قرار مؤسسة سويفت عزل إيران عن نظام التحويلات المالية والمصرفية الدولية، مع قرارات العقوبات الاقتصادية الأخرى عليها، لا يمكن لدولة أن تتحمل نتائجه وأعباءه على الاقتصاد وعلى معيشة مواطنيها، إلا في حال وجود قرار سياسي كبير تتخذه الدولة المعنية في سياق استراتيجية جيوسياسية، تعتبرها أكثر أهمية من البقاء داخل النظام المذكور . ذلك أن نظام سويفت بات النافذة التي تربط بين المؤسسات المالية والمصرفية في العالم، وتقدر عملياته بنحو 6 تريليونات دولار أمريكي يومياً . وهذا الحجم الكبير من حركة التحويلات، مرتبط بدوره بتمويل استيراد وتصدير كل السلع والخدمات والموارد الطبيعية من دون استثناء . بما في ذلك التحويلات في ما بين الدول والمصارف المركزية . الدولة التي تشكل صادراتها من النفط المورد الرئيس من العملات الأجنبية، وتحتاج إلى اعتمادات تمويل لا غنى عنها لتأمين حاجات المعيشة اليومية لشعبها، لا قِبل لها على التعامل مع نتائج عزلها عن مجتمع المال والمصارف الدولية مهما كانت الأسباب والمسوغات . وتقدر سويفت عمليات سداد المدفوعات التي أجرتها إيران من خلالها بنحو مليوني عملية في 2010 .

الصحافة العالمية وجدت في قرار سويفت وسيلة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لدرء التهديد الإسرائيلي بقصف المفاعلات النووية الإيرانية . في أي اتجاه كانت قراءة القرار، بيد أنه قد يعزز مخاوف الدول الغربية من أن إيران التي تجاوزت مستوى تخصيب اليورانيوم بما يفوق الحاجة لاستيلاد الطاقة النووية السلمية، وفي طريقها إلى تصنيع السلاح النووي . بافتراض هذا الاستنتاج، وبصرف الاعتبار عن المدة التي قد يستغرقها الأمر، هل تقوى إيران على تحمل وزر العقوبات الاقتصادية في التجارة والاستثمار والنمو والتراجع الهائل في سعر صرف عملتها والوضع المعيشي لأهلها، في سبيل حيازة السلاح النووي فقط؟ الأدهى أن إيران ما فتئت تؤكد الأغراض السلمية لحيازة الطاقة النووية . إذا صدقت النوايا الإيرانية تغدو الشكوك الغربية في غير مكانها . أوَيكفي تمسك إيران بحقها المبدئي وهو صحيح - في حيازة طاقة نووية حتى لتصنيع السلاح النووي، طالما أن المعترضين يملكون هذا السلاح، في مقابل تدمير اقتصادها وتجويع أهلها؟ وأي قوة ترجى من طاقة نووية سلمية وعسكرية في مجتمع يبدد موارده الكبيرة بسياسات صلفة وخاطئة؟

تعتقد إيران أن في وسعها بعد التحلل من العقوبات الاقتصادية والمالية، بما في ذلك استبعادها من نظام سويفت - هذا أمر فيه استحالة الآليات القديمة للتحويلات المالية التي كانت سائدة في السبعينات قبل إحلال نظام سويفت، سواء من خلال الاتفاقات الثنائية التي تعتمد التحويلات فيها على الاتصالات البدائية أو الحديثة من خلال البريد الإلكتروني - لم تعد صالحة ولا آمنة . سهولة اختراقها متوافرة حتى للوصول إلى وزارة الدفاع الأمريكية كما حصل . هذا إذا قبل مصرف التعامل بهذه الطريقة وتحمل مخاطر الغرامات والتصفية معاً . التعامل مع المصرفين المركزيين في روسيا والصين اللذين استقبلا كما قيل، تحويلات من المصرف المركزي الإيراني لغايات تمويل مستوردات إلى إيران، مسألة مكلفة جداً وتحتاج إلى وسائل نقل وشركات تأمين روسية وصينية . وطاقة سدّ احتياجات إيران عبر هذه الوسيلة تبقى محدودة . أسلوب المقايضة الذي يرجع التجارة أكثر من مئة عام إلى الوراء اذا توافر، فشرطه التكافؤ بين سلع المقايضة وتغطية الرصيد السلبي في فوارق الأسعار . وهو في حالة إيران لغير مصلحتها . باختصار: ما من مؤسسة مالية وتجارية، أو من دولة لها مصلحة في خرق العقوبات خصوصاً المتصلة بالتحويلات المالية حتى لو توافرت القدرة على الخرق .

لا يبدو أن لائحة العقوبات على إيران قد حطت رحالها عند قرار سويفت . بل إلى مزيد . قد يفاجأ كثيرون أن بعض المصارف الأوروبية كانت للأمس القريب تمول مستوردات حيوية مكتومة لإيران، من خلال تجار غير إيرانيين ولبلاد أخرى . بعض هذه الدول، ومن بينها مجاور لإيران تبلغ إنذاراً أمريكياً وتوقف . ما لم تقدم عليه الولايات المتحدة بعد، هو إدراج كل المصارف والشركات التجارية والنقل والتأمين، الأوروبية منها في المقام الأول في اللائحة السوداء، التي تستبعدها من التعامل مع الجهاز المصرفي الأمريكي ومع كل شركات التجارة والنقل والتأمين الأمريكية . هناك حديث في الكونغرس الأمريكي عن عقوبات قريبة تشمل الاتصالات والبرمجة والتكنولوجيا من كل الأصناف والأنواع . ولا مجال مع هذا القرار الاكتفاء بالغرامات المالية على المخالفين . لا يوجد عاقل يتحمل مخاطر من هذا النوع، مهما بلغت حدود مقايضة المخاطر بالمال والربحية .

الأنباء الواردة من العراق الذي تمثل تجارته النظامية مع إيران نحو 8 مليارات دولار أمريكي، تفيد بإفلاس تجار وشركات تجارية عراقية توقفت عن قبول الريال الإيراني الذي خسر نحو نصف قيمته التحويلية في غضون سنة . ماذا عن التجار والشركات الإيرانية بعد انسداد أبواب التحويلات في وجهها؟ ونسمع من الرئيس محمود أحمدي نجاد زيادة موازنة وزارة الدفاع لسنة 2012 بواقع 127 في المئة! بؤس . وشتان بين البؤس والبأس .

صحافي وكاتب لبناني