شكلت الثورة الليبية التي انطلقت في 17 فبراير/ شباط الماضي، بوحي من الحراك الجماهيري العارم، ضد النظامين السابقين في تونس ومصر، وما أسفر عنه من إسقاط النظامين، في أقل من شهر فاصل بين الحدثين، علامة فارقة في المنطقة التي غمرتها روح التغيير، والفارق في الشأن الليبي عن التونسي والمصري، تمثل في التحول الدراماتيكي والخاطف، الذي لم يستغرق إلا أياماً قليلة من تاريخ أول احتجاج جماهيري، من المظاهرات السلمية في بنغازي وعدد من مناطق شرقي ليبيا، إلى نموذج العصيان المسلح، ومن ثم الحرب الأهلية، ومأسسة الثورة في شكل مجلس انتقالي معارض، تسلّم زمام الشأنين السياسي والعسكري، وسرعان ما حاز اعترافات دولية، بالتزامن مع تبلور شكل جديد للتدخل الدولي في الصراع.

حرب الأشهر الستة التي انتهت بإسقاط النظام والسيطرة على طرابلس

مع تطور الأحداث وتسارعها في الفترة الأولى من الصراع التي امتدت قرابة شهرين من الزمان، ومن ثم الجمود الذي شهدته جبهات القتال الذي أخذ أيضاً فترة مماثلة، بلغت الأوضاع نقطة تحول كبرى في الموقف، في الشهرين الأخيرين اللذين سبقا سقوط العاصمة طرابلس في أيدي المسلحين المناوئين للنظام السابق بزعامة العقيد معمر القذافي، في أغسطس/ آب الماضي . ومن ثم بلغ المشهد ذروة جديدة بالقبض على القذافي ومقتله الذي أخذ شكل نهاية مثيرة للجدل .

الحديث يطول عن الثورة الليبية بما شكلته من تجربة جديدة على المنطقة، وبما حملته من تغيير جذري، وغير ذلك كثير مما عاشه العرب والليبيون على مدى 6 أشهر من الحرب، و6 أشهر تلتها من محاولات لملمة الصفوف وحشد القوى، في سياق عملية بحث وتلمس لطريق بناء دولة .

الخليج تتناول أحداث عام كامل من الثورة باستعراض يأتي على أبرز المفاصل والمحطات على المستوى الميداني، منذ إرهاصاتها الأولى، وحتى طيها صفحة السنة الأولى من عمرها .

احتجاجات عشية الثورة والعنوان بوسليم

أطلق ناشطون ليبيون منذ نهاية يناير/ كانون الثاني ،2011 دعوة عبر صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، لاحتجاجات ويوم غضب في 17 فبراير/ شباط، لكن الشرارة التي فجرت الأوضاع انطلقت قبل يومين، في مظاهرة نظمها في بنغازي أهالي سجناء سجن بوسليم الواقع في طرابلس الذي تنسج حوله حكايات وشهادات عن وقائع القمع والتعذيب والقتل بحق نزلائه، وما لبث الاحتجاج أن أتبع بآخر بعد اعتقال محامي الأهالي فتحي تربل، ما اضطر السلطات للإفراج عنه في ذات يوم احتجازه، ومن ثم بدأت تظاهرات تخرج في مناطق الشرق الليبي، وشهدت أحداث قمع أمني أدى إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، وما إن حل تاريخ الدعوة الأولى للاحتجاج في 17 فبراير، حتى شهدنا أول حالة استخدام للسلاح بين المتظاهرين ضد قوى الأمن، وانطلاقاً لحالات استقالة لكبار المسؤولين في نظام العقيد السابق، وعلى رأسهم وزير العدل في حينه مصطفى عبد الجليل .

وتذكر مواقع الانترنت الإخبارية والبحثية أن الناشط حسن الجهمي المتخصص في مجال المعلوماتية أنشأ في 28 يناير، صفحة على فيس بوك دعو إلى ثورة في ليبيا يوم 17 فبراير، في ذكرى أحداث مدينة بنغازي عام ،2006 سرعان ما بدأت بالانتشار، وبدأ بتشكيل شبكة اتصالات مع ناشطين آخرين في البيضاء وبنغازي وطرابلس يدعون إلى انتفاضة . وقبل انطلاق الاحتجاجات اجتمعت جهات وتنظيمات وقوى من المعارضة الليبية في الخارج لمناقشة الوضع السياسي في 14 فبراير/شباط، وصفت نفسها بأنها تنظيمات وفصائل وقوى سياسية مستقلة وشخصيات وطنية ليبية ومنظمات وهيئات حقوقية مهتمة بالشأن الليبي العام، وأصدرت بياناً موحداً طالبت فيه القذافي بالتنحي عن الرئاسة ونقل السلطة بشكل سلمي .

