تواجه الأسرة في العصر الحديث تحديات كبيرة في تنشئة أبنائها، وذلك في ظل الانفتاح المعلوماتي التقني الذي نعيشه، حيث أصبح أمر تربية الأبناء بحاجة إلى الكثير من الجهد في بيئة تكنولوجية مملوءة بالمؤثرات، التي تنعكس على الكثير من شخصية الأبناء، خاصة الذين يعانون غياب الأب والأم أو عدم مواكبتهما لما يحدث حولهما من ثورة تقنية وبالتالي غياب الرقابة . حول هذا التحدي العصري يدور التحقيق الآتي .

يقول الرائد د . عمر إبراهيم آل علي، من مركز تنمية القدرة والإبداع في الأمانة العامة لمكتب سمو وزير الداخلية، عن أبرز التحديات التي تواجهها الأسرة: أبرز التحديات العنف الأسري والإعلام والوسائل التقنية الحديثة والأزمات الاقتصادية، ولعل التحديات تترابط مع بعضها بشكل أو بآخر، فمثلاً وسائل الإعلام ومنها التقنيات الحديثة إحدى الوسائل المؤثرة في العنف الأسري لأنها تعزز ثقافة العنف وخاصة بالنسبة للأحداث والمراهقين، وهي الفئة الأكثر تأثراً بتلك الوسائل، خاصة أولئك الذين يشاهدون التلفزيون بكثرة في ظل غياب البرامج الهادفة التي يمكن أن يستفيدوا من مضامينها، ويشير الرائد آل علي إلى أن الانترنت وسيلة له جانباها السلبي والإيجابي، ولعل أهم مضارها التي صنعها البشر بأنفسهم إدمان الانترنت، الذي يعني الاستخدام غير المبرر لها لمدة تتجاوز الساعتين . ويوضح أهم الحلول لتجاوز إشكاليات تحديات الإعلام والتقنيات الحديثة قائلاً: الحلول المادية كوسيلة مبدئية هي الأفضل، كأن يوضع جهاز الكمبيوتر في مكان مفتوح وعام بالنسبة للأسرة، فيصبح الاستخدام على مرأى من الجميع، ووضع هدف واضح من الدخول إلى الانترنت لا بشكل عشوائي، إضافة إلى استغلال الوقت بغير الوسائل التقنية الحديثة، حيث هناك الكثير من الأنشطة التي تنظمها المؤسسات، وعلى الأهل مراقبة سلوكيات أبنائهم .

ويشير الرائد آل علي إلى أن المؤسسات عليها أن توعي وتحذر من مخاطر معينة تواجه الأسرة لكنها لا تجبرها على الإصغاء والتنفيذ، حيث يجب على الأسر ذاتها تبيان الأمر، ويؤكد أنه كلما تقدم الزمن ازدادت مخاطر التقنيات بتطورها، وتظل الحاجة إلى دراسات تؤكد تأثيرها، بينما الشواهد تشير إلى أنها تنذر بالخطر، من خلال فقدان التواصل الاجتماعي بين الأسرة الواحدة، والأسر فيما بينها .

د . أحمد فلاح العموش، عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية، أستاذ علم الاجتماع التطبيقي والجريمة، يحدثنا عن مخاطر التقنيات الحديثة قائلاً: أهمها الجرائم الناعمة، أي تلك التي ترتكب عن طريق استخدام شبكة الإنترنت ومنها القرصنة والصور الإباحية والابتزاز، حيث أصبح العالم افتراضياً وأصبحت الشخصية رقمية، وأصبح الإنسان متفاعلاً مع تلك الشخصيات الافتراضية معزولاً عن علاقاته الاجتماعية فأصبح انسحابياً، وبذلك إذا لم تكن هناك رقابة من الأبوين على الأبناء، فإن الأمر سيعرضهم للخطر فيصبحوا ضحية شخصيات افتراضية تجذبهم إلى عالمها، فهناك الكثير من الحالات من الأبناء الذين يتعرضون للتهديد من تلك الشخصيات الافتراضية وهم بذلك لا يستطيعون إبلاغ أهلهم بما يتعرضون له، وعلى الأسرة إبلاغ أبنائها بمدى خطورة تلك المواقع . وحول أهمية وكيفية الرقابة الأبوية يقول العموش: يجب أن يضع الآباء في اعتباراتهم عدم وضع جهاز الكمبيوتر في غرف أبنائهم بل في الأماكن المفتوحة أو التي تقع تحت رقابتهم، وأن يتنبهوا إلى تواريخ فتح صفحات المواقع الإلكترونية بشكل مستمر، ويجب أن تكون الرقابة واعية لا صارمة، وعقد الصداقات مع الأبناء والتحدث بشكل غير مباشر عن مخاطر تلك التقنيات أمامهم، ويؤكد العموش دور المدرسة والاختصاصي الاجتماعي في التوعية بمخاطر الجرائم الناعمة، وأهمية العلاقة الوثيقة بين الأسرة والمدرسة .

