منذ رحلتها التجريبية الليلة الأولى في 7 يوليو/تموز 2010 في جبال جورا، لم يوقف هواة الطيران الحديث عن الطائرة التي تعمل بالطاقة الشمسية والمسماة: (سولار إمبولس) . وهذه الطائرة نالت اعجاب العامة والخاصة وأدهشتهم بفضل البراعة الإلكترونية والتكنولوجية المستخدمة فيها، كيف لا والأمر يتمثل في تحليق طائرة بحجم طائرة بوينغ 747 من دون أن يصدر عنها أي حرق للطاقة أو أي مادة من المحروقات كالبنزين لأن الطائرة ستحلق بفضل الطاقة الشمسية فقط .
والطائرة مجهزة بأجنحة يبلغ طولها 4 .63 متر وتحمل 11628 خلية كهروضوئية لتحول الطاقة الشمسية إلى كهربائية لتزويد المحركات الأربعة ذات الأحصنة العشرة بالطاقة .
هذه الطائرة تتحرك بسرعة تبلغ 50 كم في الساعة مع سرعة قصوى تصل أحياناً إلى 125 كم في الساعة وتسهم الطاقة الكهربية المتحولة من الطاقة الشمسية في شحن بطاريات الليثيوم التي تزن 400 كغم ويمكن استخدامها في حالة غياب الشمس، أي أثناء الليل . والمثير في الطائرة أنها لا تطرح قطرة من ثاني أكسيد الكربون في الجو أثناء الطيران .
ويعتبر صاحب فكرة المشروع المستقبلي الواعد والجريء السويسري برتراند بيكار أول من فكر في القيام برحلة حول العالم بمنطاد بلا توقف . ويعمل بيكار في الأصل طبيباً لكنه هاو للطيران وهو منحدر من أسرة علماء ومغامرين وكون مع زميله وصديقه أندريه بروشبرغ ثنائياً مثالياً لهذا المشروع، خاصة أن الثاني هو المدير العام للمهمة بصفته مهندساً وطياراً سابقاً في القوات الجوية السويسرية . والحقيقة أن الزميلين يعلمان جيداً أن نقل أعداد كبيرة من الركاب في الطائرة الشمسية لم يزل سوى حلم والهدف من هذه الرحلة هو اثبات أن الطائرة الصديقة للبيئة يمكن أن تكون ذات فائدة وفعالية كبيرة للإنسانية خلال السنوات المقبلة . ومن المزمع أن تتم الرحلة حول العالم التي ستبدأ في 2014 على خمس مراحل . ولذا يحتاج الأمر إلى تحضيرات إضافية، لاسيما على الصعيد البشري، خاصة أن رحلة كهذه تتطلب أكثر من 200 ساعة من الطيران لقطع آلاف عدة من الكيلومترات من دون التعرض لأي عطل محتمل .
وفي مايو/أيار الماضي، انطلقت الطائرة من منطقة بايرن السويسرية إلى المغرب عن طريق مدريد بإسبانيا . وهذا المسار لم يأت صدفة لأنه في العام 2020 سيرى النور أكبر مركز للطاقة الشمسية الحرارية في منطقة (أوارزازات في المغرب . وفي السنة الماضية، حلقت الطائرة بين برن وبروكسل وباريس للتأكد من فعالية التجهيزات وعملها على أكمل وجه ليلاً ونهاراً . ومن الناحية العملية، نجد أن سفر شخص بجولة حول العالم منفرداً ربما يؤدي إلى بعض الضغوط النفسية، خاصة أن سرعة الطائرة تكاد لا تتجاوز سرعة دراجة نارية صغيرة . وربما يكون الأمر بسيطاً عند التحليق فوق اليابسة، لكن المسألة ستكون صعبة أثناء التحليق فوق المحيطات، فمثلاً يحتاج الأمر إلى 3 أيام للتحليق فوق المحيط الأطلسي وخمسة أيام للتحليق فوق المحيط الهادئ، ما يعني أن 72 ساعة تتطلب التحليق فوق المحيطات فقط وبلا مرافق، وداخل مقصورة لا تتجاوز مساحتها 5 .2 متر مربع ومن دون وقود ولا إمكانية للهبوط . ولذا على الطيار أن يحلق 3 أيام مع تركيز تام على سير العملية فكيف سيتم ذلك؟ وكيف سيتمكن من النوم وتناول الطعام طوال هذه المدة وبمفرده؟ في هذا الصدد، قام أندريه بورشبرغ في 21 فبراير/شباط الماضي بإجراء محاكاة للرحلة حيث بقي لثلاثة أيام قابعاً في مقصورة أحد المطارات العسكرية في دوبندورف بسويسرا وأمامه جهاز كمبيوتر وكابينة تشبه كابينة الطائرة وتمر من أمامه عبر شا شة كبيرة مناطق تشبه المحيطات واليابسة . ولم يكن أمام الطيار إلا خياران إما الجلوس أو الاضطجاع، وعمل مهندسو جهاز المحاكاة على توفير الشروط نفسها التي يمكن للطيار المعني مواجهتها خلال رحلته حول العالم بطائرة شمسية ما عدا الضغط ودرجة الحرارة، فلم يؤخذا في الاعتبار لأنهما يتغيران وفقاً للمكان . في المقابل، عمل الفريق العلمي على تعقيد الظروف داخل جهاز المحاكاة كإجراء أعطال مفاجئة في العملية كتعطيل أحد المحركات أو جهاز الإبحار الجوي أو أحد عناصر النظام المعلوماتي، أي أن الطيار واجه أكثر من 60 مشكلة تراوحت بين الأعطال ومشكلات الهبوط حيث توجب عليه قطع 5000 كم تخيلية وهو بكامل نشاطه ولمدة 72 ساعة . وأشرف على سير التجربة فريق مكون من خمسة أطباء يعملون في تخصصات مختلفة لمراقبة الطيار في كل حالاته وللتأكد من أنه يحافظ على كل قدراته إضافة إلى التأكد من تغطية كل احتياجاته النفسية كالنوم لأنها أصعب الاحتياجات خلال رحلة كهذه، إذ على الطيار أن ينام فترة لا تتجاوز العشرين دقيقة، ويحل جهاز التحليق الآلي محل الطيار أثناء النوم محافظاً على السرعة والارتفاع . وعلى العموم، حاول الفريق العلمي منح الطيار 10 ساعات للنوم من أصل 72 ساعة من التحليق أو الطيران الافتراضي .
ويقول الطيار المتمرس أندريه بورشبرغ: بيئة العمل داخل المقصورة الافتراضية والفعلية مدروسة تماماً إلى درجة أنني شعرت أن الزمن يمر بسرعة داخل الافتراضية حيث لم اتعرض لأي نوع من تعب العضلات بعد انتهاء الرحلة الافتراضية . أما الدكتور بوس الذي أشرف على سير التجربة فقال إن الطيار أثبت بالفعل أنه كان بكامل قدراته العضلية والذهنية طوال الرحلة التي استمرت لثلاثة أيام ما يعني أنه قادر على القيام بالرحلة الفعلية شريطة أن تسير الأمور المتعلقة بالطقس على ما يرام، فمثلاً يجب ألا تتجاوز سرعة الرياح أثناء الهبوط الحقيقي أكثر من 20 كم في الساعة من الأمام و10 كم/ساعة من الجانب .