الأيام الأولى . . انشقاقات عسكرية واستقالات

انطلقت مظاهرات تطالب بإسقاط النظام في مدينة البيضاء في 16 فبراير، هي الأولى من نوعها في ليبيا، وسقط 3 قتلى، ومن ثم انطلقت احتجاجات في اليوم المحدد مسبقاً في 17 فبراير تحت شعار يوم الغضب، عمت ست مدن هي بنغازي والبيضاء وطبرق ودرنة وأجدابيا والكفرة والزنتان، حاول الأمن فضها فتطورت إلى مواجهات عنيفة، وإطلاق نار، وتراوحت أعداد القتلى من 11 إلى ،49 وفي اليوم التالي ارتفع عدد المدن التي شهدت احتجاجات إلى ،16 بانضمام المرج والقبة وشحات وسبها والزاوية ونالوت وجادو والرجبان ويفرن وبعض أحياء طرابلس . واستخدم الرصاص الحي ضد المحتجين، فسقط 24 قتيلاً موزعين على مدن بنغازي والبيضاء ودرنة، وتمكن المحتجون بعد انضمام الأمن والشرطة إليهم من طرد أنصار القذافي بالكامل تقريباً من مدينتي البيضاء والزنتان، وأصبحتا تحت سيطرة المتظاهرين .

في 19 فبراير أطلق الأمن النار على مسيرة في بنغازي لتشييع قتلى اليومين السابقين، وقصفهم بالأسلحة الثقيلة ومضادات الطائرات، ما أدى إلى سقوط 15 قتيلاً على الأقل، وفي اليوم التالي خرجت تظاهرات أخرى وسقط قتلى جدد، وبدأ عدد الضحايا بالارتفاع السريع، وأعلنت قوات من الأمن والجيش انضمامها إلى المحتجين، وسلمتهم مبنى مديرية الأمن بالمدينة فنهبوه وأحرقوه . وأصبحت بنغازي تحت سيطرة المحتجين بالكامل مثل البيضاء والزنتان، وفي طرابلس خرجت مظاهرات بالآلاف، وانشقت قوات، وأعلنت قوات الجيش في قاعدة معيتيقة الجوية المجاورة انشقاقها، وحاصر المحتجون الإذاعة وتوجهوا إلى الساحة الخضراء سابقاً، وهناك استهدفهم مسلحون يعتقد أنهم مرتزقة أجانب بإطلاق النار، ووقعت صدامات مع مظاهرة مناصرة للقذافي . وظهر سيف الإسلام القذافي في خطاب متلفز للمرة الأولى، حذر خلاله من إمكانية اندلاع حرب أهلية في ليبيا بسبب طبيعتها القبلية منبهاً إلى أنها ليست تونس أو مصر، كما وعد بسن قوانين إصلاحية وتعديل الدستور لإرضاء المحتجين .

في 20 فبراير استقال مندوب ليبيا في الجامعة العربية معبراً عن انحيازه إلى الثورة الشعبية، وخرجت مدن جديدة في اليوم التالي عن سيطرة نظام القذافي وسقطت في أيدي المحتجين، أبزرها طبرق ومصراتة والخمس وبني وليد وترهونة والزاوية وغريان وزوارة . وجرى قصف المتظاهرين في العاصمة بالمروحيات والرشاشات الثقيلة في أحياء منها تاجوراء وسوق الجمعة وفشلوم والأندلس، ما أسفر عن مقتل 250 على الأقل . وفي 22 فبراير أعلن 6 سفراء في بريطانيا وبولندا والصين والهند وإندونيسيا وبنغلادش استقالاتهم دفعة واحدة . ووصلت الانشقاقات إلى الوزراء، بإعلان وزيري العدل مصطفى عبد الجليل وشؤون الهجرة والمغتربين علي الريشي استقالتهما احتجاجاً على العنف في قمع الاحتجاجات .

