عندما أبصرت الطفلة الفلبينية دانيكا كوماتشو النور نهاية الشهر الماضي، أكملت البشرية 7 مليارات نسمة، والرقم الضخم يحمل عدة دلالات، المتفائل منها يرى فيه قوى عاملة منتجة ومحركة للنمو الاقتصادي خاصة إذا أحسن الاستثمار في 8 .1 مليار شاب تتراوح أعمارهم من 10 و24 عاماً، والجانب الآخر، وهو الأكثر واقعية، يرى فيه العالم محاطاً بالمثلث الشهير الفقر والجهل والمرض الذي لم تبرحه أغلبية الفقراء عبر عقود طويلة . وتبقى العقبة الحقيقية أمام الحضارة البشرية كيفية إطعام هذا العدد الهائل المرشح للزيادة مليار أو اثنين في أقل تقديرات بحلول 2050 في ظل تغييرات مناخية متطرفة تعصف بالأرض يميناً ويساراً، كأن البشرية مازالت تراوح مكانها باحثة عن أفضل طرق إطعام الجياع عبر وسائل مختلفة تبدأ من ابتكار طرق جديدة للزراعة ووصولاً إلى البحث عن مأوى آخر في الفضاء الواسع، وقد يكون المريخ أحد الكواكب المناسبة لاستضافة المليارات البشرية المقبلة .

اختصار مشكلة الزيادة السكانية في العالم عند مجرد أزمة غذاء ومياه لا يحمل فهماً دقيقاً لعمق الكارثة التي تبدأ عند سد الرمق مروراً بمخاطر انتشار الأمراض والفيروسات الجديدة المقاومة للمضادات الحيوية المعروفة، ونهاية بتغيير خريطة توزيع سكان العالم في مختلف مناطقه بسبب الهجرات التي ستحدث بحثاً عن الطعام، وليس مستبعداً أن تكون حروب المياه هي الفصل الأكثر درامية الناتج عن المليارات السبعة .

وتضمن أحدث التقارير الصادرة الشهر الماضي عن صندوق الأمم المتحدة للسكان بعنوان وضع سكان العالم للعام 2011 عدداً كبيراً من التحديات التي تفرضها معدلات الزيادة السكانية المطردة، وأشار إلى أن البشرية تزداد بمعدل 80 مليون نسمة كل عام، وإذا استمرت معدلات الإنجاب على نسبتها الحالية فإن العالم سيصبح على عتبة المليارات العشر عام ،2050 وأكثر من 15 ملياراً عام 2100 .

وطرح التقرير في مقدمته تساؤلاً مهماً وهو كم نسمة يحتمل كوكبنا، وقدم أكثر القضايا الملحة التي تواجه البشرية خلال العقدين القادمين، والتي تحتاج إلى حلول حاسمة وسريعة . وجاءت التغيرات المناخيه على رأس التحديات مصحوبة بالمشكلات البيئية التي تتفاقم مع الطلب المتزايد على الغذاء والطاقة والمسكن . وبحسب التقرير تحتاج الأرض اليوم إلى 18 شهراً لإعادة تكوين الموارد الطبيعية المستهلكة خلال عام واحد، وهي معادلة شبه مستحيلة في ظل استمرار الزيادة السكانية على النحو الحالي .

أما مصدر القلق الأول فكان نقص المياه النظيفة التي أشار التقرير إلى أن العالم سيواجه فيها عجزاً بنسبة 40% بين الموارد المتاحة والطلب بحلول2030 .

التحدي الأول

يرى كثير من الخبراء أن القضية ليست في وصول تعداد سكان الأرض إلى هذا الرقم الهائل، بل في التغييرات المناخية العاصفة بالكوكب الذي تتهدده الأعاصير والفيضانات والكوارث الطبيعية، إضافة إلى التصحر وشح المياه . ويبدو أن تعبير التحديات الغذائية الكبرى سيكون الأكثر شهرة العقدين المقبلين، خاصة بعد تحذير العلماء من أن العالم غير جاهز لتوفير احتياجاته الغذائية بعد 40 عاماً فقط، إذ أشار أحدث تقرير لأكاديمية العلوم بالوكالة الوطنية الفرنسية للبحوث بعنوان ديموغرافيا ومناخ وأغذية عالمية صدر في باريس فبراير/ شباط الماضي، إلى ان العالم يواجه وضعاً معقداً للغاية، عندما يرتفع عدد سكان الأرض من 7 مليارات نسمة اليوم إلى 1 .9 مليار عام 2050 أو أكثر، أي ما يحتم إطعام ثلث إضافي من البشرية، مما يعني أن إطعام كل شخص وقتها لن يكون أمراً تلقائياً، بل تحدياً لا يستهان به .

