يعد الشاعرالسوري جميل داري، المقيم في الإمارات، أحد أبرز شعراء جيل الثمانينات في سوريا، وهو أيضاً يكتب النقد، والمقال . يقول داري في سياق قراءته لواقع الشعر: الشعر قد ينتعش في فترة وينكمش في فترة أخرى، في العصور القديمة يخيل لي أن حياة العرب كلها كانت شعراً حتى قيل: الشعر ديوان العرب، كنت متابعاً جيداً للشعر العربي في الستينات والسبعينات، وقد تميز الشعر في هذه الفترة بأنه أكثر تطوراً من فترة الريادة، من الناحية الفنية، لكنه أيضاً كان أكثر حزناً وقتامة بسبب هزيمة حزيران/يونيو عام ،1967 وأرى أن الشعر في هذه الفترة الزمنية واكب الأحداث الكبرى، كما ظهرت أسماء لامعة أغنت الساحة الشعرية بقصائد المنفى والتشرد والحنين، أما بعد ذلك أي في الثمانينات وما بعد فقد ظهر نوع من الخلل والاضطراب في القصيدة العربية بسبب كثرة الشعراء النثريين الذين رأوا في العمود والتفعيلة سبب تأخر الإبداع العربي . ويتابع داري: هؤلاء أغلبهم افتقر إلى الموهبة والثقافة وصار يقول كلاماً أقرب إلى الهذيان، تحت يافطة الحداثة وما بعد الحداثة، حتى أنا -الشاعر الثمانيني- لم أتخلص من وابل تخرصاتهم، إذ اعتبروني خارج العصر لأني أكتب التفعيلة، وحتى يومنا هذا أثبتت التفعيلة وجودها جنباً إلى جنب مع الشعر المنثور وفي كلا النوعين الغث والسمين، إذ لا تقاس الشعرية بالشكل فحسب إنما هناك شروط جمالية لا بد من توافرها هنا وهناك، من وجهة نظري، إن مرحلة الخمسينات والستينات والسبعينات، كانت المرحلة الذهبية للشعر، في فترة ما جربت قصيدة النثر، لكنني لم أجد نفسي فيها، بمعنى لم أرد أن أضيف إلى الساحة الشعرية شاعراً فاشلاً بامتياز، فتركتها لفرسانها الحقيقيين لا الدونكيشوتيين .
وعن النقد الذي تناول قصيدة النثر يقول: ظهر حديثاً كتاب نقدي للشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي، يتهجم على قصيدة النثر جملة وتفصيلاً، وأنا أعلم أن هناك قصائد نثرية أجمل بكثير من قصائد حجازي التفعيلية، رغم حبي لحجازي وشعره، وهو نفسه تعرض إلى هجوم من العقاد الذي عده مارقاً على قانون الشعر العمودي، وها هو يأخذ دور العقاد في الهجوم على الشعر النثري، وهذا يحتاج إلى حديث آخر، بعد تجربة سنوات من الكتابة رأيتني أرتاح في كتابة العمود والتفعيلة، وكان أصدقائي النثريون ينصحونني بقصيدة النثر فحاولت لكنهم قالوا لي: ليس هنا مجالك . . اترك النثر لنا، وخل التفعيلة لك، وهذا ما كان . . أي تركته دون ندم، لأنني لم أرد أن أضيع عمري في مجال لم يخلق لي، وربما من هنا قيل: اعط الخبز للخباز ولو أحرق نصفه، ولكيلا أحرق نفسي نأيت بنفسي عن كتابة قصيدة النثر، علماً أنني أمارسها حتى الآن أحياناً، لكن من دون أي رضا عن نفسي وعنها، فالعيب لدي أنا، وليس في قصيدة النثر، إن القليل من الشعراء أبدعوا في قصيدة النثر: الماغوط، سركون بولص، رياض الصالح الحسين، محمد عمران، سنية صالح على سبيل المثال .
وحول شروط كتابة قصيدة النثر يؤكد داري أنها هي نفسها شروط كتابة القصيدة الموزونة، الموهبة الحقيقية، وقوة الخيال الفني، والتمكن من زمام اللغة وتكثيفها، مع التركيز على الظلال والإيحاء والرمز وعمق التجربة .
وفي ما يتعلق بشرعية قصيدة النثر بعد بضعة عقود من عمرها يرى داري قصيدة النثر ليست نبتاً شيطانياً غريباً، بل هي حالة صحية، ويبقى العيب في كثرة من كتبوها من دون أدنى موهبة . مستقبل قصيدة النثر بخير، وربما لها الحظ أكثر من قصيدة العمود التي تستهلك استهلاكاً غريباً، ولا تأتي بجديد، أرى أن آخر الكلاسيكيين هما: بدوي الجبل والجواهري، وما بعدهما نوع من التكرار والاجترار لما سبق .
وربما من هنا هربت من العمود إلى التفعيلة التي من الممكن أن أحلق فيها بأجنحة عريضة، في المحصلة لا تهمني الاصطلاحات كثيراً، فقد تكون رواية ما شاعرية أكثر من قصيدة نثرية . إن معرفة الأوزان العروضية وحدها، لا تصنع شاعراً، فما أكثر الرديء في العمودي والتفعيلي والنثري .