وفي اليوم ذاته ألقى العقيد معمر القذافي خطابه الثاني، الذي حذر فيه من أنه سيسحق المتمردين كالجرذان، وأنه لن يتوانى عن استخدام القوة، وعند هذه المرحلة، أصبح شرق ليبيا تحت سيطرة المحتجين، من طبرق حتى أجدابيا مروراً بدرنة والمرج والبيضاء وبنغازي، واستقال سفراء ليبيا في فرنسا وأذربيجان ومنظمة اليونسكو، فيما تفاقمت استقالات الوزراء بانشقاق وزير الداخلية عبد الفتاح يونس العبيدي . وفي 23 فبراير سقطت مدينة مصراتة في أيدي المحتجين . كما سيطر الثوار على مدينة البريقة بمساعدة كتائب أمنية منشقة . وبعدها بيومين هاجمت قوات القذافي مدينتي الزاوية ومصراتة، لكن الأهالي صدوها . كما سقطت في أيدي المحتجين مدن الزنتان وجادو ونالوت . وتعرضت الزاوية لهجوم جديد في 26 فبراير أوقع 50 قتيلاً .

نقطة تحول . . من الاحتجاج إلى الاشتباك

شهد الخميس 17 فبراير أول مظاهر التحول الدراماتيكي في مجرى الأحداث، وشهدت مدينة البيضاء الشرقية انشقاق كتيبة الجارح التابعة للحرس الجمهوري، وبدأ جنودها تبادل إطلاق النار مع الجنود الموالين للقذافي، واندلعت معركة البيضاء، واستولى الثوار على السلاح من بعض مخازن الذخيرة واتجهوا به إلى موقع الكتيبة في مدينة شحات المجاورة، ومن ثم إلى مطار الأبرق الذي دارت فيه معارك، وتمكنوا من الاستيلاء على بعض الطائرات، وتدمير مهابط المطار في 18 فبراير/ شباط . ولاحقاً في 21 فبراير هاجمت كتائب القذافي المطار لانتزاعه من أيدي الثوار، لكنهم نجحوا في إسقاط طائرة عمودية فنشب أول اشتباك مسلَح . وبعدها بأسبوع تكرر الأمر في مصراتة وأجدابيا .

في 1 مارس/ آذار أكد معارضون مسلحون أن عدد المتطوعين للقتال الذين تجمعوا في أجدابيا بلغ حوالي 10،000 واندلعت معارك في اليوم التالي عندما اجتاحت 500 آلية عسكرية مدينة البريقة، فبدأت بذلك معركة البريقة الأولى التي انتهت بعد عدة ساعات بتمكن الثوار من صد الهجوم، وقصفت قوات القذافي أجدابيا والبريقة بعد هذه الأحداث، وفي 4 مارس سيطر الثوار على العقيلة وغراميد وتوجهوا إلى مدينة رأس لانوف المرفأ النفطي الاستراتيجي، وسيطروا عليها بعد معركة عنيفة، وفي 6 مارس اندلعت معارك عنيفة في بلدة بن جواد المجاورة، انتهت بسيطرة الثوار عليها .

وعلى امتداد الشهر الثالث من العام الماضي، الذي شهد بوادر الانخراط العربي في الأزمة المتصاعدة، من خلال اجتماع مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أبوظبي، والدعوات إلى حماية المدنيين في ليبيا، التي مرت من خلال جامعة الدول العربية، إلى مجلس الأمن الدولي، وتوجت بإصدار القرار 1973 في 17 مارس القاضي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، بعد إقراره أواخر الشهر السابق القرار 1970 القاضي بحظر توريد السلاح وتجميد الأرصدة التابعة لنظام القذافي في العالم . استمرت المعارك على الأرض وشهدت مراوحة بين سيطرة الثوار على المدن في الشرق، واستعادة قوات القذافي السيطرة عليها .

القوات الأجنبية تدخل على خط الصراع

شهد يوم السبت 19 مارس تقدم قوات القذافي بعد سيطرتها على أجدابيا نحو بنغازي . وبعد اشتباكات على مشارف المدينة الغربية، خرجَ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من مؤتمر حول الوضع الليبي في باريس ليعلن إقرار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 وبدء الحظر الجوي على ليبيا بعدة ضربات استهدفت الكتائب المتمركزة حول بنغازي . وبعدَ ساعات من الغارات الجوية، أعلنت الولايات المتحدة نجاحها وحلفاؤها في إيقاف الهجوم، وانسحاب قوات القذافي نحو أجدابيا التي أصبحت مسرحاً لمعركة عنيفة على مدى أسبوع، أسفرت في النهاية عن استعادة الثوار السيطرة عليها . وبالتزامن اندلعت معارك عنيفة في مدينة الزنتان، تمكن الثوار في نهايتها من فك حصار عن المدينة استمر 21 يوماً، في 24 مارس/ آذار .

