
يرى الناقد الدكتور جابر عصفور أن أدب الرسائل لم يختف، أو يتراجع، لكنه شهد تغيراً كبيراً في شكله ومضمونه، ووسيلته، موضحاً أن التكنولوجيا الحديثة، أدت إلى تغيير شكل الرسائل التقليدية التي كانت تكتب بالورقة والقلم، وباستطاعة الأدباء الآن من خلال الإنترنت أو الإيميل أن يقوموا بكتابة رسائل تصل على البريد الخاص، أو الحديث المباشر عبر وسائل الدردشة المنتشرة على الإنترنت والتي تحتفظ بتاريخ ونص الحديث، مهما كان طوله أو قدم تاريخه، أو بعد مسافة الطرف الآخر المتحاور .
وأشار إلى أن وسائل الاتصال الحديثة لم تتح لنا تبادل الرسائل الثنائية وحسب، بل أتاحت أيضاً إمكانية عقد مؤتمرات وحوارات جماعية، لذا كان من الطبيعي أن يختفي أدب الرسائل بشكله المعهود القائم على الورقة والقلم، والمراسلات، لأنه كان ابن مرحلة معينة، وعصر معين، وقد تحول الكثير من الأدباء والكتّاب إلى الرسائل الإلكترونية كوسيلة لتبادل الآراء والخبرات والمعلومات، حتى عبد الرحمن منيف نفسه، تحول في آخر حياته إلى الرسائل الإلكترونية، لأنه فرض نفسه كأحدث شكل للرسائل، واضعاً نهاية لعصر أدب الرسائل التقليدية .
ويتوقع عصفور أن يحدث هذا الشكل الجديد من المراسلات تغييراً كبيراً، ورغم ما لهذا التغير من مميزات، إلا أنه أصاب أصحابه بنوع من الحذر في إظهار المشاعر، لأن أي شخص بإمكانه أن يتسلل إلى صناديق البريد الخاصة بالكتّاب، عبر عمليات القرصنة العديدة التي تجري، ما يجعل هناك حالة من غياب الحميمية القديمة التي كانت موجودة لدى أدباء كتبوا رسائلهم مثل عبدالرحمن منيف، وغسان كنفاني، وغادة السمان، وغيرهم لأن الوضع اختلف، وطبيعة الرسالة اختلفت، وتحولت من أن تكون رسالة مكتوبة على ورق يمكن الاحتفاظ بها إلى رسالة مكتوبة بشكل مختلف تماماً، وهو شكل يفرض نفسه على طبيعة الرسالة وأسلوبها ومحتوياتها ومضمونها ومدى الحرية التي ينطلق منها الكاتب، وإن كان يفتقد إلى الحميمة، فإن به عفوية ممكنة، لأن للقلم هيبة تفتقدها الرسالة المكتوبة على الوسائط الإلكترونية .
ويقول الروائي إبراهيم عبد المجيد إن أدب الرسائل أدب عظيم جداً في العالم كله، وقديم، وهناك بعض الكتّاب يبنون أعمالهم الأدبية على الرسائل، إضافة إلى أن هناك كتباً تحوي رسائل الأصدقاء الكتّاب مع بعضهم بعضاً، ونذكر هنا ما يتعلق بأدب الرسائل هنري ميللر ومراسلاته مع دي اتش لورانس، وهكذا في العالم العربي لا ينتشر هذا الأدب بصورة كبيرة لكن الرسائل أحياناً تكون موجودة، كذلك رسائل الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني للكاتبة الكبيرة غادة السمان، لكن المشكلة في العالم العربي أن هذه الرسائل عادة لا تنشر، لأن بها صراحة لا يحتملها المجتمع العربي، لذا يحجم كثير من الكتّاب عن نشر رسائلهم خوفاً من مجتمعاتهم .
