، الجميع بقدرات قتالية لا تقهر، في حين أن بريندان وهو الذي قدم إلى هذه المسابقة مصادفة كان مثار سخرية المعلقين إلى ما قبل الجولة القتالية الأولى، وبما يملكه من قدرات بدنية عادية مقارنة مع الآخرين، وما يملكه من معلومات في علم الفيزياء استطاع استثمارها بنجاح، استطاع التغلب على منافسيه والوصول إلى المباراة النهائية، حيث يتواجه الأخوان، وتكون جولة لتصفية الحسابات، ولينتصر بريندان في النهاية بعد أن تمكن من كسر ذراع أخيه باستخدام الطريقة نفسها التي هزم بها منافسيه السابقين، لينتهي الفيلم بكلمة أنا أحبك يقولها بريندان لأخيه، ويسيران إلى خارج الحلبة من دون أن ينتظرا التتويج .
في البداية نعتقد أن هذا الفيلم كغيره من أفلام القتال التي سئمنا مشاهدتها، التي أتخمنا بها المنتجون، التي تعتبر بامتياز من الأفلام التجارية . فيلم المحارب يكسر هذه القاعدة من خلال الأداء التمثيلي المتميز الذي قدمه أبطال الفيلم، ومن خلال حركة الكاميرا الرائعة والموسيقا التصويرية التي جعلتنا نعيش الفيلم وكأن أحداثه تدور أمامنا مباشرة، وبدا ذلك جلياً من خلال التفاعل الكبير الذي أبداه الجمهور الحاضر في صالة السينما .
أراد غافين أوكونور عكس الجانب الإنساني لهذه الفئة من الناس الذين يعتقد البعض بأنهم مجرد كائنات تجردت من مشاعرها الإنسانية، وصارت مجرد أدوات عنيفة تستخدم للترفيه، وقد نجح في مبتغاه من خلال الشخصيتين المحوريتين في العمل، فطومي تلك الشخصية الباردة العنيفة غير المبالية تخبئ وراءها مشاعر رائعة وهو الحريص على عائلة صديقه المتوفى، كما أنه شخص مستعد للتضحية من أجل الغير، إذ أنقذ جنوداً من الغرق بعد أن سقطت دبابتهم في إحدى القنوات المائية من دون أن يعرف عن نفسه أو ينتظر أي نوع من أنواع المكافآت، وهي الحادثة التي جعلت منه بطلاً قومياً بعد اكتشافها مصادفة عن طريق الفيديو الذي نشر لها في موقع اليوتيوب .
وقد تمكن المخرج من خلال الموسيقا التصويرية من رفع مستوى الإدرينالين في أجساد متابعيه، ليعطي الفيلم جواً مختلفاً .
المحارب تجربة عنيفة في ظاهرها, تحمل في طياتها رسائل إنسانية رائعة، استطاعت قلب الصورة النمطية التي رسختها الأفلام التجارية الكثيرة في عقول المشاهدين عن فئة معينة تقاتل كي تعيش .