المقدم د . سرحان حسن المعيني، نائب مدير أكاديمية العلوم الشرطية للشؤون الأكاديمية يشير إلى مصطلح قد لا يكون معروفاً لكثيرين، وهو المخدرات الرقمية، التي يصفها قائلاً: هو علم حديث وافتراضي، نشأ في كوريا وامتد إلى أمريكا وأوروبا، ونتج عنه مئات الدراسات، وهو عبارة عن نوع من الموسيقا التي يتم الاستماع اليها في عدد محدد من المواقع الإلكترونية، وتلك المواقع لها سلبيات أثرها يشابه أثر المخدرات التقليدية، ونشأ عنها أيضاً المخدرات الإلكترونية التي تباع على الأقراص المضغوطة، والخطورة تكمن في أنها أصبحت متواجدة في مواقع غير محظورة، وحين أصدرت كتابي المخدرات الرقمية في العام ،2009 اختلف معي الكثيرون في تأثيرها خاصة الأطباء، بينما نعلم جميعنا مدى الأثر النفسي الذي يتركه الاستماع على أعضاء الجسم فيتحول إلى عضوي . ويشير المعيني إلى أن الإمارات تعد من الدول كثيفة الاستخدام لشبكة الإنترنت بحسب الإحصاءات، ولذلك على الأسر أن تتيقظ جيداً لما يرد على الشبكة من مستجدات، خاصة أن الأبناء في سن معين يصبح لديهم الرغبة في تجربة كل شيء، وقد لا يعي الأهل أن استماع الأبناء لنوع من المضامين قد يكون نوعاً من المخدرات الرقمية، خاصة أنه يستخدم لها نوعاً من السماعات غالية الثمن لتعزل الفرد عن محيطة الخارجي بشكل نهائي .

العقيد محمد الحوسني، نائب مدير إدارة مراكز الدعم الاجتماعي في القيادة العامة لشرطة أبوظبي، يقول حول الشبكات الاجتماعية وتأثيرها في النشء: إنها الوسيلة الأكثر حداثة التي حازت على جماهيرية كبيرة . وتشكل عالما خاصة للكبار والصغار، حيث من يتجه لها ويعمل على استخدامها بشكل كبير ويوثق كل مشاعره وما يدور في ذهنه هم الذين يهربون من الواقع ويتجملون ويتشاركون اللحظات مع الآخرين، وهي بذلك أثبتت أن الإنسان كائن اجتماعي لا يقدر على العيش من دون المحيط الاجتماعي لكن زيادتها عن حدها الطبيعي هو هروب واضح .

ويشير الحوسني إلى أن للشبكات الاجتماعية فوائدها لكن أيضاً لها مضارها، والحل في التوازن، ولذلك لا مانع من اطلاع الأب والأم على ما يدور في تلك الوسائل ومواكبتها ليستطيعوا بذلك معرفة ما يفعل الأبناء وما تضم تلك الوسائل . وعن دور مراكز الدعم الاجتماعي تجاه الأسرة يقول: الكثير من المشاكل الأسرية يكون سببها التقنيات الحديثة، وخاصة ابتزاز الفتيات، وذلك حين ترسل الفتاة صورتها إلى أحد الاشخاص أو توثقها على أحد المواقع، ولذلك ننصح كل فتاة بعدم إرسال أو وضع صورتها في أي من وسائل التواصل، وكذلك اتلاف الهواتف النقالة بدلاً من بيعها في حال الرغبة بالتخلص منها لأنها قد تضم صوراً أو مضامين لا نتنبه لها بينما هناك من يعرف كيفية استخراجها، ولذلك دورنا كمراكز توعية الأسرة والتعامل مع المشاكل والخلافات الأسرية، حيث إن كل الوسائل التقنية من الممكن أن تنعكس تأثيراتها على الأسرة والأبناء . ويوضح الحوسني أن المؤثرات على الأبناء ازدادت اليوم بفضل الانفتاح، فسابقاً كانت المؤثرات تتحدد بالبيت والمدرسة وقليل من الجيران، أما اليوم فإن دور الأب والأم تقلص في ظل وجود التقنيات الحديثة، وأصبح واجباً عليها استثمار أوقات أبنائهم وتوفير الوقت الأكبر لهم للتربية واللعب .