وطالب أحدث تقرير لبرنامج الغذاء العالمي للأمم المتحدة بثورة خضراء ثانية بعد الثورة الأولى التي ساعدت العالم على إطعام 3 مليارات نسمة وهو العدد الذي زاد به عدد سكان العالم خلال الخمسين سنة الماضية، ودعا إلى زيادة إنتاج الغذاء بمقدار 70% عام 2050 .

وطالب تقرير مماثل لمنظمة الفاو بزيادة الإنتاج السنوي من الحبوب بنحو مليار طن، إذ يبلغ حالياً 1 .2 مليار طن، وزيادة إنتاج اللحوم بأكثر من 200 مليون طن ليبلغ مجموع ما ينتجه العالم وقتها 470 مليون طن، وتوسعة رقعة الأراضي المخصصة للزراعة بنحو 120 مليون هكتار .

وكان تقرير قدمته اللجنة الحكومية الدولية المعنية بالتغييرات المناخيه العام الماضي، وهي الجهة العلمية النافذة في دراسة حرارة كوكب الأرض وتتبع للأمم المتحدة وتتألف من 3000 من علماء المناخ وماسحي المحيطات وخبراء الاقتصاد، أكد أن التغير المناخي سيخلف ملايين الجوعى بحلول عام 2080 وسيسبب نقصاً خطراً في المياه لنحو من 1 .1 مليار إلى 2 .3 مليار شخص، وسيعاني ما بين 200 مليون إلى 600 مليون شخص حول العالم نقصاً شديداً في الطعام بغضون 70 عاماً .

وعلى الرغم من انعقاد عشرات المؤتمرات الخاصة ببحث قضية التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، إلا أن الأمر لم يتعد حتى الآن مجرد توصيات ومناشدات للدول إما بالانضمام لبعض المعاهدات وأهمها اتفاق كيوتو أو حتى اتباع سياسات رشيدة صديقة للبيئة من دون الالتزام باتفاقات معينة، مما يعني استمرار التعرض لمخاطر ارتفاع المتوسط العام لدرجة الحرارة على الأرض والذي سيؤدي إلى ارتفاع منسوب سطح البحر وتغير كمية هطول الأمطار، واستمرار ذوبان الأنهار الجليدية، ويترتب على ذلك حدوث تغيرات كبيرة بنوعية المحاصيل الزراعية، كما سيؤدي إلى زيادة معدلات انتشار الأمراض التي تسببها ناقلات الجراثيم، كما تسهم في زيادة حدة التحركات السكانية على نطاق كبير خاصة في الهجرة من الريف إلى المدن، وتعريض حياة الأفراد للخطر وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء خاصة في البلدان الفقيرة .

وإدراكاً من المجتمع الدولي لأهمية أزمة الغذاء، أسست الأمم المتحدة مطلع العام الجاري خلية أزمة خاصة مهمتها متابعة أزمة الغذاء العالمي، يرأسها بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة، وتضم رؤساء جميع وكالاتها، والبنك الدولي، ومهمتها بحث كيفية تجنيب العالم مخاطر حدوث مجاعة تأتي على الأخضر واليابس، وتتهدد منجزات الحضارة البشرية .

وعلى الرغم من الاتفاق العام على أن مشكلة الجوع هي اكبر التحديات الناتجة عن الزيادة السكانية، إلا أن علماء وباحثين اقتصاديين أعدوا تقريراً نشرته مجلة ساينتيفيك أمريكان تحت عنوان عن خرافة الجوع في العالم أشاروا إلى مفاهيم خاطئة شائعة عن الجوع، مؤكدين أن الأرض قادرة على إنتاج الغذاء الكافي لأبنائها أياً كان عددهم، وأن هناك بالفعل ما يكفي من الغذاء لكل فرد بالعالم وأن المشكلة ليست في توفير الطعام، بل في عدم عدالة توزيعه، والتي تتسبب بدورها في ارتفاع أسعاره، كما حمل العلماء كذلك السياسات الزراعية الخاطئة دوراً كبيراً في انخفاض حصيلة الإنتاج الزراعي العالمي، حيث تعتمد دول على سياسات انتقائية سيئة، تحولت بفعلها مئات الهكتارات إلى أراض بوار، وتحول قطاع آخر إلى إنتاج محاصيل مربحة مادياً، لكنها غير مناسبة لإشباع البطون الخاوية . إضافة إلى توجه صغار المزارعين بالعالم إلى زراعات المحاصيل المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي لأنها أربح مادياً .