وتحت وطأة قصف دولي استمر أسبوعاً انسحبت قوات القذافي من مدن الساحل الليبي في 26 مارس، وانطلق الثوار من أجدابيا وسيطروا في طريقهم على البريقة والعقيلة ورأس لانوف وبن جواد، وبعد يومين سيطروا على النوفلية، واصطدموا بكمين في الوادي الأحمر شرقي سرت، أجبرهم على التراجع 100 كيلومتر حتى بن جواد لكي تبدأ معركة ثانية، سقطت على إثرها البلدة في أيدي قوات القذافي، وانتقلت المعارك إلى رأس لانوف، وسرعان ما سقطت هي الأخرى . ومع آخر أيام شهر مارس بلغت قوات القذافي البريقة وبدأت معركة البريقة وانسحب الثوار إلى أجدابيا، وفي 1 إبريل/ نيسان عاودت التقدم نحو أجدابيا، لكن الثوار صدوها، وفي اليوم التالي عادَ الثوار إلى البريقة وبسطوا سيطرتهم على معظمها بعد اشتباكات عنيفة، ومن ثم أجبروا بعد 3 أيام على الانسحاب من البريقة تماماً تحت وطأة القصف العنيف، وعادوا إليها في اليوم التالي . وفي 7 إبريل دارت اشتباكات، لكن قتل حلف شمال الأطلسي الناتو 45 من الثوار بغارتين خاطئتين وتجدد قصف قوات القذافي أحدث فوضى في صفوف الثوار، الذين انسحبوا مجدداً نحو أجدابيا .

من إبريل إلى أغسطس: الجمود سيد الموقف

تسيد الجمود الموقف الميداني على امتداد الشهور الأربعة الوسطى من العام الماضي، وباستثناء معركة أجدابيا التي انتهت في العاشر من إبريل بتأكيد سيطرة الثوار عليها، ومن ثم شهدت الأوضاع اشتباكات ومناوشات غلب عليها تكتيك الكر والفر، من دون تحقيق تقدم يذكر، فيما ركزت قوات القذافي طوال الشهر الرابع من العام الماضي هجمتها على الجبة الغربية، في مدن يفرن ونالوت والرجبان والزنتان في الجبل الغربي (جبل نفوسة)، ومصراتة والرجبان والغنايمة .

ومع نهاية الشهر سيطر الثوار على مدينة نالوت، وفي 28 إبريل سيطرت قوات القذافي على مدينة الكفرة الجنوبية . وفي 28 إبريل اندلعت معركة معبر وازن-الذهيبة الحدودي مع تونس، الذي سيطر عليه الثوار قبل أيام، وسيطرت عليها قوات القذافي . وتجددت الاشتباكات في اليوم التالي، وانتهت بسيطرة الثوار على المعبر الحدودي .

وفي 30 إبريل شن الناتو غارة جويَّة على مقر القذافي في باب العزيزية . وفي اليوم التالي، أعلنت السلطات السابقة مقتل سيف العرب أصغر أبناء القذافي، وثلاثة أحفاد للأخير .

وفي 8 مايو/ أيار بدأ الثوار ما أسموه انتفاضة هي الأولى من نوعها منذ شهور في ضواحي العاصمة طرابلس ضد نظام العقيد معمَّر القذافي، ووفق مصادر الثوار فقد بدأت الأحداث عندما انشقَّ ضبَّاط من الأجهزة الأمنية في المدينة وسلَّموا ما يَملكونه من أسلحة خفيفة إلى الثوار، فاستخدمها هؤلاء ضد كتائب القذافي، وبذلك اندلعت الاشتباكات في عدة مناطق من طرابلس بينها جنزور في الغرب وتاجوراء في الشرق، ودفعَ ذلك الكتائب إلى فرض حالة استنفار أمنيٍّ، وأدت المعارك إلى سُقوط قتلى وجرحى بين كلا الطرفين . وبحلول 10 مايو أعلنَ الثوار أنهم تمكنوا من رفع علم الاستقلال في قاعدة معيتيقة الجوية شرق طرابلس .