أما الإعلامية نشوة الرويني، الرئيس التنفيذي لشركة بيراميديا، فأكدت دور الإعلام وتأثيره في الأسرة، خاصة لدى الاطفال الذين يقبلون على مشاهدة مضامين الأفلام المتحركة وغيرها . وتقول: كلنا يعلم أن للإعلام جانبين سلبي وإيجابي، لكن للأسف لم نجد إلى الآن دوراً إيجابياً للأسرة في التصدي للمضامين التي تسيء إلى أخلاقيات ومفاهيم أبنائها من المشاهدين، حيث نجد الأسر تنتقد هذا المضمون التلفزيوني أو ذاك من دون أن تفعل شيئاً حياله، وهذا ما ألاحظه في المجتمع العربي، بينما في الغرب تتمكن الأسر من خلال إبداء استيائها من أي مضمون تلفزيوني إيقاف بثه، لذلك على الأسر التحرك لإيقاف بث المضامين غير اللائقة، تؤكد الرويني أهمية دور الأسرة في مراقبة ما يبث على أطفالها من مضامين، لما للإعلام من دور في تكوين شخصية الطفل .

ناصر محمد آل محمد، مهندس إلكترونيات ومتدرب في كلية الشرطة بأبوظبي، يقول بشأن التحديات التي تواجه الأسرة: التطور التقني الذي نحياه من خلال توافر أحدث التقنيات بين أيدينا يؤدي إلى تطور الحياة الاجتماعية، وهذا يجعل الجيل الجديد يحيا في ظل ثورة تكنولوجية لا تجعله بمعزل عما يحدث في العالم كونه يقطن في الإمارات، ولا نخفي أن لكل تقنية مضارها التي يصنعها الإنسان ذاته، فالجيل الجديد يختلف عمن سبقه في أن الكثير من أفراده يعيشون في ضياع حقيقي، برغم أن لتلك التقنيات فوائدها التي فتحت أذهان الأطفال على ثورة معلوماتية غير مسبوقة، فيحملون الهواتف النقالة ويفتحون مواقع إنترنت، إلا أن ذلك يجعل عقلياتهم تنفتح بشكل أكبر من عمرهم ويصبح من الصعب السيطرة عليهم، ولذلك يصبح هنا دور الأهل تحديد مدى ما يأخذون من تلك التقنيات، ويشاركه الرأي زميله خالد خميس المرزوقي، خريج هندسة الميكانيك، الذي يرى أن على الأهل أن يحددوا كيفية استخدام التقنيات الحديثة والأساس شبكة الإنترنت، فالمنع ليس هو الوسيلة المثلى، إنما إبعادهم عن سلبيات الاستخدام . ويقول: المنع من شأنه جعل الابن أو البنت يتجه إلى الاستخدام بوسائل أخرى، إلا أن الوسيلة الأمثل هي أن نمنح أبناءنا الفرصة ليستخدموا التقنيات تحت رقابتنا، فمنح الثقة لهم وتوجيههم في الوقت ذاته الحل الأمثل . ويشير المرزوقي إلى أن لمؤسسات التعليم دوراً كبيراً في الحد من سلبيات التقنيات الحديثة، حيث كلما رسخت العادات والتقاليد والأخلاقيات استطاع الطفل أن يحد من سلبيات تلك الوسائل والابتعاد عنها مع توجيه الأسرة المستمر أيضاً .