ويؤكد عبدالمجيد أن ثمة أدب رسائل حالياً، وهو أدب وهمي افتراضي، يقوم على الإيميلات المتبادلة سواء كانت واقعية أم متخيلة، موضحاً أن أدب الرسائل يتطور مع الزمن، وتخدمه وسائل وأدوات الاتصال الحديثة، كل يوم أكثر من سابقه، ويتطور أسلوبه ولغته، ويمكننا أن نرى ذلك في الرسائل القصيرة على الإيميل والموبايلات، وبرامج الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي، وكيف تغيرت اللغة المستخدمة، وبعد أن كانت قديماً طويلة تحمل الكثير من المشاعر والعواطف، أصبح لها أحكام ولغة متداولة .
ويشير إلى أنه منذ فترة طويلة، والكتّاب يحجمون عن إصدار كتب حول أدب الرسائل، سواء حقيقية أم وهمية، ولكن هذا الشكل بدأ يزيد الآن عن أي وقت مضى، ويمكننا أن نرى هذا بوضوح في مدونات شباب الكتّاب الذين يحرص كل منهم على عمل مدونة خاصة به، ينشر من خلالها مراسلاته وأحاديثه الخاصة والعامة .
وبدوره تحدث الروائي محمد جبريل، عن أدب الرسائل قائلاً: لم يختف أدب الرسائل في يوم من الأيام، على العكس، فقد ذاع وانتشر في الصور كلها التي نمر بها ونراها كل يوم، كالفيس بوك، وتويتر، وغيرهما، ولم يعد مقصوراً على قلة من الكتّاب والأدباء، بل امتد وشمل كل المتعاملين مع الفيس بوك، لذا من الصعب أن نقول إن أدب الرسائل لم يعد قائماً، مشيراً إلى أن الكثيرين كتبوا رسائلهم الخاصة مثل نازك الملائكة، وأنور المعداوي، وفدوى طوقان، وغادة السمان، وغسان كنفاني، وغيرهم .
ويقول جبريل إن الإنترنت لم يلغ الأدب الذي قدمه هؤلاء عبر رسائلهم المكتوبة ورقياً، فاتساع القاعدة يؤكدها، ولا ينفيها، أنا شخصياً أتبادل، عبر البريد الإلكتروني، رسائل مطولة مع أصدقاء وصديقات، نقول عبرها آراءنا في أشياء كثيرة جداً، ونتعاتب، ونتصادق، ونلوم بعضنا بعضاً، حياة كاملة تغني عن الرسائل الورقية، خاصة أن الإنترنت بالنسبة لي أسهل، فاستخدام ورقة وقلم أمر مرهق جداً .
يقول الشاعر محمد علي شمس الدين: أدب الرسائل فن قديم، ومن أبرز ما ترك لنا التراث العربي والإسلامي رسائل إخوان الصفا . كذلك رسائل ابن عربي، وقد استمر هذا الفن، كونه فن تواصل بين اثنين أو بين كاتب وجماعة، في جميع العصور التاريخية حتى اليوم . ولعلّ في تاريخ الشعر والأدب شرقاً وغرباً الكثير مما يضيء على كتاباتهم الإبداعية . على سبيل المثال الرسائل المتبادلة بين الروائي والقاص والمسرحي فرانس كافكا، وصديقه ماكس بروت . ولا تزال في بالي جملة لكافكا تختصر سوداويته تجاه كل شيء، بما في ذلك ما كتبه هو . فقد أمر في إحدى رسائله من صديقه ماكس أن يحرقها . لكن ماكس لم يفعل . وقد نشرت الرسائل بعد موت كاتبها . هناك رسائل حب وتأمل ثمينة جداً بين مي زيادة وجبران خليل جبران تكشف عن خفايا في ظلمات النفوس، ولا تقلّ في قيمتها الإبداعية عن النتاج الفني نفسه، أذكر أيضاً الرسائل المتبادلة بين غسان كنفاني وغادة السمان .
