يدرس اختصاصيو الفيزياء الفلكية في النرويج بشكل دقيق ومفصل ظاهرة الشفق القطبي التي يرجع حدوثها فوق المناطق القطبية إلى الرياح الشمسية . والشفق القطبي هو مزيج من الألوان الخلابة التي تتشكل فوق القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية ويعرف بأسماء أخرى كالفجر القطبي أو الأضواء القطبية . وظاهرة الشفق القطبي من الظواهر الجميلة التي تضفي البهجة على من يشاهدها .
السبب المباشر لتلك الألوان المتغيرة هو اصطدام الجسيمات المشحونة عالية السرعة الآتية من الشمس بذرات الهواء في طبقات الجو العليا . وتأتي تلك الجسيمات المشحونة من الرياح الشمسية، حيث يوجهها المجال المغناطيسي للأرض ويبعدها عن دخول جوها، لكن في الوقت نفسه يوجه بعضاً منها لتهبط على القطبين بعيداً عن الأماكن المأهولة .
وبهذا نجد أن المجال المغناطيسي للأرض يحمي الكائنات الحية من تلك الجسيمات الخارقة الضارة بالحياة . وأثناء دورات النشاط الشمسي تحدث عواصف مغناطيسية شديدة تؤثر في الأرض . وتظهر الأضواء القطبية (أورورا) في منطقة تمتد بين حيز يبعد نحو 10 إلى 20 درجة عن القطب المغناطيسي للأرض وتؤثر العواصف المغناطيسية التي تضرب الأرض في الاتصالات والأنظمة الكهربية في المحطات وشبكات المعلوماتية وأجهزة تحديد المواقع (GPS) .
ومنذ أن دخلت الشمس في العام 2011 مرحلة النشاط الشديد لا يكاد الباحث جون ليلونستن مدير الأبحاث الفيزيائية والفلكية في معهد علم الكواكب والفيزياء الفلكية في غرونوبل وزميله ماثيو بارتيميلي المحاضر في جامعة جوزيف فورنيه بغرونبول يتركان شاشات الرصد في مختبرهما الذي تصل إليه أحدث الصور من الكاميرات الحساسة الموجهة إلى السماء على مدار الساعة لالتقاط أدق إشارة عن حدوث ظاهرة الشفق القطبي .
وفي فبراير/شباط 2012 ظهرت فجأة سحابة ضوئية على أطراف الشاشة جعلت الباحثين يشمران عن سواعدهما ويتأهبان لسلسلة من الأبحاث بالتعاون مع اتحاد العلماء الأوروبيين لرصد حالة التبدد غير المترابط الناتجة عن ظاهرة الشفق القطبي، التي يشار إليها اختصاراً ب EISCAT .
ويقول بارتيميلي كانت الظاهرة كثيفة إلى درجة جعلتنا نصاب بالدهشة والذهول لعدة دقائق ونحن نلاحظ أضواء تنبعث من السماء تميل حيناً إلى اللون الأخضر المصفر وأحياناً أخرى نحو الاحمرار بتدرجاته ويضيف: التموجات الهادئة لتلك الأضواء السحابية والتفافها حيناً وصعودها وهبوطها أحياناً أخرى جعلتنا في حالة من الانتشاء التام والانبهار بروعة هذه الظاهرة الرائعة . . ويشير زميله ليلونستن إلى أن الأشهر الطويلة التي مكثها وراء أجهزة الحاسوب يحضر لمثل هذه اللحظة بإجراء الحسابات عند خط عرض 78 درجة شمالاً لم تذهب سدى، لأن شدة الشفق القطبي التي أشعلت السماء في الليل تشير بوضوح إلى وقوع عاصفة شمسية غير مسبوقة كانا بصدد تسجيلها على أجهزة الحاسوب .
عواصف سريعة
إذا كانت الشمس دخلت منذ يناير/كانون الثاني 2011 في مرحلة نشاط شديد فإن ذلك بدا واضحاً من خلال البقع السوداء الكثيرة الموزعة على قرصها التي ما برحت تكبر في أحجامها كدليل على النشاط الشديد جداً للشمس .
ودورة النشاط الشمسي تمر بمرحلة متكررة تحدث كل 10 13 سنة حيث ينقلب خلالها المجال المغناطيسي للشمس رأساً على عقب بمعنى أن الشمال يصبح جنوباً والعكس .
