لم تفرز تكنولوجيا الإعلام الجديد ظواهر إعلامية جديدة فقط، وإنما أفرزت مصطلحات وتعابير أضيفت إلى القاموس الإعلامي المهني والأكاديمي، باعتبارها أحد مسارات إنتاج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والثورة الرقمية .
وما يثير الانتباه، بروز مصطلح صحافة المواطن التي نشأت في إطار ما عرف بالإعلام الجديد بوصفها ظاهرة معقدة ومركبة تولدت نتيجة لتداخل موجات متتالية من الظروف والعوامل المتعلقة بالتطور التكنولوجي الهائل في مجال الاتصال، ذلك التطور الذي أدى إلى ظهور
العديد من الأشكال المستحدثة من نظم الاتصال الإلكتروني، وأخرى متعلقة بتأثر الجمهور بعيوب إمكانات الإعلام التقليدي ومحدوديتها .
وقد عبر عن هذه الحالة أحد الباحثين الغربيين بقوله كل مواطن هو بالضرورة صحفي صاعد، يتحكم في زمن الأحداث ووقعها، فلا تستطيع أية وكالات أنباء أن تنشر صحفيين في كل الشوارع، فظهور الصحفي المواطن أصبح ظاهرة غير قابلة للتجاهل، فقد أظهرت أحداث التسونامي في جنوب شرقي آسيا وتفجيرات لندن وإعصار كاترينا في الولايات المتحدة حقيقة قوة وفاعلية هذه الظاهرة .
لعل اسم صحافة المواطن يثير شجون المواطن العربي، ويقترب من مداركه المعرفية والحسية والنفسية لأنه يشعره بوجود صحافة خاصة به، وهو الذي عاش لقرون تحت رحمة الصحافة الرسمية البليدة، وقمع السلطات وتكميم الأفواه، واستبدادية الحكام .
وإذا كانت الثورات العربية الأخيرة ولدت من رحم مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية، فإن التغطية الإعلامية لهذه الثورات قلبت مقاييس الإعلام العربي بعدما غزته صحافة المواطن بالصوت والصورة، ضاربة بعرض الحائط كل محاولات القمع والتعتيم التي تنتهجها أنظمة هذه الشعوب . وبالتالي فإن هذا المواطن الذي يقود الثورة على الأرض ومن ورائها على الصفحات الإلكترونية، يشكل في الوقت نفسه مصدراً أساسياً للإعلام الذي صدت أمامه المصادر التقليدية وتحولت هذه الصحافة إلى المادة الأساسية التي يعتمد عليها في نقل معظم مجريات الثورات .
وبعد، هل يمكن القول ان المواطن الذي امتلك حرية القول والكتابة في عصر الإعلام الرقمي، سيسيطر على المؤسسة الإعلامية الافتراضية، ويؤسس له صحافة جديدة، مثلما فعلها في ربيع الثورات العربية، فأسس له جمهورية جديدة اسمها جمهورية الفيس بوك، فأسقط الاستبداد في تسونامي الثورات الشعبية، وأنشأ المواقع والمدونات ليؤسس إعلاماً جماهيريا رقمياً أزعج السلطات الدكتاتورية، وثوّر الإعلام التقليدي الذي كان نائماً في قصور الرئاسات .
هل نحن بمواجهة قوية، وعصر جديد، يحتل فيه المواطن العربي ميادين الإعلام العربي ومؤسساته، مثلما فعلها في ميادين التحرير؟ وهل ينتهي عصر الإعلامي التقليدي، ويحل البديل الرقمي، الصحفي المواطن الذي يجيد التعامل مع تقنيات العصر؟ وهل تضمحل كليات الإعلام مقابل الصحفي الجديد الذي لا يجعل من المستوى التعليمي أو العملي أو الحالة الاجتماعية عائقاً في سبيل التعبير عن آرائه وتوضيح مواقفه من القضايا المختلفة؟
إن السهولة التقنية هي التي مكنت عامة الناس من تبني حركة التدوين، فليس للمواطن حاجة إلى معرفة معمقة في البرمجيات أو علم الحواسيب حتى يمكنه نشر أفكاره، فبإمكان كل فرد التعبير عن رأيه بكل سهولة، وذلك من خلال ما يوفره التدوين من فضاء اتصالي ومن نموذج معد وجاهز بشكل مسبق تقنياً للاستعمال الجماهيري .