هذا الجانب مازال موجوداً حتى الآن، وشخصياً أجد فيه متعة لقدرته على كشف الأسرار . وأستطيع أن أذكر طرفة من الطرائف تتعلق بالروائي والأديب الراحل د . سهيل إدريس الذي امتنع عن نشر بعض الرسائل التي إن عرفت لأدت إلى حرائق في الكثير من المنازل . لم يكن أدب الرسائل غزيراً من الأساس . ولكنه قليل وخاص . بيني وبين عبد الوهاب البياتي أكثر من ثلاثين رسالة متبادلة حول الشعر والحياة أفكّر في نشر بعضها نظراً للقيمة النفسية الإبداعية لما تضمنته من آراء شخصية، عارية تماماً حول عدد من المفكرين والكتّاب، واعتبرها شكلاً من أشكال كتابة السيرة أو البوح . وهذا ما يؤكد أن أدب الرسائل لم ينته وهو على الرغم من ندرة كتّابه يستمر مقروءاً ومطلوباً من ناس كثر .
وتقول الناقدة د . زهيدة درويش جبور، الأمينة العامة للجنة الوطنية للاونيسكو، إن الألسنية الحديثة تفيد أن كل عملية تواصل تفترض وجود عناصر ثلاثة: المرسل والمرسل إليه والرسالة . وبهذا المعنى تصبح النقوش التي تركها لنا الإنسان الأول على جدران الكهوف والرسومات التي نعثر عليها في قبور الفراعنة المصريين والألواح التي يتم الكشف عنها في عمليات التنقيب عن الآثار . . كلها رسائل . لكن المقصود بكلمة الرسالة في السؤال المطروح يتجاوز عملية التواصل، ليشير إلى جنس أدبي عرف رواجاً في تاريخ الثقافة العربية في مرحلة من مراحل تطورها . فقد ظهر أدب الرسالة بعد توسّع الفتوحات العربية والإسلامية وتأسيس الدولة نتيجة لبعد المسافة الجغرافية بين المرسل والمرسل إليه مما خلق حاجة إلى اعتماد الكتابة وسيلة التواصل . وقد برع العرب في هذا المجال ونذكر على سبيل المثال لا الحصر مقامات بديع الزمان الهمذاني التي بلغت فيها اللغة درجة عالية من البلاغة والفصاحة . إضافة إلى ما تمتعت به من روح الفكاهة .
كذلك عرفت الإخوانيات وهي اسم آخر للمسمى نفسه ازدهاراً كبيراً في الأندلس . وفي زمن أقرب إلينا، أي في مطلع القرن العشرين أقبل عدد من الأدباء على كتابة الرسائل تاركين لنا أعمالاً اكتسبت شهرة واسعة مثل رسائل جبران إلى ماري هاسكل، ورسائل كل من العقاد وجبران إلى الأديبة مي زيادة التي تحتل موقع الريادة في أدب المرأة، ورسائل غادة السمان وفدوى طوقان، وإذ نلاحظ اختفاء هذا النوع الأدبي من المشهد الثقافي العربي المعاصر، لابّد لكي نفهم الأسباب من العودة إلى الظروف والحاجات الكامنة وراء ازدهاره في مرحلة سابقة . فلو عدنا إلى مطلع القرن العشرين لوجدنا أنه في ظل الأوضاع الاجتماعية السائدة ونتيجة للأعراف والتقاليد المتبعة كانت مساحات ومناسبات اللقاء بين الجنسين ضئيلة ومحدودة ففرضت الرسالة نفسها لملء هذه الفجوة .
هذا من جهة . ومن جهة أخرى، كان إيقاع الحياة يترك فسحة للتأمل والتفكير والحلم، مما يجعل من كتابة الرسالة لذّة في حدّ ذاتها يتذوق فيها الكاتب متعة الدخول إلى أعماق ذاته، يسكبها على الورق ليقدمها هدية جميلة إلى المرسل إليه، ومن خلالها يبتدع ذاته ويبتدع الآخر في آن معاً . إذ إنه يكتب هنا للآخر كما يحلو له أن يتصوره وأن يتوقع ردات فعله حين يقرأ رسالته، هنا يبدو التواصل أجمل لأنه ليس محكوماً باللحظة الهاربة، بل يصبح بحدّ ذاته انتصاراً على الزمن الأفقي، كما أن لأدب الرسالة صلة بالبنية الاجتماعية وانعكاساتها على العلاقات بين الناس .