ويشير الباحث ليلونستن إلى أن ما يسمى الاكليل الشمسي يقذف كميات هائلة من فقاعات البلازما التي تغير خصائص الرياح الشمسية المشحونة بالأيونات والإلكترونات تصل سرعتها إلى أكثر من 300 كلم في الثانية، بل يمكن أن تبلغ في بعض الأحيان 600 كلم في الثانية ويضيف الباحث ان الطاقة الناتجة عن هذه الرياح وسرعتها هذه يمكن أن تبلغ خلال دقائق ما يكافئ الطاقة التي تنتجها 30 مليون محطة كهربائية بقوة 1000 ميغاواط وتعمل لأكثر من 100 سنة .
المذهل أن المجال المغناطيسي المحيط بالأرض ويعمل بمثابة الدرع الواقية ينضغط أثناء تعرضه لصدمة الرياح الشمسية القوية . ونتيجة لذلك فإن جزءاً من الجسيمات المشحونة ينجح في النفاذ عبر هذه الدروع، في حين أن جزءاً آخر ينصب كالسيل الجارف على القطبين الشمالي والجنوبي، باعتبارهما منطقتين ضعيفتين من الناحية المغناطيسية .
وعندما تصل الايونات والإلكترونات إلى المناطق العليا في الغلاف الجوي فإن خطوط قوى المجال المغناطيسي الأرضي توجهها بعد أن تصطدم بجزئيات الغاز التي تستثار بدورها في تلك المنطقة، وعندما تزول استثارة هذه الجزئيات تصدر ضوءاً وذلك على غرار ما يحدث في أنبوبة النيون . وهكذا تتشكل أمامنا في الفضاء سحابتان بيضاويتان مضيئتان بشكل تناظري وتكونان بالتحديد فوق القطبين بارتفاع يتراوح ما بين 70 300 كلم .
ويمكن لظاهرة الشفق القطبي أن تصل إلى خطوط عرض منخفضة كما حدث في الأول من سبتمبر/أيلول 1859 حيث وقعت عاصفة شمسية شديدة للغاية ووصلت شحنات تلك العاصفة إلى بنما عند خط عرض 9 درجات شمالاً .
وعلى الأرض يقوم فريق الباحثين الفرنسيين باصطياد هذه العواصف المغناطيسية على مدار اليوم حيث تبث هوائيات المحطة حزماً من الموجات تبلغ قوتها (1) ميجاواط إلى أعالي الغلاف الجوي عند طبقة يتراوح ارتفاعها ما بين 80 400 كلم وتسمى الايونوسفير . من ناحية أخرى تستقبل هذه الهوائيات معلومات تتعلق بالخاصية الفيزيائية للتفاعلات الناتجة عن النشاط الشمسي مع بيئة الأرض، وتقوم أجهزة الحاسوب بتسجيل تركيز الايونات والالكترونات ومقدار طاقتها وسرعتها وذلك بشكل مباشر، ويقول الباحث جون ليلونستن إن التزايد الشديد في النشاط الشمسي الذي يفترض أن يبلغ ذروته خلال العامين 2012 و2013 سيقدم لنا مجالاً واسعاً لإجراء التجارب لأنه إذا كانت تأثيرات العواصف المغناطيسية معروفة نوعاً ما بالنسبة لنا، لا سيما في عصر أصبحت فيه تكنولوجيا اليوم تعتمد بشكل مباشر على الاتصالات والأقمار الصناعية (GPS) وشبكات المعلوماتية فإنه حري بنا أن نتعمق في دراسة الظاهرة لإيجاد حلول ممكنة إذا ما لزم الأمر للمشاكل التي يمكن أن تنجم عن هذه العواصف . والسبب أن هذه المشاكل تؤثر كثيراً في المعدات الفضائية والأقمار الاصطناعية حيث تتسرب كمية هائلة من الجسيمات ذات الطاقة العالية جداً وتتسبب في تدمير الترسانة الإلكترونية الموجودة فيها، لا سيما تلك المثبتة على الألواح الشمسية الأمر الذي يؤدي بالنتيجة إلى إيقاف الجهاز أو القمر الاصطناعي عن الحركة أو تغيير مساره، وبالتالي تعطيل كل الاتصالات مع الأرض .
وثمة مثال واضح وشهير على ذلك، ففي مارس/آذار 1989 أدت العواصف المغناطيسية التي ظهرت في الشمس إلى العمل على إبطاء حركة أكثر من 1400 قمر اصطناعي لمدة 17 يوماً في حين أن أربعين قمراً تعرضت للتلف الكامل خلال موجة العواصف المغناطيسية التي حدثت في ديسمبر/كانون الأول ،2006 ما أدى إلى حدوث اضطرابات كبيرة في أنظمة العمليات العسكرية في عدة مناطق في العالم، وقبلها حدث الأمر نفسه خلال بدايات غزو العراق، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2003 توقفت بعض أنظمة الرادار والتجسس جراء العواصف المغناطيسية، كما ألغيت العديد من الرحلات التجارية إلى المناطق القريبة من القطبين أو التي تمر عبر القطب الشمالي، بل إن بعض الرحلات فقد اتصاله مع المحطات الأرضية لأكثر من ساعة .