النقيب ميادة الداري، تقول عن دور الأب والأم في تربية الأبناء والنأي بهم عن مخاطر التقنيات الحديثة: المشاركة بين الأم والأب والأبناء في احتياجاتهم من المواقع الإلكترونية هو وسيلة جيدة لمراقبتهم بشكل غير مباشر، فنحن نعلم جيداً أهمية الإنترنت لكل فرد، وحتى الأبناء أصبح يطلب منهم في المدرسة البحث عن المعلومة من خلال الشبكة، ولذلك متابعة الأهل لما يقدم عليه الأبناء ضرورة وبالتالي مشاركتهم، كما على الأم أيضاً وبشكل خاص أن توفر وقتا لأبنائها لتتعرف إلى اهتماماتهم وأصدقائهم وما يقتنون من أجهزة وما تحتويه، كما أن وضع الكمبيوتر في مكان مفتوح هو أمر جيد لإمكانية مراقبة المضامين . وتشير الداري إلى أن من المهم خلق اهتمامات لدى الأبناء واصطحابهم إلى أجواء بعيدة عن التكنولوجيا . وتوضح أنها عضو في جمعية أصدقاء البيئة، وتعمد إلى اصطحاب أطفالها إلى أنشطة الجمعية ليشغلوا أوقاتهم بما يعود عليهم بالفائدة . أما أحمد عبدالله، مشرف معارض وعلاقات في إدارة الأنشطة بنادي تراث الإمارات، فيقول: من واجب المؤسسات القائمة على الأنشطة وتلك التثقيفية والتعليمية والرياضية أن تقدم برامجها للأسرة التي هي نواة المجتمع ليتسنى لتلك الأسر معرفة الأنشطة التي يمكن لأبنائهم قضاء أوقات مفيدة ممتعة فيها، مما يدعو إلى القضاء على وقت الفراغ الذي يدعو الكثير من الأبناء إلى استغلاله في استخدام الأجهزة التقنية الحديثة دونما التطلع إلى مدى فائدة مضامينها، فمثلاً في إدارة الأنشطة بالنادي، نعمل على مد جسر تواصل بين الماضي العريق بأخلاقياته وتراثه مع الحاضر بتحضره وانفتاحه، فنقدم للأبناء الالعاب الشعبية والتراثية وفرصة لتعلم مهن الأجداد والاطلاع عليها والتعلم في المجال التراثي، وفرصة للتلاقي بينهم كأبناء جيل واحد تغيبهم عن بعضهم تلك التقنيات الحديثة، وحول ما إذا كانت هناك تحديات في عملية جذب الأولاد إلى تلك الأنشطة يقول: هناك مصاعب في ظل المغريات الموجودة المتمثلة بالتقنيات الحديثة، ولأننا نعمل على خط يسري في الدماء في تحفيز الموروث ونشأة الطفل في ظل حياته الأصلية بغض النظر عن مغريات الحياة، فإن عملية الجذب تسري على الأهالي والأبناء في خط واحد .

سعيد المناعي: استثمار الفراغ يمنع إدمانها

يقول سعيد المناعي مدير إدارة الأنشطة في نادي تراث الإمارات: في الماضي كان البث التلفزيوني ينتهي عند العاشرة مساء، أما اليوم فالفضاء مفتوح طوال اليوم وخيارات التنقل بين القنوات والتقنيات أكثر اتساعاً، لذلك أركز على دور الأسرة في هذه المرحلة من الانفتاح التقني، ودورها في أن تجعل أبناءها يستثمرون أوقات الفراغ في الأنشطة المختلفة المتنوعة بعيداً عن تلك التقنيات، بحيث يتم إخراجهم من عالم التكنولوجيا لئلا يصلوا إلى إدمانها لممارسة أنشطة ثقافية وترفيهية تحمل لهم الفائدة النفسية والبدنية والذهنية، وهذا ما نعمل عليه في نادي تراث الإمارات، ونركز على إعادة الأبناء إلى تلك العادات والتقاليد التي ستحصنهم ضد مخاطر الانفتاح التقني . ويضيف المناعي: التكاتف هو الأساس، فنحن في زمن الشراكات، فلا تستطيع جهة واحدة تحقيق الهدف لوحدها، وبما أننا نجتمع على هدف واحد ألا وهو حماية الأسرة والحفاظ على تماسكها وحماية أبنائها فنحن هنا بصدد التوحد بجهودنا كمؤسسات تربوية وتعليمية وتثقيفية .