وفي الوقت الذي تعاني فيه معظم الأراضي الزراعية حول العالم أمراضاً متوطنة، وبنى تحتية سيئة، تحتاج إلى المليارات لمعالجتها، تزحف المستوطنات البشرية على الغابات لتقضي على التوازن البيولوجي فيها وتدمرها لتحولها إلى مناطق سكنية .

وأشار التقرير إلى أن العالم الآن يزرع بالفعل 38% من مساحة الأرض من دون احتساب مساحة غرينلاند وآنتاركتيكا، والبقية أماكن تغطيها الصحارى والجبال والسهول الجرداء، والغابات الاستوائية والسافانا وهي بدورها ضرورية للحفاظ على التنوع البيولوجي وفكرة التوسع الزراعي عبرها غير سديدة علمياً .

وعليه، تعد الزراعة اكبر نشاط بشري يمارسه الإنسان على سطح الكوكب، وهي المسؤول الأول عن 35% من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري بخاصة الميثان وأكسيد النيتروز، وهي نسبة أكبر من تلك المنبعثة من وسائل المواصلات بالعالم مجتمعة شاملة السيارات والطائرات والشاحنات . وينبعث غاز الميثان من الحيوانات وعبر حقول الأرز، وأكسيد النيتروز من الأسمدة العضوية المضافة للتربة .

وأشارت الدراسة إلى أنه خلال العقدين الماضيين أضيف من 5 10 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية، أضافت 3% فقط إلى المستوى الاجمالي للمساحات المنزرعة عالمياً لأنه بالمقابل خسرت الأرض مساحات أخرى أتى عليها العمران، أو التي استقطعت من الغابات الاستوائية .

وخلصت الدراسة إلى نتائج مهمة مغايرة تماماً للدعوات العالمية، وهي أن التوسع في مزيد من الزراعات ليس هو الحل المناسب لإطعام أهل الأرض، بل على العكس، سيمثل احد أخطارها الحقيقية، لأن إضافة مساحات زراعية جديدة يعني ضغطاً هائلاً على الموارد المائية المحدودة بالأساس، إذ تستهلك البشرية سنوياً 4 آلاف كيلومتر مكعب من المياه مصدرها الأنهار والمياه الجوفية، تستغل 70% منها للري، إلى الحد الذي أوشكت فيه عدة انهار في العالم على الجفاف، وجفت بالفعل انهار أخرى خاصة بوسط وشرقي آسيا .

يضاف إلى ذلك أن المياه ليست فقط على وشك الاختفاء، بل إن المتوفرة منها ملوثة بمختلف أشكال وأنواع المبيدات التي سببت دماراً هائلاً بالنظام البيئي، وتضاعف عنصري النيتروجين والفسفور بمياه المحيطات منذ عام 1960 وحتى الآن .

وما بين الفريقين الأول والثاني، لا يستطيع أي شخص إنكار وجود أزمة غذاء بالعالم، أياً كان سببها ومصدرها، وأنه على الرغم من وفرة الأغذية إلا إن هناك مليار شخص حول العالم يذهبون للنوم وهم جياع، وهي كارثة مرشحة للزيادة خلال العقود الأربعة المقبلة، ما لم تكن هناك حلول واقعية تؤمن توزيع عادل للغذاء على كل أبناء الأرض من ناحية، وتضمن توفيره للأجيال المقبلة، منها التقليدي مثل التوصيات التي خلص إليها تقرير أكاديمية العلوم الفرنسية الصادر بعنوان ديموغرافيا ومناخ وأغذية عالمية وأهمها كان فرض قيود كبيرة لمنع صناعة الوقود الحيوي، والحفاظ على المنتجات الزراعية من الحبوب والنباتات للاستهلاك البشري، وإعادة توجيه المزارعين بالبلدان التي تعتبر سلال غذائية للعالم نحو زراعة محاصيل مقبولة بيئياً، بالإضافة إلى حث الأفراد على خفض استهلاكهم من المنتجات الحيوانية، وتشجيع الاستثمار العالمي في الزراعة وبخاصة في مجال الأبحاث الزراعية وهي السياسة التي تنتهجها حالياً الصين والبرازيل .