ويشير الباحث جون ليلونستن إلى أن الموجات الراديوية التي تبثها الشمس عملت على تشويش الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية محدثة تدخلات وانقطاعات، كما أن التيارات الكهربائية المشوشة والمتولدة جراء وصول الرياح الشمسية إلى أعالي الغلاف الجوي للأرض لها نتائج سلبية على المعدات البشرية الموجودة على الأرض التي تسهم في توزيع وإنتاج الكهرباء للمنشآت . مثلاً، وجد أكثر من 6 ملايين كندي أنفسهم في الظلام التام ولمدة 9 ساعات في 13 مارس/آذار 1989 عندما أدت التغيرات الكبيرة في المجال المغناطيسي للأرض إلى إذابة المحولات الهيدروكهربائية في منطقة الكويبك الكندية التي تعتبر المنتج الرئيس للكهرباء في كندا، وبلغ مقدار الخسائر الناجمة عن هذا الحدث ما بين 3 6 مليارات دولار أمريكي . وأرجع الباحثون الكنديون هذه الكارثة إلى التيارات الكهربائية التي تنتشر أثناء وقوع العواصف المغناطيسية وتعمل على تسارع عملية تآكل خطوط الإمداد بالكهرباء تحت أراضي ألاسكا .
الإنذار المبكر
أمام النتائج الاقتصادية والتكنولوجية التي تحدثها الانفجارات الشمسية، اضطرت أنظمة الدفاع العسكرية والملاحة الجوية والفضائية لعدد كبير من البلدان إلى تمويل برامج للأبحاث الخاصة بهذا المجال منذ سبعينات القرن الماضي . وتقوم أقمار اصطناعية متخصصة ومسابر فضائية داعمة بتسجيل كل ما يحدث على سطح الشمس على مدار اليوم لإبقاء المحطات الأرضية في وضعية الإنذار في حال وقوع عاصفة شمسية خطرة على الأرض .
ومن هذا المنطلق، ظهر علم جديد يسمى علم الأرصاد الفضائية الذي سرعان ما ظهرت نتائجه الإيجابية، فمنذ عشر سنوات بالتحديد أصبح مهندسون كنديون وأمريكيون واسكندنافيون قادرين على ضبط التدفقات الكهربائية المشوشة بفعل العواصف المغناطيسية بشكل مباشر وبالتالي العمل على الوقاية من مخاطر حدوث فائض في الجهد الكهربي . ويعتقد جون ليلونستن أن التطورات التي حدثت خلال السنوات الأخيرة في هذا المجال كانت كبيرة جداً، لأن الباحثين فهموا جيداً هذه الظواهر ولذا يوجد اليوم أكثر من 13 مركزاً للإنذار المبكر في شتى أنحاء العالم لاتقاء شر العواصف المغناطيسية قدر الإمكان .
ويضيف أن المسألة تخص كل سكان العالم، ولذا تنشر المعلومات عن العواصف المنتظرة بالمجان ليكون الجميع على علم بها .
ويوضح ليلونستن أن كل اللاعبين الرئيسين في الاقتصاد العالمي مهتمون بما يسمى اليوم علم الارصاد الفضائية لاسيما شركات النفط التي تهتم بالبحث عنه في أعماق الأرض والبحار وتقوم أبحاثها على معرفة المجال المغناطيسي للمنطقة المعنية بالبحث، اضافة إلى وكالات الفضاء والطيران التي يهمها عدم تعرض عامليها إلى فائض من التيارات الكهربائية القادمة من الفضاء أثناء وقوع العواصف الشمسية . أما منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE فتعمل على تحليل كل الأحداث التي من شأنها إثارة اضطرابات في شبكات المعلوماتية التي تعتمد على الأسواق المالية بشكل أساسي في أيامنا هذه .
ويرى ليلونستن أن اختصاصيي علم الارصاد الفضائية اليوم يمكن أن يشبهوا أنفسهم باختصاصيي علم الأرصاد الجوية في بداية القرن العشرين، إذ كانوا قادرين على شرح ظاهرة الأعاصير الجوية لكنهم كانوا لا يستطيعون التنبؤ بحدوثها بدقة، ولذا فإن المعطيات التي تجمع في القطب الشمالي عن طريق فريقه العلمي سوف تمكن الباحثين من تحسين معارفهم بظاهرة العواصف الشمسية والتنبؤ بوقوعها بدقة عالية .