في 11 مايو أعلنَ الثوار الليبيُّون سيطرتهم على مطار مدينة مصراتة وأنهم باتوا يُحاصرون جيوب المُقاومة المتبقية لكتائب القذافي في مواقع مختلفة من المدينة، في أعقاب معركة عنيفة استمرَّت لعدة أيام دارت رحاها حول المطار، وبذلك أطبقَ الثوار سيطرتهم على مصراتة بعدَ شهور من القتال، وبدأ الثوار التقدم جنوبا نحوَ تاورغاء وغربا نحو زليطن . وفي 15 مايو سيطروا على الدافنية غرباً، فيما بلغوا على جبهة الجنوب تاورغاء . وفي 17 مايو أعلنت مصادر للثوار أن مصراتة باتت في أيديهم بالكامل وأن القتال فيها انتهى . وحاولت كتائب القذافي الإغارة بالزوارق البحرية في 17 مايو، لكن إحدى سفن الناتو الراسية بجوار الساحل تمكَّنت من إيقاف الهجوم .

وفي 20 مايو اتجهت قوَّات القذافي مُعزَّزة بدبابات وراجمات صواريخ إلى نالوت وحاصرتها بالكامل، أما ككلة ويفرن فكانتا تحتَ الحصار منذ عشرين يوماً، وفي أعقاب الهجمات حذَّرَ مسؤولو المجلس الانتقالي في بنغازي من أن الأوضاع أصبحت على شفى كارثة إنسانية، وطالبوا بإمدادته بالمساعدات والمعونات . وشن الناتو غارات عنيفة على موانئ ليبيَّة عدة في طرابلس والخمس وسرت، انتهت بإغراق 8 سفن عسكرية، ومن 19 إلى 29 مايو تعرَّضت مدن الجبل الغربي وجبل نفوسة إلى قصف عنيف بصواريخ غراد، أما في مصراتة، فقد اندلعت اشتباكات عنيفة في غربي وجنوبي المدينة من 23 إلى 25 مايو .

وبعد جمود كل الجبهات 3 أشهر وجمود جبهة القواليش - الأصابعة، سيطر الثوار في عملية نفذوها في 13 أغسطس/ آب، على مدينة غريان . وبعدها بأيام قليلة، وتحديداً في 21 أغسطس، أعلن الثوار السيطرة على العاصمة طرابلس، التي تمت فعلياً خلال الأيام القليلة اللاحقة .

* * ** * *

المجتمع الدولي وليبيا . . من الانخراط السريع إلى التدخل الشامل

منذ اندلاع شرارة الاحتجاجات الأولى في ليبيا، ومع التصاعد المتسارع لمؤشر العنف في البلاد، شهدنا حالة انخراط سريعة جداً للمجتمع الدولي في الأزمة الليبية، انتقلت إلى حالة أشبه بتدخل دولي شامل، من خلال تحويل الصراع إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، منذ الأيام الأولى، ومن ثم التدخل العسكري الذي قادته فرنسا بشكل رئيس في البداية وحملت عمليته اسم فجر الأوديسة، وما تلا ذلك من استلام حلف شمال الأطلسي الناتو زمام العملية الهادفة لتثبيت منطقة حظر جوي فوق ليبيا، لمنع طائرات النظام من قصف المدن والقرى، وحماية المدنيين من هجمات محتملة، في ما أطلق عليها اسم عملية الحامي الموحد، ومع تطور الصراع، شكلت مجموعة من الدول على رأسها فرنسا أيضاً ما سمي مجموعة الاتصال الدولية حول ليبيا، وفي ما خلا بعض التحفظ من قوى دولية لم تشارك في مجرى الأحداث، بدا الموقف الروسي الرافض لطريقة ترجمة قرار مجلس الأمن الدولي فرض الحظر الجوي على شكل تدخل عسكري لمصلحة أحد طرفي الصراع .

