ليس جديداً أن تتمّ الإشارة هنا وفي أيِّ مكان آخر، إلى أهمية الحوار بالنسبة إلى الإنسان، بشكل عام، في ظلِّ توافر حالة الوعي، هذه الحالة التي تحقق شروطه في صيغته المتوخاة، على اعتباره أحد أهمّ شرايين الحضارة، والتقدم، بل والحياة، في مجالاتها الهائلة، ليكون له فعله التحولي، وفق سيرورة الزَّمان، وصيرورته المعروفتين .

وللحوار، ضمن مثل هذه الرؤية أبجديته المسلّم بها، والتي لابد من معرفتها، من قبل طرفيه، أو سائر أطرافه، المتحاورين، في حال تعددهم، وهو أمر جد عادي، وقد يدخل ضمن معادلة الأطراف العالم كله، أو مجموعة الحضارات المتعاقبة على وجه البسيطة، حتى ينتقل من خانة الخطاب، أو الحكي، إلى عالم الحوار الجدلي، ولئلا يكون جسداً بلا روح، لا طائل منه البتة .

وإذا كانت للحوار عادة مفرداته التي لابد منها، كي يستقيم، ويفعل فعله، فإن انتقاء مثل هذه المفردات يأتي كنتاج للحالة المعرفية، والدُّربة، والمران، كي يؤدي المهمات المطلوبة منه، في مجال تفعيله، لأن هناك، في المقابل، مفردات حوارية، لا طائل منها البتة، تشتت بؤرة النقاش، اللازم تأطيره، وتحديده، ومن الضروري أن تكون هذه المفردات معروفة، من قبل الأطراف التي تخوض غماره، واقعية، ممكنة التناول، بعيدة عن الاستيهام، والفنتازيا، والرجرجة، والزئبقية، التي تجعلها وهي الأداة عصية على الإمساك بها، لأداء وظيفتها المبتغاة، ضمن المختبر الحواري .

ولعلَّ الإقدام على الحوار لايكون في منظور طرفيه، أو أطرافه، على قدر واحد من العناية والاهتمام، حيث لابد من الحب، وصفاء النوايا، أثناء خوض غماره، وأن يكون محقِّقاً لمصالح المتحاورين على حدِّ سواء، وإن بدرجات متفاوتة من النتائج، إذ طالما هناك من يلجأ إليه، لدواع لا تتعلَّق بالحرص على أهميته العظمى في حياة البشر، وذلك إما لما له من خلِّب شكلي براق، لأداء غرض آني، موقوت، فيكون بذلك مدعاة إلى اللاحوار، أو لنسف بنيانه، وتقويض أركانه، والدخول في فضاء طاحونة تدور رحاها، عبثاً، لإضاعة فرصة الحوارالحقيقي، والإجهاز عليه، على اعتبار أن للحوار زمانه ومكانه اللازمان .

إن في توافر لغة الحوار بين أفراد الأسرة الواحدة، ما يكفل نجاح أفرادها في تحقيق مهماتهم، كما أن في توافرها في مدينة ما، ضمانة لتعيش في طمأنينة، وسلام، وتقدم، وأن في توافرها بين أبناء شعب وآخر، أو بين شعوب العالم، ما يكفل انتفاء الأذى والحروب وثقافة الضغينة، بل إنها لتشيع التوادد والتلاحم، وتحقق الشرط الحياتي .

ومادام الحوار، على هذا القدر الكبير من الأهمية، فهو ليرتقي إلى مقام الهواء، والماء والرغيف، بالنسبة إلى الإنسان، ولابد من أن يعنى به، على نحو خاص، بدءاً من البيت والشارع والمدرسة، وانتهاء بالمؤسسة، من دون القفز على المونولوج الذاتي، الواعي، وذلك ضمن سلم الأولويات في عالمه، لنعرف جميعاً: ماذا، ولماذا نتحاور؟ وكيف نتحاور، وبم نتحاور، ولم نتحاور؟ وهي ركائز مهمة، من أجل حوار أكثر أهمية، حوار من دون نوافل وترهات وثرثرات، حوار فيه منجاة مركبتنا الإنسانينة الكبرى، إلى ضفة الأمان والسلام .

[email protected]