صحافة المستقبل
لايزال هناك مولود عالمي في طور النمو، ويوماً بعد يوم تتضح ملامحه ومعالمه وتأثيراته الواسعة النطاق، والمراهنة عليه كبيرة في قلب المفاهيم والتصورات التي تعلمناها وورثناها وعرفناها عن الصحافة التقليدية، وقد أطلق عليه لقب صحافة المواطنين (Citizen Journalism)، ولا يحتاج المواطن التابع لدولة صحافة المواطن إلى غير الهاتف الجوال (A mobile phone 3G) ليتوجه إلى موقع الحدث ويقتنص الأخبار ويقوم بالتصوير ويعمل اللقاءات ويرسل لقطات الفيديو إلى الانترنت ويتحول إلى صحفي محترف .
وصحافة المواطن مصطلح إعلامي واتصالي في الوقت نفسه، وهو على المستوى التاريخي حديث النشأة، وهو مصطلح غير مستقر على المستوى المفاهيمي . وتشخص صحافة المواطن عند البعض على أنها إعلام المواطن، وعند مجموعة أخرى الإعلام التشاركي أو التفاعلي أو التعاضدي أيضاً، وعند آخرين الإعلام البديل أو الصحافة المدنية، إذاً فنحن أمام انفجار مصطلحي يصعب حصر تمثلاته ورواده، وتحديد أدبياته . لكن أمام هذه التداخل في المصطلحات فإننا نلاحظ إجماعاً على تبني مرجعيات مصطلح صحافة المواطن، وهو المصطلح الأكثر حضوراً في أدبيات الأطراف النشيطة في هذا المجال، وتوافقاً ضمنياً على دلالة هذه المفردة الجديدة في قاموس الإعلام والاتصال التي يمكن حصرها في اعتمادها على:
1 - شبكة الإنترنت فضاء للنشر والتعبير عن الرأي .
2 - تأكيد حضور المواطن في قضايا الشأن العام ودعم الممارسة الديمقراطية .
3 - اعتبار مخرجات صحافة المواطن امتداداً لمرجعيات الإعلام البديل والصحافة البديلة .
وقد برزت صحافة المواطن أحد أبرز عوامل النجاح في الحراك الشعبي الذي شهدته المنطقة العربية أخيراً، هذه الصحافة غير التقليدية التي لا تلتزم بالشروط المتعارف عليها للممارسة الصحفية كالعضوية الإلزامية في النقابات المهنية أو الحصول على شهادة جامعية، أو أن ينتمي إلى مؤسسة أو منظومة إعلامية . لقد أتاحت صحافة المواطنين الفرصة أمام كثير من الناس في أرجاء العالم لنشر الأخبار وتوضيح الحقائق ونشر المعلومات من دون أي رقابة مسبقة أو ملحقة، ما يؤكد أن الصحافة لم تعد مهنة نخبوية، فأيّ مواطن يمكنه أن يصبح صحفياً، عبر امتلاكه لوسائل التكنولوجيا الحديثة التي تتيح له الدخول إلى شبكة الإنترنت . ويبدو أن أدوات الإنترنت الجديدة وخدماته شكلت معايير وقيماً جديدة، لم تكن مألوفة في هذا الواقع، فقد وفرت فرصة عظيمة للشباب للتحرر من الإعلام الداخلي أو الموجه، وكذلك ملاحقة المعلومات في أي وقت وبكل سهولةٍ ويسر .
تاريخياً، بدأت ظاهرة صحافة المواطن في الولايات المتحدة الأمريكية نهاية القرن العشرين مع ظهور المدوّنات، وتزايد دورها وأهمّيتها بين عامي 2002 ،2003 مع إطلاق وسائل اتصال جديدة كالفيس بوك واليوتيوب، خلقت مناخاً جديداً للحصول على المعلومة والصورة .
إن واقع صحافة المواطن وأنماط الإعلام الجديد يمثل انتفاضة واضحة من جانب المستخدمين والجمهور معاً بشأن المحتوى المنتج، فلم يعد الاهتمام مقتصراً على المحتوى المؤسسي، ولكن تجاوز ذلك إلى المحتوى المنتج من قبل المواطنين أو المهتمين بالمدونات، وهذا خير دليل على بروز ذلك الاتجاه، حيث برزت أهمية عدد من المدونات لما تقدمه من محتوى قد لا يكون موجوداً عند غيره من وسائل الإعلام الأخرى .