ثمة زمن جميل حيث كانت الثقة وروح التعاون تؤسس لحوار مثرٍ بين الأدباء الذين كانوا يمارسون تجاه بعضهم ومن خلال فن الرسالة النقد البنّاء فيغتني واحدهم بتجربة الآخر ونصحه .
تحوّل الزمن وتغيرت الأوضاع والظروف ومعها البشر وكذلك الأدباء . ففي عصر الإنترنت وتقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة، تسارع نبض الحياة وأصبح اختصار الوقت هو القاعدة . دخلنا في زمن لا وقت فيه لما يجب أن يمنح كل الوقت . عنيت بذلك ما يختزنه الإنسان من ثراء روحي وعاطفي يجسّد سرّ إنسانيته . استعيض عن لذة التأمل بلزوم الاختصار، وعن فن كتابة الرسالة بلغة جميلة، بالرسالة القصيرة التي تختزل الكلمات وتحوّل اللغة إلى مسخ أو إلى أداة هجينة . فالغاية تقتصر على تبليغ الرسالة التي لا تنبع قيمتها من مدى ما تتحلى به من جمال فني أو ما تختزنه من المشاعر والمخيلة، بل من مدى نجاحها في بلوغ القصد . أضف إلى ذلك أن حُرمة الأدب بمعناه القديم أي فن التعبير الجميل قد استُبيحت فتكاثر عدد الكتّاب وازدادت معها علاقات التنافس والتحاسد فتقلصت مساحات الحوار وهو من العناصر الأساسية لفن الرسالة . رحم الله ذلك الزمن حيث كان فن الرسالة يُعلم في المدارس مع ما يحمله من التأدب في المخاطبة ومن التزام بقواعد التعبير البليغ .
ويقول الروائي اللبناني الياس العطروني: يعود اختفاء أدب الرسائل في عصرنا الراهن لأسباب عدة، أولها وأهمها أنه لم يعد هناك من رسائل بحكم وسائل الاتصالات الحديثة التي تمكن من التحادث ما بين قطبي الأرض، إضافة إلى عامل مهم آخر هو أن الرسالة عادة حسب ما ورد إلينا من الماضي، وعلى سبيل المثال رسائل ميّ زيادة وجبران خليل جبران، كانت تتضمن الحديث عن محاور على علاقة بالأدب والعواطف . وما يحدث الآن أن التحادث في الأدب قد ندر ليس بين الأدباء أنفسهم، بل حتى بين الأدباء وغيرهم .
أما من الناحية العاطفية التي كانت الرسائل تركّز عليها بعض الشيء، فكانت على علاقة بالرومانسية بشكل عام، بينما نعيش اليوم عصر اللارومانسية . وهي إن لم تكن قد انقرضت على الأقل فإنها ندرت . وهذا ظاهر في النتاج الأدبي الذي نراه اليوم . ولعلّ مرد ذلك يعود إلى العصر المادي البحت الذي نعيشه . فالرقم اليوم هو اللغة المتسخدمة وتليه باقي اللغات .
لقد تغيرت العلاقات العاطفية وما نعرفه عبر التاريخ من علاقات لها طابع عاطفي بحت لم تعد موجودة الآن، إذ اختلطت العاطفة بالمادة فولّدت حالة هجينة لا تسمح بوجود علاقات كالتي كانت قائمة والتي ارتكز عليها أدب الرسائل قديماً .
لا أدري إن كان هو التطور؟ فإذا كان كذلك فهو تطور يسير باتجاه البشاعة، أدب من دون رومانسية بنظري ليس أدباً، فالرومانسية هي الأساس في العلاقات البشرية عموماً والشخصية من ضمنها .
