تثير عالمة الفيزياء المصرية الهاربة إلى إسرائيل نهى حشاد، في كل يوم مزيداً من الغموض، ليس فحسب بسبب ما تتناقله عنها وسائل الإعلام المصرية في الداخل من مواقف وتصريحات، وإنما بما يتضمنه ملفها الأمني من وقائع تتعلق بهروبها من مصر في 14 إبريل/نيسان من العام الماضي، وهو ما ردت عليه حشاد عبر صفحتها على شبكة التواصل الاجتماعي فيس بوك، نافية جميع الاتهامات التي وجهت إليها على مدار عام كامل، مؤكدة أنها سافرت إلى إسرائيل لتلقي العلاج من مرض سرطان الثدي .

منذ خروجها من مصر قبل نحو عام، ونهى حشاد البالغة من العمر 47 عاماً تثير فضول كثيرين، وتفجر العديد من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية، التي دفعتها في النهاية للهروب إلى إسرائيل، تاركة خلفها منصباً علمياً مرموقاً، إذ كانت تشغل حتى وقت قريب وظيفة مدرس مساعد بكلية العلوم التابعة لجامعة بني سويف، بعد حصولها على درجة الماجستير في الفيزياء النووية، وإنهائها لرسالة في نفس الموضوع تتيح لها الحصول على درجة الدكتوراه، قبل أن تقوم إدارة الجامعة بتعطيلها حسبما تقول هي على مدونتها الخاصة، بل وبيعها لجهات غير معلومة!

قبل يومين نشرت حشاد التي تعيش حالياً في منزل صغير في مستوطنة موشاف كفار بوفال في منطقة النقب، العديد من الوثائق التي سعت من خلالها إلى تبرئة نفسها مما يلاحقها من اتهامات، مؤكدة أنها لم تهرب من مصر، وأنها خرجت بطريقة رسمية وبموافقة السلطات إلى الأردن ومنها إلى إسرائيل، لتلقي العلاج وإجراء سلسلة من الفحوص الطبية بعد إصابتها بسرطان الثدي، لكنها، في الوقت ذاته، لم تقدم تبريراً منطقياً عن سبب بقائها طوال تلك الفترة في دولة الكيان، ومشاركتها في العديد من الفعاليات التابعة لحركة أمناء إسرائيل اليمينية المتطرفة، فضلاً عن العديد من المؤتمرات العلمية التي تنظمها جامعة بار إيلان، التي تحدثت فيها عن حق اليهود في العودة إلى أرض الميعاد باعتباره من النصوص الصريحة في القرآن الكريم!

ربما يكفي ما نشرته صحيفة الأهرام أمس من معلومات للإجابة عن كثير من الأسئلة التي أثارها خروج نهى محمود عوض حشاد من مصر، على هذا النحو الذي جرى قبل عام، والذي كان تتويجًا حسبما تقول تقارير أجهزة الأمن لاتصالات مباشرة جرت بينها قبل سنوات، وبين ناشطين إحدى أشد الحركات اليمينية تطرفاً، انتهت في مايو/ أيار من العام الماضي، عندما وصلت حشاد إلى المنفذ البري الذي يربط بين الأردن وإسرائيل، لتجد في استقبالها هناك صديقها المقرب رافائي لابينوفيتش الذي لعب الدور الأكبر في تنسيق عملية الهروب، ثم الإقامة في إسرائيل .

يروي اللواء سامح سيف اليزل الخبير الإستراتيجي ومدير مركز الجمهورية للدراسات الاستراتيجية والأمنية الذي يصنف باعتباره أحد المراكز التابعة لجهاز المخابرات المصرية، قصة نهى حشاد، بداية من نشأتها حسبما يقول: في أسرة مفككة بسبب انفصال والديها قبل سنوات بعيدة، وتأثير ذلك الانفصال في علاقتها بوالدها، الذي كان يعمل نائباً لمدير المعهد العالي للتخطيط قبل إحالته إلى التقاعد منذ سنوات بعيدة، وهي العلاقة التي ظلت سيئة طوال الوقت، ولعبت دورًا كبيرًا في وقت لاحق في إصابة نهى باضطراب عصبي بدا لافتاً في معظم تعاملاتها مع الآخرين .

التحقت نهى بقسم الفيزياء التابع لكلية العلوم جامعة بني سويف، وحصلت على درجة البكالوريوس في العلوم في عام 1987 بتقدير ممتاز ليتم تعيينها معيدة بالكلية، لتحصل على درجة الماجستير في الفيزياء في مارس/ آذار من عام ،2001 وتشرع في إعداد رسالتها لنيل درجة الدكتوراه، وهي الدرجة التي لم تحصل عليها حتى قيام الجامعة بإنهاء خدمتها في 30 إبريل/نيسان من العام الماضي بسبب انقطاعها عن العمل .