إذاً صحافة المواطن هي الصحافة التي يقوم فيها المواطن بدور الصحفي الذي ينقل الأخبار من مواقع الأحداث الحية، مستخدماً كل الوسائل التكنولوجية المتاحة لعرض الخبر بصورة واقعية، وقد رأينا ذلك في الوسيلة الإعلامية الجديدة أي المدونات الإلكترونية التي أتاحت الفرصة أمام كثير من المواطنين في دول عديدة لتوضيح الحقائق ونشر الجرائم التي تخفيها قوى السلطة والحكم من دون أن يكون خلفه رقابة رئيس تحرير صحيفة أو مجلة تقوم بحذف ما يخاف منه النظام الحاكم .
ونجاح صحافة المواطنين في السنوات الأخيرة وبروز دورها المحوري في نقل خفايا أحداث مهمة بدءاً من تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة ،2001 مروراً بزلزال تسونامي/ إندونسيا 2004 ومن ثم تفجيرات مدريد 2005 وصولاً إلى الاحتجاجات على الانتخابات الإيرانية 2009 والثورات العربية 2011 وغيرها الكثير من الأحداث، جعلت السؤال التالي: إلى أيّ مدى تنافس صحافة المواطنين وسائل الإعلام التقليدي؟ يتردد كثيراً، سواء في أوساط الأكاديميين أو عامة الناس .
إن الإعلام الجديد يتصف بالديناميكية والتغير المستمر، ما يؤكد أن مستقبل تلك الظاهرة يدفع إلى التقارب بين وسائل الاتصال . فوسائل الإعلام أصبحت تتقارب وتتكامل من دون أن تنفي إحداها الأخرى، وهذا التقارب يحدث مع ارتفاع درجة توافر المعلومات، وتيسير بثها والحصول عليها، وارتفاع درجة التنافسية بين الوسائل الإعلامية المهنية وغير المهنية في ما يتعلق بالتعاطي مع الحدث والصدقية .
إن صحافة المواطن لم ولن تلغي الإعلام التقليدي، بل ستكون المكمل لدوره، والدليل على ذلك أن كلا من الإذاعة والتلفزيون والصحيفة والإنترنت لم يؤثر أحدها في موقع الآخر، بل على العكس من ذلك تحول الواقع الإعلامي إلى ما يمكن تسميته الإعلام المندمج الشامل، ذلك أن الاتجاه هو للتكامل ولجيل جديد وثقافة أكثر تقدما وعصرية للعمل الصحافي، لاسيما أن الناشط المعارض ومستخدم (تويتر) أو المدون بات كما الكاتب الصحافي في الجريدة، يستضاف في المحطات التلفزيونية للوقوف على رأيه والتعليق على حدث ما بعدما صار لصدقيته معيار .
وعندما ننظر بدقة إلى الصحافة التقليدية المهنية نجد أنها عملت على انحسار الوعي لدى المواطنين، وذلك بنشر كل ما يتوافق مع مصالح السلطات الحاكمة، وبالطبع فإنه سيتعارض مع مصالح المواطنين، من هنا يمكننا الخروج بفهم واضح، وهو التضليل والخداع هما من عناصر انعدام القيم والأخلاق لدى المسؤولين عن الصحافة التقليدية التي بدأت تنكشف بفضل المدونات الصحفية الجريئة للمواطنين .
كما أن صحافة المواطن أنهت احتكار الصحافة التقليدية للأخبار والسبق الصحفي وأصبح المواطن العادي يسبق الصحفي التقليدي في نقل الأحداث كما رأينا في تفجيرات بريطانيا وغيرها من دول العالم .
ومع ذلك تتميز صحافة المواطن من خلال أدبياتها بنقد وسائل الإعلام التقليدية وتأكيد مقدرتها على القيام بالوظائف والأدوار ذاتها بشكل مختلف على مستوى المنهج والخلفية . فصحافة المواطن لا تسعى إلى الربح، وذلك انطلاقاً من رفضها للخلفية المؤسساتية، ورهانات اقتصاد السوق، ونجد دلالات هذا الخطاب في جل افتتاحيات ومواثيق عمل صحافة المواطن .