لم يكد يمر أسبوع على انطلاق الأحداث حتى شهدنا أول تدخل فعلي للمجتمع الدولي، تمثل في بدء حصار مالي دولي لنظام العقيد معمر القذافي، من خلال قرارات تجميد أصول النظام، وأموال عائلة القذافي في المصارف السويسرية في 24 فبراير/شباط، أي مع مرور أسبوع فقط على الاحتجاجات، وتبع ذلك بيوم واحد إقرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمراً تنفيذياً بتجميد أصول القذافي . وبعدها بيوم فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات ضد ليبيا، بما في ذلك فرض حظر على الأسلحة وتجميد الأصول، وأحال الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم ضد الإنسانية، في قرار حمل رقم 1970 .

ودخل الاتحاد الأوروبي على خط حصار النظام الليبي السابق في 28 فبراير/شباط، وفرض حظراً على بيع الأسلحة لليبيا، وتجميد أصول وأموال القذافي و5 من أفراد أسرته .

الانخراط العسكري والعقوبات

في 7 مارس/آذار الماضي، بدأ حلف شمال الأطلسي الناتو تطبيق قرار يقضي بمراقبة الأجواء فوق ليبيا . بالتزامن مع مطالبة وزراء خارجية مجلس التعاون لدول الخليج العربية في ختام اجتماع لهم في أبوظبي باتخاذ إجراءات دولية، من ضمنها حظر جوي، ودعوتهم إلى اجتماع عاجل لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري .

وفي 17 مارس/آذار، صوت مجلس الأمن الدولي لصالح قرار يقضي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا واتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين . وبعدها بيومين بدأت القوات الفرنسية والبريطانية والأمريكية أولى عملياتها العسكرية في ليبيا بإطلاق 110 صواريخ توماهوك من سفن حربية وغواصات بريطانية وأمريكية ضربت 20 هدفاً جوياً ودفاعياً ليبياً، في عملية أطلقت عليها تسمية فجر الأوديسة، ومن ثم قادها حلف شمال الأطلسي الناتو تحت اسم الحامي الموحد، واستمرت العملية على امتداد أكثر من ستة أشهر لاحقة، وكان لها دور كبير في سيطرة الثوار على البلاد، من خلال تدمير القدرات العسكرية لقوات القذافي، واستهداف بناها التحتية في مختلف أنحاء البلاد .

في 30 إبريل/ نيسان، شن حلف شمال الأطلسي الناتو هجوماً بالصواريخ على منزل في طرابلس . أسفر عن قتل ابن القذافي الأصغر سيف العرب، وثلاثة أحفاد .

وفي 22 مايو/ أيار، افتتح الاتحاد الأوروبي ممثلية له في بنغازي، وأعقب ذلك اعتراف دولي بالمجلس الوطني ممثلاً شرعياً لليبيين .

وفي 27 يونيو/ حزيران، صدرت مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق القذافي ونجله سيف الإسلام، وزوج شقيقته عبدالله السنوسي، لدورهم في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية .

وقبل أن يلفظ أكتوبر/ تشرين الأول أنفاسه الأخيرة، أعلن حلف الأطلسي في 28 من الشهر، عزمه إنهاء مهمته في ليبيا آخر أيام الشهر ذاته، وهو ما حدث فعلاً، بعدما شهدت العملية تمديداً لها بطلب من الليبيين .

من مجموعة الاتصال إلى أصدقاء ليبيا

وافق مؤتمر دولي في العاصمة البريطانية لندن، في 29 مارس/آذار، على تشكيل مجموعة اتصال سياسية حول ليبيا . وقد شاركت 36 دولة في الاجتماع، إضافة إلى الحلف الأطلسي والأمم المتحدة .

وفي 13 إبريل/ نيسان، عقد أول اجتماع لمجموعة الاتصال في العاصمة القطرية الدوحة، على مستوى وزراء الخارجية . وضم الاجتماع عشرين دولة ومنظمة برئاسة بريطانيا وقطر . وقررت المجموعة تقديم مساعدة مالية للثوار ودعما ماديا . وأعلنت أن المجلس الانتقالي الليبي هو الممثل الشرعي للشعب الليبي، وأكدت مجدداً ضرورة رحيل القذافي من أجل إنهاء الأزمة .

وعقدت مجموعة الاتصال اجتماعاً في العاصمة الإيطالية روما، في 5 مايو/أيار، وتقرر إقامة صندوق خاص لمساعدة الثوار سمي آلية التمويل المؤقتة، تتم تغذيته بهبات وقروض ثم بالأرصدة الليبية المجمدة في الولايات المتحدة وأوروبا بوجه الخصوص .

