تصادف اليوم الذكرى الرابعة لرحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وقد لا يختصر توصيف الفلسطيني سوى القليل من تجربة درويش التي ذهبت إلى تأمل الكوني، وبناء تجربة جدلية وجمالية معه، وقد يكون وصف الراحل أيضاً وصفاً لا يمت إلى حقيقة درويش الماثلة أبداً بوصفه رجل الحضور الدائم في عالم الشعراء، وبينهم أيضاً، وفي مثل هذا اليوم فشلت عملية القلب التي كانت تجرى للشاعر، فكان أن توقف القلب فيزيائيا، واستمر الشعر متدفقاً، وكما عودنا الشاعر نفسه مفتوحاً على احتمالات الحياة، بما فيها من خسائر أولاً، ومن فرح سرعان ما تغمره الأحزان ثانياً، وليس مستغرباً من صاحب لاعب النرد أن يترك لجيل الآباء سؤالاً صعباً: لماذا تركتم الحصان وحيداً؟ وهو السؤال الذي سينتقل بدوره إلى الأبناء ليحاولوا الإجابة عنه اخضراراً في نسائم الربيع العربي، ودمويته التي تجعل الشعر منكفئاً أو مؤجلاً إلى اللحظة المقبلة .

وحين يستحضر المرء شاعراً بحجم محمود درويش وتأثيره، لا بد أن يستحضر تاريخاً طويلاً من نكسات العرب المتواصلة، ومأزق الفلسطيني في أكثر من مرحلة، وأن يتنقل بمخيلته بين عواصم شتى، وأن يرى الرابط بين القاهرة وبيروت وعمان وتونس ودمشق وباريس، وغيرها من العواصم التي عاشها درويش بكل جوارحه، وكتبها شعراً، وقبل كل ذلك خاضها تجربة، تجربة رحيلٍ من توق إلى آخر، حيث ستبقى القدس عنده التوق الأكبر إلى الحرية .

ما قبل بيروت كان شعر درويش أكثر مباشرة، ولا ريب أن جزءاً من هذه المباشرة كان متعلقاً بوضوح الرؤية، وعدم تعقيدات الواقع الموضوعي، هذا الواقع الذي تحول جذرياً بعد تجربة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وخروج الفلسطينيين، وهو ما رافقه تحول في الخطاب الشعري نحو التأمل، وكأن درويش يعيد اكتشاف الكون ثانية، واكتشاف علاقات جديدة مع الشعر نفسه، وهو ما سيتبدى واضحاً في أعماله اللاحقة، وخاصة في مجموعته لماذا تركت الحصان وحيداً الصادرة في عام ،1995 تلك المجموعة التي ستحمل في طياتها تحولاً ملموساً في علاقة الشاعر بالهوية من جهة، وبطرح الهوية شعرياً من جهة أخرى .

ويقول درويش في القصيدة:

لماذا تركت الحصان وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي،

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها . . .

تفتح الأبدية أبوابها من بعيدٍ،

لسيارة الليل .

تعوي ذئاب البراري على قمر خائف .

ويقول أب لابنه: كن قوياً كجدّك!

واصعد معي تلة السنديان الأخيرة

يا ابني، تذكّر: هنا وقع الانكشاريّ

عن بغلة الحرب، فاصمد معي

لنعودَ .

ثمة شفافية وحزن أضافتهما التجربة على شعر درويش، وثمة توسع في فضاء الرؤية، وإعادة نظر في بنية الشعر ذاته، وآلية جديدة في صياغة غنائية الشعر، وهي أمور تجعل من الظلم حتى في رأي درويش نفسه أن يتم التعامل مع شعره على أنه شعر مقاوم فقط، أو حصر فكرة المقاومة بالطرح المباشر، وأصبح الشاعر يرى فلسطين من خلال كونية فكرة العدالة نفسها، ويرى أن فكرة الهوية ذاتها لا ترتبط بالتاريخ فقط، وإنما بقدرة الإنسان على صنع تلك الهوية، وهو ما يعبر عنه درويش بشكل واضح في قصيدته أنت منذ الآن غيرك ويقول فيها: الهوية هي: ما نورث لا ما نرث، ما نخترع لا ما نتذكر، الهوية هي فساد المرآة التي يجب أن نكسرها كلما أعجبتنا الصورة، وما يقوله درويش يعكس رغبة حقيقية في عدم تأطيره في صورة نمطية، مثلما أراد لفلسطين ألا تكون ذاكرة فقط، وإنما فعلاً .

لقد عانى قلب درويش لأكثر من مرة، وأجريت له عمليتان جراحيتان في عامي ،1984 و،1998 وشاء قلبه أن يتوقف في مثل هذا اليوم إثر عملية ثالثة أجريت له في مستشفى هيوستن في ولاية تكساس الأمريكية، ودرويش الذي ولد عام 1942 في مدينة البروة الفلسطينية، وهي المدينة التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي عام ،1948 وهو العام الذي ستبدأ فيه محنة الفلسطيني في الشتات، خاض تجربة حياتية وشعرية غنية، وعُدّ أحد أهم شعراء الوطن العربي والعالم، وقد أصدر خلال تلك التجربة أكثر من 20 مؤلفاً شعرياً، ومنها أوراق الزيتون، ومديح الظل العالي، وسرير الغريبة، وأثر الفراشة وغيرها . وبموته فقد الشعر المعاصر عموماً، والعربي خصوصاً، أحد عمالقته، وواحداً من الذين أضافوا إلى الشعر معنى جديداً، وفتحوا أمامه فضاءات غير مسبوقة، وقد بقي درويش إلى اللحظات الأخيرة خارج التوقع، وخارج تقديس التجربة، وهو الذي عُدّ واحداً من الذين خاضوا لعبة الحياة لا أقل ولا أكثر، وعرفوا فيها كالآخرين الربح والخسارة، وهو ما أشار إليه درويش في قصيدته لاعب النرد قائلاً:

''مَنْ أَنا لأقول لكمْ

ما أَقول لكمْ؟

وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ

فأصبح وجهاً

ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ

فأصبح ناياً . . .

أَنا لاعب النَرْدِ،

أَربح حيناً وأَخسر حيناً

أَنا مثلكمْ

أَو أَقلُّ قليلاً . . . .