المسنون مشكلة منتظرة

تواجه البشرية بعد أربعة عقود من الآن تحدياً مختلفاً تماماً لم تعهده من قبل، فبجانب المشكلات الرئيسة التي ستتوارثها الأجيال، سيجد العالم نفسه أمام ظاهرة محيرة من زيادة أعداد المسنين فوق الستين مع توقع تقرير الأمم المتحدة نظرة على العالم أن يصبح ربع تعداد السكان 2050 شيوخاً، إذ سيزداد أعدادهم من 672 مليوناً هذا العام إلى مليارين .

وبينما يعيش 6 من كل 10 مسنين في الدول المتقدمة، سترتفع النسبة فيها إلى 8 من كل 10 أو أكثر .

وبحسب جاك جولدستون أستاذ السياسة العامة وخبير علم السكان بجامعة جورج ميسون بواشنطن فإن العالم وقتها لن يكون مثل أي عالم، أو سكاناً كأي سكان عاشوا من قبل .

وأشارت دراسة أعدها مايكل هودين، المدير التنفيذي للائتلاف العالمي المعنى بالمسنين، إلى إن التوقعات الدقيقة متفاوتة، لكنها تسير في الاتجاه نفسه، وهو ما يعني مشكلة حقيقية إذ تعتمد الدول المتقدمة والنامية على أموال دافعي الضرائب لسداد تكاليف الرعاية الصحية ومعاشات التعاقد لمجموعة صغيرة من المسنين، على حين تهتم العائلات في الدول الفقيرة بأعضائها الأكبر سناً، وأي من النموذجين غير مناسب لتركيبة سكانية تنطوي على عدد أكبر من المسنين وعدد أقل من الشباب .

حشرات ولحوم صناعية وطحالب

لم يقف العقل البشري عاجزاً عن ابتكار حلول وأزمة الغذاء التي تتعلق بوجوده واستمراره على بقاء الحياة، فتعددت الأفكار المختلفة ومن أهمها ما طرحه البروفيسور دينيس أونيكس أستاذ علم الحشرات في جامعة واغنينغن بهولندا من ضرورة البحث عن أنماط غذائية بديلة، ومنها الحشرات التي يوجد منها ما يزيد على 1400 نوع صالح للاستهلاك الآدمي، مشيراً إلى أن الحشرات بما تحويه من عناصر غذائية، وما تتسم به من أحجام صغيرة، وسرعة في التكاثر تعتبر حلولاً مغرية للكثير من المشكلات التقليدية التي لا يمكن للزراعة حلها، وأعطى مثالاً قوياً على ذلك وهو اعتماد وكالة الفضاء اليابانية على الحشرات مثل ديدان الحرير والنمل الأبيض كمصدر للبروتينات والأحماض الأمينية لرواد الفضاء خلال رحلاتهم الطويلة .

وأشار كذلك إلى تميز بعض الحشرات، خاصة وهي في طور اليرقات، باحتوائها على نسبة كبيرة من الدهون والفيتامينات والمعادن الضرورية لنمو الإنسان، وأن بعض الدول النامية في إفريقيا، وجنوب شرق آسيا، وبعض بلدان أمريكا اللاتينية، يتناول سكانها بالفعل أكثر من 530 نوعاً من الحشرات المفيدة .

ويعد إنتاج لحوم بالمعامل الطبية واحدة من أكثر المشاريع العلمية طموحاً، على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي تواجهها، وتعد كلية الطب بجامعة ساوث كارولينا بالولايات المتحدة واحدة من جهات معدودة حول العالم تعمل بجهد حثيث في هذا الاتجاه، ويرأس البروفيسور فلاديمير مينروف أستاذ علم الأحياء التنموي ومهندس الأنسجة البشرية، فريق بحث منذ عقد لمحاولة التوصل إلى كيفية إنبات لحم صناعي .

يضاف إلى ذلك عشرات الأفكار بعضها حبيس مكتبات الجامعات والمعاهد البحثية الكبرى ينتظر التمويل المناسب، والآخر يخطو ببطء نحو بداية التجربة مثل مشروع الاعتماد على الطحالب البحرية كمركزات علفية غنية بالبروتين وصالحة للاستخدام في تغذية الحيوان والدواجن والأسماك، لأنها غنية بالبروتينات، كما يمكن استخدامها كوقود حيوي لأنها من أرخص المشروعات الإنتاجية تكلفة فهي لا تحتاج إلى تحلية مياه، لذا يمكن أن تجتذب مشاريعها مستثمرين صغاراً .