ووضعت مجموعة الاتصال الدولية اللمسات الأخيرة في اجتماعها في العاصمة الإماراتية أبوظبي، في 9 يونيو/حزيران، على الآلية التي تسمح للمجلس الانتقالي بتلقي أموال تأتي خصوصاً من أرصدة النظام المجمدة .

وفي15 يوليو/تموز، اعترفت مجموعة الاتصال في اجتماعها المنعقد في العاصمة التركية (اسطنبول)، بالمجلس الانتقالي بصفته السلطة الحكومية الشرعية للبلاد، ما يسمح بالإفراج عن بعض الأرصدة التي تعود إلى الدولة الليبية .

وفي 25 أغسطس/آب، قررت مجموعة الاتصال تسريع عملية الإفراج عن الأموال المجمدة، غداة مطالبة المجلس الانتقالي أثناء اجتماع في الدوحة، عقد في اليوم السابق، على مستوى كبار المديرين في وزارات خارجية الدول الأعضاء، بالإفراج عن خمسة مليارات دولار كمساعدة عاجلة من الأرصدة المجمدة .

وشهد الأول من سبتمبر/أيلول الماضي، تحولاً على مستوى التسمية والدور، إذ عقد في العاصمة الفرنسية باريس، المؤتمر الأول ل أصدقاء ليبيا، الذي حمل إليه ممثلو السلطات الجديدة طلبات واضحة بتحرير الأرصدة المجمدة، وبدأت الأحاديث خلاله تتوجه إلى كيفية الانتقال إلى ليبيا الجديدة، عقب أيام من سيطرة الثوار الكاملة على العاصمة الليبية طرابلس .

* * *

بعدما أسر وأظهرته لقطات الفيديو حياً ووصل إلى مصراتة جثة هامدة

روايات عدة حول اللحظات الأخيرة من حياة القذافي

لف الغموض وتضارب الروايات التي أعقبت مقتل العقيد معمر القذافي في 20 أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، وعلى مدى أيام تلت الواقعة التي نقلتها وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم، معتمدة على لقطات فيديو صوّرها مقاتلون عن طريق هواتفهم المحمولة، وثقت اللحظات الأخيرة من حياة القذافي الذي قبض عليه في مسقط رأسه في سرت مختبئاً في أنبوب صرف صحي حسب ما قال الثوار . صدرت أكثر من رواية وتبنى أكثر من مقاتل الأمر، ناسباً إلى نفسه إطلاق الرصاصة القاتلة باتجاه العقيد الليبي الراحل .

وأكد مقاتل في شريط فيديو بث على شبكة الإنترنت، أنه أسر القذافي ثم قتله برصاصتين، وأظهر التسجيل رجالاً يرتدي بعض منهم الزي العسكري وهم يستجوبون في أحد المكاتب هذا المقاتل الذي ينتمي إلى لواء بنغازي شرقي طرابلس، واسمه سند الصادق العريبي المولود في ،1989 ثم يهنئونه . وعرض هؤلاء خاتماً ذهبياً وسترة مضرجة بالدماء يعتقد أنهما للقذافي . وأكد المقاتل أنه انتزعمها منه قبل أن يفسح المجال لمقاتلين لتسلمه بعد أسره في سرت . وقال المقاتلون إن اسم الزوجة الثانية للقذافي، صفية فركاش وتاريخ زواجهما في 10 سبتمبر/أيلول ،1970 محفوران على الخاتم . وأوضح المقاتل أنه أراد قتل القذافي عندما أراد مقاتلو مصراتة تسلمه . وقال أطلقت عليه رصاصتين الأولى تحت إبطه والثانية في رأسه . لم يمت على الفور . توفي بعد نصف ساعة . وأضاف التقينا القذافي في أحد الشوارع بينما كان يمشي مع أولاد وبنات . كان يعتمر قبعة . تعرفنا إليه من شعره . وقال لي أحد مقاتلي مصراتة: هذا هو القذافي، فلنعتقله .

وأكد أنه قتل الزعيم المخلوع الذي كان يحمل مسدساً من ذهب، بعدما كبل ذراعيه . وقال صفعته، فقال لي: أنت مثل ابني . صفعته مرة جديدة، فقال لي أنا مثل والدك، إذاك أمسكته بشعره وطرحته أرضاً . وأوضح أنه أراد نقل القذافي إلى بنغازي لكن عندما إصر مقاتلو مصراتة على أخذه إلى مدينتهم، أطلقت النار عليه .