إن ميدان الصحافة والإعلام لم يعد حكراً على الصحافة التقليدية بل دخلت إليه صحافة المواطنين ما سيصنع تنوعاً كبيراً في الموضوعات والأخبار لاسيما أن صحافة المواطنين لديها الجرأة في تناول الأحداث من وجهة نظر المواطن وليس من وجهة نظر السلطة أو الحكام .
صحافة المواطن: الوجه الآخر
توفر صحافة المواطن بيئة للنقاش والتفاعل وطرح الآراء ووجهات النظر المتنوعة ولاسيما من جانب الشباب تجاه مختلف القضايا العامة والحساسة، وتؤمّن فرصة عظيمة للتحرر من الإعلام الداخلي أو الموجّه، وتؤدّي دوراً رقابياً حاسماً في الدول التي تنعدم فيها حرية الصحافة، لكنّ هذه الأدوار المهمة تجعل المواطنين الصحفيين في مواجهة أخطار جمّة، تكاد لا تختلف في شيء عما يواجهه زملاؤهم المحترفون، سواء في أوقات الحرب أو السلم، كتعرّضهم لأعمال انتقامية في ردود فعل على ما يقومون به من أنشطة نقل الأخبار، وأحياناً تصل شدّة المضايقات وأعمال الترهيب التي تواجههم إلى درجة الاغتيال والتهديد بالقتل، والاعتداءات الجسدية، والاعتقالات والاحتجاز التعسفي والمراقبة والملاحقة القضائية، والواقع المحزن أن المواطنين الصحفيين لا يتمتعون بالمزايا التي يتمتع بها الصحفيون المحترفون من شهرة ودعم وحماية المؤسسات الإعلامية التي يعملون بها، ما يجعلهم أكثر عرضة للاعتداءات والمضايقات والانتهاكات .
ومع ذلك فإن ما يثير الانتباه حقاً، تسارع انتشار ظاهرة صحافة المواطن عربياً وعالمياً ما يؤكد تبلور نشوء (دولة صحافة المواطن)، وظهور المدونات والمواقع بشكل لافت للنظر، وتأثيرها الواضح في الحياة الإعلامية، ولنا أن نتصور، على سبيل المثال لا الحصر، أن كوريا الجنوبية، التي يوجد بها الموقع الإخباري الإلكتروني أوهماي نيوز (www.ohmynews.com ) الذي بدأ انطلاقته في عام ،2000 يعتمد على إلغاء وظيفة المحررين والصحفيين، ليكون القراء هم من يحررون الأخبار ويرسلون المقالات وهم من يقرأونها ويقيمونها، وهناك ما يقارب 60 ألف مواطن مراسل تراوح أعمارهم ما بين ال 10 أعوام وال 80 عاماً يسهمون في الكتابة وتزويد الموقع بالأخبار، وهناك ما لا يقل عن 100 ألف شخص في كوريا الجنوبية يقرأون ما في الموقع في أي وقت من اليوم .
ويعترف كبار التنفيذيين الإعلاميين بالتغير الكبير الذي تحدثه صحافة المواطنين على طبيعة العمل التقليدي للمؤسسات الإعلامية . فقد ذكر أوكانر وشيشتر Conor Schechter مؤسسا إحدى الشركات الإعلامية Globalvision أنه لسنوات وعقود كان الصحافيون هم الذين يملون ما ينشر على الجمهور من موضوعات وقضايا، ولكن مع الاتجاهات الجديدة لم يعد هذا المفهوم سائداً، فقد أصبح المواطن العادي يأخذ دوراً جديداً ليقول كلمته ويفصح عن رأيه . لقد انتقلت القوة الإعلامية إلى أياد جديدة: هي أيادي المواطنين الذين يمتلكون إمكانية الاتصال عبر الإنترنت . ويرى أوكانر وشيشتر أنه من الأفضل لوسائل الإعلام التقليدية ألاّ تعادي مثل هذه المواقع بل تحاول أن تدمجها في أهدافها الإعلامية . ويجب أن تتخلى وسائل الإعلام عن مفهوم السيطرة الكاملة على الإعلام والمعلومات حتى لاتفقد السيطرة على هذا المجال .
