لا شك في أن وزارة التربية والتعليم وضعت حلولاً كثيرة للحد من ظاهرة الغياب الجماعي واتخذت إجراءات مشددة لمواجهتها، إلا أنها مازالت تمثل مشكلة مزمنة في معظم مدارسنا وتظهر بصفة جلية في المرحلة الثانوية، الأمر الذي يدق ناقوس الخطر على مستقبل العملية التعليمية واستقرارها، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يضع العام الدراسي الجديد نهاية لتفشي تلك الظاهرة؟

فقد حذر عدد من التربويين من انتشارها، وطالبوا بتشديد الرقابة لتقليص حالات الغياب في المدارس، والبحث عن سبل فعالة لعودة الطلبة للمدرسة، مؤكدين أن ضعف التواصل بين المدرسة والأسرة ومشكلة الدروس الخصوصية تفاقم من الظاهرة، وأوصوا بضرورة تفعيل الأنشطة لتكون المدرسة البيئة الجاذبة التي تشجع الطلبة على مواصلة مسيرة التعلم .

ودعا البعض في الميدان التربوي إلى عمل برامج توعوية للطلاب وأولياء أمورهم وتفعيل الأنشطة الطلابية واستخدام لائحة السلوك في معاقبة الطلاب الغائبين وتفعيل دور الإرشاد الطلابي في التواصل مع أسر الطلاب الغائبين للحد من ظاهرة غياب الطلاب الجماعي في مثل هذه الأيام .

الخليج حرصت على طرح القضية مع بداية العام الدارسي الجديد في دعوة للعاملين في الميدان التربوي وأولياء الأمور الطلبة، لتحديد أسباب تفشي تلك الظاهرة، وما هي الحلول المناسبة لمعالجتها في جميع المراحل الدارسية .

دور المدرسة

قال منصور شكري، مدير مدرسة دبي الثانوية للبنين، إن الظاهرة تمثل مشكلة دائمة للمجتمع المدرسي، وترجع أسبابها لعدة عوامل أهمها سماح أولياء أمور الطلاب لأبنائهم بالغياب في بداية العام الدراسي، والأيام الأخيرة من نهاية كل فصل دراسي، لاعتقادهم أن دور المدرسة انتهى إلى ذلك الحد، مما سبب عند الطلاب اللامبالاة وعدم احترام النظام، منوهاً إلى ظاهرة الاتفاق على الغياب الجماعي، إضافة إلى القصور نشر التوعية بأهمية الانتظام في الدوام المدرسي، وعدم وجود اهتمام فعلي من جانب بعض الإدارات المدرسية بمتابعة مواظبة الطلبة، وقلة التعاون بين البيت والمدرسة منوهاً إلى أهمية عمل ورش عمل لبحث أسباب الغياب في كل مدرسة يشارك فيها أولياء الأمور والطلبة أنفسهم .

تراخٍ وإهمال

أرجع صالح فاضل، وكيل المدرسة المتحدة أسباب انتشار الظاهرة إلى بعض المدرسين من خلال الإيحاء أو الجلوس داخل الفصل وعدم إعطاء الدروس التي تشغل الطلبة بما يفيدهم ومن هنا يشعر الطلبة بالملل من الحضور، إضافة إلى تراخي بعض المدارس مع الطلبة الذين يتغيبون مع بداية العام الدراسي أو بعد العطلات الرسمية، وأكد أن الظاهرة تؤرق المدارس بهيئتيها الإدارية والتدريسية، ودعا إلى إثراء البيئة المدرسية بالأنشطة والفعاليات المشوقة للطلبة لتشجعهم على حب واحترام الدوام المدرسي .

شخصية المعلم

وقال المعلم عبد الله فرج، إن شخصية المعلم وطريقة شرحه وأسلوبه في التدريس لها دور كبير في استمالة الطلبة له، وحرصهم على حضور حصصه ومادته، وعدم التخلف عنها ومن ثم عدم الغياب حرصاً منهم على الالتقاء به يومياً، إلا أن بعض المعلمين يخبرون طلبتهم بأنه لن يتم تدريس أو شرح درس جديد في هذه الأيام، مما يدفع بالكثير من الطلبة حتى الحريصين منهم إلى الغياب، مضيفاً أنه من أساليب القضاء على الظاهرة متابعة الإدارات المدرسية للمعلمين الذين يحثون أو يوحون لطلبتهم بالغياب واتخاذ الإجراءات الرسمية الرادعة بحق هذه الفئة .

تحذيرات وتنبيهات

وأكد المعلم السيد جابر، أن المدارس الحكومية والخاصة تعاني مشكلة غياب الكثير من طلبتها وخاصة الأسبوع الأول من بداية العام الدراسي، وفي الأيام التي تسبق الإجازات أو الاختبارات النهائية للفصول الدراسية، على الرغم من التحذيرات والتنبيهات ولكن نجد أن الأعداد تتزايد مما يضعف ويخل بالخطة التعليمية وللقضاء على هذه الظاهرة ينبغي العودة إلى الأسرة لما تلعبه من دور مهم في انتظام الأبناء في الدوام المدرسي، منوهاً إلى أهمية دور مديري المدارس في التواصل مع أولياء الأمور في حالات الغياب لمعرفة أسبابه، وتحقيقاً لمبدأ المتابعة المستمرة التي تحد بشكل كبير من الظاهرة . مناشداً المجتمع التربوي التعاون، وتضافر الجهود للقضاء عليها بعد أن أصبحت عادة سيئة لدى الطلبة .