في مصراتة، تحدثت مصادر الثوار عن أوامر من القيادة تنص حرفياً على القول إنه لم يقتل أحد القذافي، وفضل مقاتلون التباهي بما غنموه من أمتعته، حذاء أسود ومسدس ذهبي ومنديل بني .

وقال عمران شعبان (21 سنة) إنه كان أول من قبض على القذافي الذي كان مختبئاً في أنبوب صرف غربي سرت، وأضاف عندما رأيته فوجئت إلى حد لم أستطع التفوه بكلمة ولا حتى التفكير . كانت مفاجأة كبرى فقلت لنفسي هذه هي النهاية، قد انتهى القذافي .

وقال رفيقه أحمد غزال إن كتيبتهم كانت متوجهة لمساندة قواتهم في الهجوم الأخير على سرت عندما اعترضوا مجموعة من قوات القذافي نجت من قصف لحلف شمال الأطلسي على حافة الطريق . وأوضح أنه بعد تبادل إطلاق النار أقر لنا رجل من أجهزته الأمنية أن القذافي كان داخل أنبوب من الاسمنت المسلح . وتابع إن عمران كان الأقرب منه فألقى القبض عليه فقلت الله اكبر، وجذبت ساقيه إلى الخارج وعندما خرج من مخبئه قال ماذا يجري . ماذا هناك؟ وحينها وضع عمران مسدسه تحت ذقن القذافي .

وأكد أنه خلال القبض عليه كانت ثياب القذافي ووجهه ملطخة بالدم، كان جريحاً . وعندما عادوا إلى السيارة أحاط بهم حشد هستيري . وكشفت تسجيلات الفيديو على الانترنت أن القذافي تلقى صفعات وضربات وجذب من شعره . لكن بعد ذلك نقلناه في سيارة إسعاف، كما قال عمران .

وأكد المقاتلون أن القذافي توفي على طريق مصراتة . وقال إبراهيم المرغوب أحد عناصر الكتيبة كان في حالة يرثى لها عندما رأيناه وكنا نعلم أنه سيموت .

في سرت، أكد مقاتل يدعى محمد الهويب شعبان أنه كان حاضراً عند أسر القذافي وانتزع منه سلاحه وهو مسدس من ذهب . وأضاف أن القذافي كان يزحف في أنبوب أسمنتي . وأكد محمد ليث أحد القادة في مصراتة أنه توفي متأثراً بجروح أصيب بها عند اعتقاله . وقال إن القذافي كان في سيارة جيب أطلق النار عليها . خرج منها وحاول الفرار ولجأ إلى أنبوب لتصريف المياه . أطلق الثوار النار من جديد فخرج حاملاً رشاشاً بيد ومسدساً باليد الأخرى . وتابع أنه تلفت يمنة ويسرة وسأل ماذا يجري؟ فأطلق المقاتلون النار من جديد ما أدى إلى جرحه في الكتف والساق وتوفي بعد ذلك .

وقال طبيب فحص جثة القذافي إنه أصيب بجروح مميتة برصاصة في أحشائه بعد اعتقاله . وأضاف إبراهيم تيكا أثناء القبض على القذافي كان حياً لكن تم قتله لاحقاً وهذا سبب وفاته الأولية، رصاصة اخترقت الأحشاء ثم أخرى دخلت وخرجت من رأسه .

وأشار مصور إلى أنه رأى جثة القذافي في منزل في مصراتة، حيث تمكن من التقاط صورة تظهره عاري الصدر وبطنه مغطى بالدم، كما يبدو محاطاً بمتفرجين كانوا يلتقطون صوراً بواسطة هواتفهم النقالة . كما أن مصوراً آخر شاهد في المنزل جثة المعتصم .

وكان رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الانتقالي محمود جبريل أكد أن القذافي قتل برصاصة في الرأس . وقال عندما وجدوه كان في صحة جيدة ومسلحاً، لكن عندما تحركت الآلية علق في تبادل لإطلاق النار بين المقاتلين الموالين للقذافي وثوار وقتل برصاصة في الرأس، مؤكداً أنه كان على قيد الحياة حتى وصوله إلى المستشفى .