وفي محاولات جادة من قبل بعض المؤسسات الإعلامية لاستثمار مثل هذه الوسائل الإعلامية الجديدة صحافة الموطن، فقد سعت بعض هذه المؤسسات إلى ادماج جهود المواطنين الذين يمتلكون مواقع وخدمات إخبارية وإعلامية ضمن عمل وبرامج المؤسسات الإعلامية التقليدية .
والملاحظ أن الكثير من السياسيين قد تولد لديهم اهتمام بتوظيف هذه الوسائل الجديدة في خدمة رسائلهم السياسية ومحاولاتهم الالتفاف حول الحصار الذي تطبقه وسائل الإعلام التقليدية على بعض الساسة الناشطين، كما يرى بعض الساسة أن هذه الوسائل هي أوعية نشر إضافية يجب توظيفها للوصول إلى الجمهور العام أو جمهور خاص على وجه التحديد في خطوات لمزيد من التواصل بين السياسيين والمواطنين .
ولابد من الاعتراف بأن هناك تحديات كثيرة تواجهها صحافة المواطنين منها رد فعل وسائل الإعلام التقليدي والقوى السياسية المناهضة للديمقراطية وحرية الفرد لاسيما في الدول العربية التي تضع القوانين المقيدة لنشر الأخبار والتحقيقات الصحفية في الجرائم وقضايا الفساد المنتشرة، وذلك عكس الدول المتقدمة التي تحمي الصحفي المهني أو الصحفي المواطن .
لكن صحافة المواطنين بالرغم من العقبات والأجهزة الرقابية التي تستخدمها الأنظمة السياسية، فإنها ستفتح أبواب حرية التعبير ونقل الأخبار بشكل أوسع، لأنها صحافة تسمح للمواطن العادي بالقيام بدور الصحفي وتوصيل أفكاره بحرية إلى جمهور المواطنين بعيداً عن الانحطاط الفكري الذي تفرضه غرائز العنصرية والطائفية والإثارة الدينية .
إن صحافة المواطن هي رد فعل قد يكون في الوقت نفسه عفوياً وواعياً عن تقلص حضور المواطن في قضايا الشأن العام، وتأكيد لحالة من التشكيك في صدقية الصحافة، وهي بذلك تعكس ظرفاً حرجاً من عدم الثقة بين وسائل الإعلام التقليدية والجيل الجديد من مستخدمي الإنترنت والإعلام الإلكتروني .
ويبدو أن صحافة المواطن تسعى أكثر إلى إعادة الاعتبار والتمسك بسلة المثل التي تبشر بها الديمقراطية، وكيف أن المواطن بإمكانه أن يقرر مصيره ويحدد مستقبل أبنائه، ويختار نوعية الحياة التي يريدها . ومن خلال مشروعها لإنقاذ الديمقراطية تريد صحافة المواطن إنقاذ الاتصال والإعلام من آليات التوظيف والاحتكار . يصبح ذلك ممكناً من خلال تفعيل الجدل والحوار الديمقراطي حتى يتمكن الناس، كل الناس، من تحديد مستقبلهم الفردي والجماعي بكل حرية وشفافية، وبعيداً عن كل أشكال الضغط والتلاعب .
وستنجح صحافة المواطن عندما يدرك المواطن نفسه دوره الفعال والمؤثر في إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي عبر صحافة تلتزم بالقيم والأخلاق بعيداً عن التجارة بمستقبل وحياة البشر، وهذا يعني نقل الحقيقة بموضوعية وعدم الانحياز إلى جانب على حساب الآخر، بمعنى الابتعاد عن التكهنات والآراء الشخصية المتعصبة لفكر أو أيديولوجية معينة، وستكون صحافة المواطنين صحافة واقعية عندما تقدم خدماتها للمواطن بواسطة صحفي يستطيع استيعاب تكنولوجيا العصر لصنع صحافة الجماهير، وهذا ما ينتظره الجميع من أبناء الأوطان .
وكما يقال فإن (الماضي تاريخ والمستقبل مجهول واليوم نعمة)، ورغم أن الغد قد يحمل لنا الكثير من المفاجآت التي لم ولن تكون على البال، فإن اليوم أيضاً يحمل في طياته الكثير من التغيير لو أحسنا التعامل معه .
وكيل عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية
شبكة جامعة عجمان/ [email protected]