الشاعر سمير عبد الباقي ظاهرة إبداعية مصرية تستحق الدرس، فهو أحد رواد شعر العامية المصرية، التي يكتبها منذ أكثر من خمسين عاما، له فيها أكثر من عشرين ديواناً، وهو كذلك أحد رواد كتابة مسرح الطفل، بالإضافة لإصداره لعدد من الروايات، ومنها هكذا تكلمت الأحجار وولا هم يحزنون وزمن الزنازين وغيرها .

أجمع معظم من قرأوا شعره على إخلاصه لقضيته ودأبه في الكتابة، فهو لم يصمت حين صمت معظم من في يدهم مفاتيح الكلام، لذا تراه حاداً وصادماً وصادقاً أيضا .

أنت من الرعيل الثاني لقصيدة العامية المصرية بعد فؤاد حداد وصلاح جاهين، فما الإضافة التي قدمها جيلكم لتطوير هذه القصيدة؟

- أولاً أنا ضد التصنيف الجيلي، إنما كل تجربة تحسب على قدر ما تضيف، وعلى المستوى الشخصي فقد بدأت كتابة القصيدة العامية في العام ،1956 وكنت قد تعرفت إلى فؤاد حداد وصلاح جاهين، وكنت أكتب شعر الفصحى فنصحاني بالاتجاه إلى كتابة القصيدة العامية .

وقد كان لثورة يوليو أثر كبير في تطوير هذه القصيدة فبعد عام 1952 أصبحت العامية هي لغة الحوار في المجتمع المصري، بعد أن أصبح العمال في واجهة الحياة الاجتماعية والسياسية .

أما إذا رجعنا إلى أصول حركة شعر العامية المصرية، فلم تكن وليدة تلك السنوات وحسب بل تمتد جذورها إلى بديع خيري الذي كسر عمود الزجل في بعض الأناشيد والأغاني التي لم يلتزم فيها بالأوزان التقليدية للزجل .

ومن بعده جاء بيرم التونسي الذي كان يرى أن الشعر لن يكون شعرا إلا إذا غاص في أعماق النفس، فهو ليس مجرد محسنات لفظية وإنما لابد أن يهتم بقضايا تهم الإنسان المعاصر، وأظن أن جيلنا صار على الطريق نفسه، وهذه هي الإضافة الحقيقية له .

تتميز لغتك الشعرية بأنها لغة مقاومة تغوص في العمق الاجتماعي والسياسي؟ كيف ترى دور الشاعر من خلال تجربتك؟

- أنا لم أكن يوماً أريد أن أكون شاعراً، لقد عملت في السياسة وعمري 15 سنة، وفي منتصف الخمسينات من القرن الماضي التحقت بالحياة السياسية بشكل عضوي، ومن هنا جاء ارتباطي بالناس البسطاء والمهمشين، وفي رأيي أن الشاعر، كما يقول صديقي الأديب الراحل هشام السلاموني، الشاعر هو صوت جماعته التي انتخبته ليتكلم باسمها، فأنا ليس عندي ازدواجية، فالشاعر موقف، والموقف الذي انتهجته منذ الخمسينات من القرن الماضي هو الفكر اليساري، فلم أغير عقيدتي السياسية حتى الآن، ومع ذلك فإن الشعر كان يملي نفسه علي، ولذلك أسميت ديواني الأخير عن ثورة يناير هواجس عادية عن يناير مش عادي، ليمثل إحساسي بالثورة، فثورتي في رحم النيل وفي ضمير الشعب .

بدأت منذ أكثر من عشر سنوات في إصدار نشرة شعرية تحت عنوان شمروخ الأراجوز، وهي تجربة شعرية ساخرة من الأوضاع الاجتماعية والسياسية في مصر، فماذا أردت أن تقول من خلال هذه النشرة في بداية صدورها، وهل ترى أنها حققت ما كنت ترغب فيه؟

- أردت أن أعبر عن نفسي وأتحدى قيود النشر الرسمية بطبع هذه النشرة التي لا تتعدي وريقات عدة وتوزيعها بالبريد على مثقفي مصر بالمجان، وكانت محاولة للخربشة على حائط رخام، لأن الخطوط الثقافية مقطوعة بسبب سياسات خطأ عانينا منها طيلة ثلاثين عاما .

ولماذا اخترت اسم الشمروخ تحديداً؟

- يوجد معنيان لكلمة الشمروخ الأول عصا التحطيب في صعيد مصر، والثاني هو الشمروخ الزهري وهو عبارة عن أمصال تخرج من الزهور .

وللأراجوز عصا صغيرة، فكأن عصاه هذه في التعبير تكون قوية على أصحاب الرؤوس المتحجرة التي تنهب في مقدرات الشعب من دون أن تسمع لصوت الضمير .

الشمروخ أشبه بجريدة شعرية شهرية أقول من خلالها آرائي، قد يكون فيها موضوع شعري خالص، وقد لا يكون وقد تعلمت من تجربتي في الإشراف على المركز الثقافي الروسي في القاهرة في فترة السبعينات أن كل جهد تبذله لابد له من عائد حتى ولو كان معنوياً، وقد استفدت من التجربة هذه في انتشار أشعاري، فالشمروخ أكتبه وأخططه بيدي ثم اذهب إلى المطبعة، وأصوره أحيانا، ثم احضر مئات الأظرف الورقية على قدر المطبوع ثم أوزعه على مكاتب البريد، التي تذهب به للمثقفين في مختلف الأقاليم المصرية .

لماذا تطبع كتبك ودواوينك ورواياتك على نفقتك الخاصة، رغم أنك من الأصوات الأدبية المرموقة على الساحة الثقافية المصرية؟

لست مطلوباً أو مقرباً من المؤسسة الثقافية التي عملت فيها لأكثر من أربعين عاما، فعلى سبيل المثال طلب مني الراحل د . سمير سرحان ديوان قصائد العشق والغربة، وبعد أن أعددته وذهبت به إليه ليطبعه في الهيئة المصرية العامة للكتاب: ظل سنوات في الأدراج ولم يطبع .

حتى في العمل الوظيفي كان هناك اضطهاد دائم لي، رغم ما قدمته لتطوير العمل الثقافي في هيئات وزارة الثقافة .

في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات تكون بينك وبين المطرب الراحل عدلي فخري ثنائي فني، أنتج عنه عشرات من الأغاني الوطنية، كيف ترى هذه التجربة؟

لعل ألبوم أغان في حب مصر يجسد هذا الثنائي بشكل جيد، وأظن أن أغاني تلك المرحلة هي الأبقى في تجربة عدلي فخري، رغم ما قدمه من أغان في تجربة حصار بيروت .

أدب الأطفال وصحافة الطفل أحد الأشياء المهمة التي شغلتك على مدار حياتك، وقد شاركت في تأسيس ذائقة جديدة لصحافة الطفل بداية من مشاركتك في تأسيس مجلات سمير وميكي في دار الهلال وغيرها؟

- بدأت في ذلك مبكرا واعتزلت مبكرا، لأنني كان بداخلي طفل ألاعبه وأكتب له حواديت، وعندما مات هذا الطفل لم أعد أكتب، وفي مسرح العرائس كتبت مسرحية حكاية سقا تلحين سيد مكاوي وبطولة أمين الهنيدي، وإخراج صلاح السقا، وبعدها منعت من التأليف لمسرح العرائس إثر خلاف مع المسؤولين عنه، لأنه توجد عندنا في الحياة الثقافية معادلة صعبة، أنت كفنان متمرد بطبعك وتريد أن تنطلق لكن المسؤولين دائماً يريدونك أن تكون في قبضتهم .