أما لماذا ندر التخاطب الأدبي، فيرجع إلى أنانية متفشية في الأوساط الأدبية عموماً والإبداعية بشكل عام . الكلّ يفكر في نفسه وليس في الآخر، وسقط مبدأ التلمذة من حيث توارث الأجيال لمن سبقها، فثمة مدارس جديدة في الكتابة الأدبية تغتال الماضي الجميل، وخير دليل على ذلك هو ما نراه على سبيل المثال في الكتابة الأدبية التي تأخذ منحى جنسياً على الغالب ومثل هذا المنحى يسقط الأدب من مقامه السامي كما هي حالة مرضية ولا يمكن الخروج منها في المدى المنظور، وإن أراد أحدنا أن يقارب المنفلوطي في ترجمته لبول وفرجيني وتحت ظلال الزيزفون على سبيل المثال يصبح إنتاجه مدعاة للضحك، التركيز اليوم على الجسد وليس على الروح والنفس وهذه ظاهرة عامة في الأدب العربي عموماً، وذلك لأننا نأخذ مما يكتب في الغرب على صعيد الرواية وحتى في المسرح والسينما ومما يتناقض ويتنافى مع تاريخنا المبني على الكثير من الرومانسية التي أجد نفسي مضطراً للعودة إليها .
الكاتب الشيخ ولد سيدي عبدالله يرى أن آخر عهد للأدب العربي بأدب الرسائل كان مع مي زيادة وجبران خليل جبران وغسان كنفاني، راداً اختفاء أدب الرسائل بين الكتّاب في واقعنا الراهن إلى تغير الحياة ونمطها، وخاصة في مجال أنماط الاتصال مع الثورة المعلوماتية والمواصلاتية التي توجت بالثورة الإلكترونية .
ويقول إن أدب الرسائل كتب في فترات لم يكن يوجد فيها من وسائل الاتصال سوى الرسائل حيث كان الكاتب يراسل نظيره أو أستاذه أو غيره، مجتهداً في عرض معارفه وإحالاته ورموزه وإبداعاته وسعة اطلاعه، وتعددت أشكال هذا الأدب من رسائل تحولت إلى كتب، ومقالات أدبية شيقة إلى جانب أدبي إنساني يبوح من خلاله الكاتب بقدرته الأدبية أو العقلية كرسائل الألغاز التي عرفت عند الشناقطة، وكانت بمثابة شيفرة خاصة بين النخبة العلمية . ويضيف أما الآن فقد باتت وسائط الاتصال بأشكاله المختلفة من هاتف وفاكس وإنترنيت ومواقع تواصل اجتماعي توفر للكاتب خدمة الاتصال المرئي والمسموع، فقد انتفت الحاجة إلى الرسالة كوسيلة اتصال، وبذلك أيضاً انتفت الحاجة إليها كحاضنة أفكار ومشاعر بين الكتّاب، فلم يعد الكاتب بحاجة لأكثر من ضغطة زر للاتصال بزميله ومناقشة أفكار أو آراء أو بث هموم شخصية .
ويعتبر أن الكثير من وسائط الاتصال المعرفية القديمة انتفت الحاجة إليها، فحتى الكتاب الورقي يصارع اليوم للبقاء في صراع لمصلحة الكتاب الإلكتروني .
ويعتبر ولد سيدي عبد الله أن هناك تغيراً آخر صاحب ذلك وكان من دواعيه، وهو توجه المثقفين إلى الثقافة الاستهلاكية الجماهيرية على حساب ثقافة النخبة، حيث أصبح الكاتب يسعى إلى تعميم رسالته على جمهور المستهلكين نظراً لمتطلبات الحياة الجديدة الخاضعة في كثير من حركيتها ومحركاتها لمجتمع السوق، وبذلك أيضاً تم تجاوز هاجس التعقيد الذي كانت تتطلبه رسائل الماضي إلى هاجس التبسيط الذي يكثر عليه الطلب في المرحلة الراهنة نتيجة لعوامل كثيرة لعل من بينها نفاذ فئة العامة من الجمهور إلى الثقافة عبر وسائط الاتصال الحديث من صورة وصوت وإيحاء وتعبير بأشكال مختلفة، ولهذا فالكاتب اليوم يشعر أنه بحاجة لإيصال فكرته إلى أوسع جمهور مهما كانت محدودية معرفته وليس مجبراً أو مرغماً على الخضوع لاعتبارات النخبة وفق شعار الفن للاستهلاك، ووفق شعار أن الجمهور هو الذي بات يحدد مكانة الكاتب في عالم اليوم .
