ليس في هذا العنوان خروج عن الكتابة الشعرية التي تشرب الإيقاع من ماء البحور، ولكنه في الحقيقة، محاولة للقفز عن سطحية التعريف الذي تداولناه لعقود طويلة، وظل ينظر إليه على أنه الوصف الأكثر بلاغة للشعر أو للقصيدة العربية .
يقول محمود درويش في أثر الفراشة الشعر ما هو؟ هو الكلام الذي نقول حي نسمعه أو نقرأه: هذا شعر، ولا نحتاج إلى برهان . كما يصف هاوسمان الشعر بالقشعريرة، وفي الحالتين نجد أن التعبير يؤدي إلى طريق واحد يتجاوز الشكل إلى المضمون، فالشعر لا يخضع لقوانين جاهزة، ولا لنظريات جامدة، فهو ممتلئ بالحركة والنور، ولا يمكن تقييده في تعريف واحد، ولو كان الشعر هو الموزون المقفى فقط، لكانت عبارة صباحُ الخيرِ يا أمّي جملة شعرية، لأنها موزونة في تفعيلة فعولاتن فعولاتن . ولكنها في الواقع لا تملك أية رؤية شعرية أو صورة جمالية واضحة يمكن معها القول إن هذه العبارة تنتمي للشعر أو للشعرية بشكل عام .
إن المتابع لما يكتب اليوم ضمن البناء العمودي يجد أن هناك استنساخاً فاضحاً للمالطع والقوافي وحتى المفردات والتراكيب التي عُرفت في العصور السابقة، ولابد أن يصل إلى حقيقة أن الإبداعات النقية والصافية في هذا الشكل تحديداً قليلة ومتواضعة جداً، كما سيجد في الوقت ذاته أن الكثير من الكتابات الشعرية التي تندرج تحت مسمى قصيدة نثر، ما هي إلا خربشات عاطفية ليست أكثر من تنسيق وترتيب لحروف يتم رميها في سلة الكلام وإخراجها على شكل قصيدة شعر .
الشعر يوجد في جميع الأشكال الشعرية السابق ذكرها، وقد يوجد في السرد أيضاً، ولكن الحديث هنا يتجه نحو النص الشعري المكتمل، الذي يمكن أن نقول لصاحبه . . أنت شاعر، ومن المؤكد أن القصيدة الجيدة لا تحتاج إلى بطاقة عبور تعريفية كي تصل أو تخترق ذائقة المتلقي، فهي بحد ذاتها سهم منطلق ليس أمامه سوى اتجاهين اثنين . . الوصول أو عدمه .
الجدل إذاً لا يتعلق بالدفاع عن شكل دون آخر، ولا يتعلق أيضاً بضرورة وجود تعريف واحد للشعر، لأن من الصعب حصر الشعر في مساحة ضيقة، وهو المتسع كحدائق وحقول خضراء لا نهاية لها .
الشعر ليس حكراً على أحد . . ولكنه ليس مشاعاً أيضاً، وحين نطلق على أحدهم لقب شاعر لابد أن يكون صاحب اقتراحات جديدة، في زمن أصبح فيه كل من يكتب نصاً شعرياً شاعراً ولو كان هذا النص مستنسخاً أو مقلداً أو فارغاً من كل ما هو جديد وجريء .