كان لآراء نهى الصادمة والمخالفة للإجماع الوطني، فيما يتعلق بحق اليهود في تكوين دولتهم الكبرى من النيل إلى الفرات، دور كبير في أن تلفت انتباه العديد من الأجهزة الأمنية، ويقول اللواء سيف اليزل: رصدت الأجهزة تحركات نهى حشاد منذ محاولتها الأولى للسفر إلى إسرائيل، وادعاءاتها بأنها من أسرة لها جذور يهودية، وأن لديها حنينا للعودة إلى إسرائيل، التي كنت تلقبها بأرض الميعاد، وقد كانت هذه الادعاءات سبباً في بدء الاتصالات بينها والسفارة الإسرائيلية بالقاهرة، ثم المركز الأكاديمي الإسرائيلي الذي تعامل معها باعتبارها مناصرة لإسرائيل .

في غضون أسابيع قليلة، نجحت أجهزة الأمن المصرية في تتبع خطوات نهى حشاد واتصالاتها مع الموقع الرسمي لحركة أمناء إسرائيل، وتبادل المراسلات مع الحاخام الإسرائيلي المتطرف هاليل فايس، وقد قام الأخير بتأسيس ما يسمى شعبة أساتذة الجامعة للدفاع عن إسرائيل سياسياً واقتصادياً، إلى جانب عمله رئيساً لحركة أمناء الهيكل، وهي حركة يمينية متطرفة تتولى عمليات البحث عما يسمى هيكل سليمان تحت المسجد الأقصى . ويقول اللواء سيف اليزل: كان فايس هو أول المؤسسين للاستيطان الإسرائيلي في المنطقة الغربية من الضفة الغربية، عندما نجح في بناء أول مستوطنة تسمى (الكانا) في عام ،1972 وقد توطدت علاقة نهى حشاد به إلى درجة أنه تولى مهمة تعريفها بعدد من أنشط أعضاء هذه الحركة، ومن بينهم رافائي لابينوفيتش الذي تعهدها برعايتها حتى نشأت بينهما صداقة قوية عبر شبكة الإنترنت، واستمرت الاتصالات بينهما عبر البريد الإلكتروني، حتى بدأ رافائي يفاتحها في فكرة ضرورة حضورها إلى إسرائيل .

حاولت نهى حشاد أكثر من مرة السفر إلى تل أبيب، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، قبل أن ينجح رافائي في ترتيب رحلة الهروب في الوقت الذي كانت فيه حركة أمناء إسرائيل تشرع في سلسلة من الاتصالات مع بعض أساتذة جامعة بار إيلان لتوفير فرصة عمل لها فور وصولها . ويقول اللواء سيف اليزل: غادرت نهى مصر في مايو/ أيار من العام الماضي إلى الأردن، ومنها إلى إسرائيل عبر المنفذ البري، وكان في استقبالها صديقها المقرب رافائي لابينوفيتش الذي وفر لها السكن، فيما كانت الحركة تتولى مهمة ترتيب مشاركتها في عدد من المؤتمرات داخل جامعة بار ايلان، حيث تحدثت نهى بشكل صريح عن دعمها لفكرة حدود الكيان من النيل إلى الفرات وأعربت عن رغبتها في البقاء هناك . المعلومات التي قدمتها أجهزة الأمن عن حشاد ونشرتها صحيفة الأهرام، تتعارض على نحو كبير مع ما سعت إلى ترويجه عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، من أنها سافرت إلى إسرائيل بغرض العلاج، وأنها تعرضت إلى اضطهاد كبير أثناء عملها بالجامعة، بلغ حد سرقة رسالتها العملية، وملاحقة أجهزة الأمن لها، واعتقالها ست مرات متتالية .

الحقائق على الأرض فيما يتعلق بقصة نهى حشاد المثيرة تشير إلى وقائع لا يمكن إغفالها، وهي لا تتوقف عند حد ما قدمته أجهزة الأمن المصرية من معلومات دقيقة، حول اتصالاتها التي استبقت سفرها إلى إسرائيل، أو مشاركتها في العديد من المؤتمرات التي نظمتها جامعة بار ايلان، وهرطقاتها فيها حول ما تصفه ب نصوص في القرآن الكريم تتحدث عن حق اليهود في العودة إلى أرض الميعاد، كما أنها لا تتوقف أيضا على ما اعترفت به هي شخصياً على صفحتها الرئيسية على شبكة التواصل الاجتماعي، من أنها تسعى لتأسيس مركز للسلام في الشرق الأوسط يعبر عن معتقداتها في حق اليهود التاريخي وغيره من الخرافات الصهيونية، وإنما يتعلق على نحو مباشر بالإجابة عن سؤال في غاية الأهمية: هل يكفي تعرض مواطن في بلده إلى تعسف من نوع ما (على فرض صحة ذلك) مبررًا لأن يلقي بنفسه في أحضان إسرائيل؟