ومع ذلك لا نجزم أن أدب الرسائل اختفى بشكل كلي من عالم الوجود، إذ لم نطلع بعد على حقيقة ما يدور بين كتّاب عصرنا الراهن من خواطر ورسائل قصيرة نصية عبر الشبكة العنكبوتية، ستبقى إلى حين طي الكتمان لأسباب شخصية، وعلينا بالمقابل انتظار أن تفصح الأيام والحوادث عن تلك النتف والعبارات الموجزة التي يتبادلها الكتّاب عبر بريدهم الإلكتروني، فقد تكون مفيدة خاصة إذا عرفنا أن لغة الرسالة وأهدافها تغيراً كثيراً بعد تكييف الواقع للظروف، وتكييف الكاتب تبعاً لذلك لرسائله ومضامينها .
الكاتب حبيب الله ولد أحمد يقول لاشك في أن لكل واقع مقتضياته، وشروطه ووسائله وبالتالي كان من الحتمي أن يختفي أدب الرسائل بين الكتّاب في واقعنا الراهن نظراً للكثير من المستجدات التي لم تقض على أدب الرسائل وحسب، وإنما قضت أيضاً على الحس الجمالي لدى الكثير من الأشياء التي كانت من مميزات عصر ما قبل البريد السريع والفاكس والبريد الإلكتروني، كما أن اختفاء أدب الرسائل يدخل في إطار اختفاء عادة القراءة المتأنية والقراءة التأملية لمصلحة قراءة الفاست فود، أوالقراءة الفرجة تماماً كما بدأ ينحسر في عالم اليوم جمهور الرواية الورقية الطويلة وتحل محله قراءة الرواية المختزلة، كما حلت القصة الومضة أو قصة راحة اليد محل القصة القصيرة التي سيطرت لفترة طيلة .
وإذا كانت الرسائل الأدبية لوناً أدبياً لا يقل أهمية عن مختلف الفنون الأدبية الأخرى، فضلاً عن كونها وسيلة للتواصل بين الأدباء، فإن الوسيلة التي أصبحت تستخدم لحملها وهي البريد الإلكتروني، واختفاء الورقة التي كانت تكتب عليها، قد أفقدها الكثير من رمزيتها وقيمتها الأدبية، فضلاً عن استحالة أرشفتها .
تواصل
القاص جمال محمد عمر يقول لا يمكن الجزم البتة بأن أدب الرسائل قد اختفى بشكل نهائي، وإن كان بمقدورنا القول - من دون كبير عناء - إنه تطور وخرج من عباءته التقليدية المعروفة، ليواكب عصر السرعة والعولمة والتقانة .
إن أدب الرسائل موجود بيننا اليوم، ولكن بأنماط غير تقليدية، فالناس ليس لديهم الوقت اليوم لتدبيج الرسائل والإخوانيات بالشكل التقليدي المغلق المتعارف إليه، ولكنهم يحتفظون بنفس المشاعر والظروف - ومنها الغربة والشوق - التي تستدعي وجود رسائل ومكاتبات وإخوانيات، فالذي تغير هو الشكل وليس المضمون، فما يقوله عاشق عربي ولهان لحبيبته البعيدة عنه هذه الأيام بالإس إم إس، أو بشات (الفيس بوك)، أو رسالة إيميلية، هو نفسه ما كان يعبر عنه جده لجدته أيام العرب ومضاربهم وخيولهم وقصائدهم وملاسناتهم .