عدم التعاون

وقالت الإعلامية وولية الأمر مريم الكعبي: الجميع يقر بأن الغياب ظاهرة منتشرة لأسباب عدة، منها عدم تعاون بعض أولياء الأمور مع إدارات المدارس من حيث زياراتهم للمدارس، وتتبع أحوال أبنائهم إضافة إلى الثقة الزائدة لدى بعض أولياء الأمور بهم التي قد تنعكس سلباً عليهم، كما أن هناك قصوراً من ناحية إدارات المدارس في إيصال معظم التوجيهات والتعليمات المنظمة للعملية الدراسية واللوائح المتعلقة بتطبيق حسم الدرجات على الطلاب .

وأضافت أن الإعلام يلعب دوراً كبيراً في تشجيع الطلبة على العودة إلى المدرسة، وتوعية أولياء الأمور بأهمية دورهم في انتظام أبنائهم في الدراسة، مع تنظيم دورات وندوات للمعلمين تحثهم على أهمية تواجد الطلاب في المدرسة، مشيرة إلى أهمية دراسة أسباب الظاهرة حيث إنها تختلف من مكان إلى آخر ثم وضع الخطط والتدابير لتنفيذها واقعياً لا صورياً وشكلياً واختيار متخصصين للمتابعة .

التواصل الفعال

وفي سياق متصل، أكدت ولية الأمر نجوى إبراهيم، أن جوهر المشكلة يكمن في ضعف التواصل أو انعدام التواصل الفعال بين المدرسة والأسرة وضعف متابعة الأسرة لأبنائها وأيضاً متابعة المدارس للمشكلة والعمل على حلها من قبل الاختصاصيين والنفسيين داخل المدارس، مضيفة أن مشكلة الدروس الخصوصية جعلت الطالب يكتفي بما يحصل عليه من خارج المدرسة من دروس، وإن ذهب للمدرسة يذهب للترفيه كفسحة ولمقابلة زملائه بغض النظر عن الاستفادة العلمية، كما أن بعض المعلمين من أصحاب المصالح يشجعون الطلاب على الغياب، وذلك إما لانشغالهم بمصالح أخرى خارج المدرسة أو لإعطاء دروس خصوصية في أوقات العمل الرسمية، وطالبت بتحفيز الطلاب للحضور إلى المدرسة بتفعيل الأنشطة الطلابية في المدارس .

غرس القيم

قال ولي الأمر سيد صبري، عودة الطلبة إلي المدارس مرتبطة بعودة دور المعلم التربوي التعليمي في غرس القيم والأخلاق في نفوس الطلاب وأن يكون معلماً واعياً مثقفاً ذا شخصية قوية قادراً على الإقناع ومتمكناً من مادته العلمية وقادراً على توصيل المعلومة إلى الطالب بأسلوب سهل ومواكباً لمتغيرات العصر، ومؤهل تأهيلاً عالياً في طرق التدريس، ومقتنع بأنه يقدم خدمة وطنية إلى مجتمعه بتخرج مواطن متعلم صالح وشخصية ناجحة في الحياة، في هذه الحالة سينجذب الطالب إلى المدرسة لأنه سيرى أنه سيستفيد علمياً ودينياً وأخلاقياً .

أضاف، أن الأنشطة لها دور كبير في جذب الطالب للمدرسة لأنها اختيارية بمحض إرادة الطالب، وبالتالي سيبدع بها وستكون سبباً لحضوره إلى المدرسة، فنحن نريد أن يأتي الطالب إلى المدرسة بإرادته ومقتنعاً تماماً بفائدة حضوره . ويرى أن نظام المحاضرات مفيد جداً للطلبة، وممكن اختيارهم أيضاً للمعلم الذي يقوم بالمحاضرة، واختيار أكفأ المعلمين للتدريس لهم بالمواد المقررة عليهم، وأرى ضرورة محاسبة المعلم الذي يتسبب في نفور الطلبة من الحضور إلى المدرسة بسببه وهروبهم من حصته، وأيضاً محاسبة المعلم الذي لا يقوم بواجبه ويشرح لهم، وهذا ليس ادعاء ولكن مثلما يوجد المعلم القائم بعمله يوجد آخر يتفنن في تضييع وقت الحصة، وعدم إفادة الطلاب بمعلومة ومن هنا يجب وضع ضوابط للجميع تكفل قيام المعلم بواجبه ومحاسبته عند وجود تقصير، ومكافأة المعلم الكفء المخلص في عمله، وهذا دور مديري المدارس الذين يجب أن يكونوا تربويين بالدرجة الأولى ويقوموا بمتابعة العملية التعليمية داخل الفصول .

نسب متدنية

وقالت ولية الأمر أم عبدالله، للأسف نسبة حضور طلاب الثانوية العامة متدنية جداً وتكاد لا تتخطى 10% من عدد الطلاب خصوصاً في الصف الثاني والثالث الثانوي بينما تكون مرتفعة وتتخطى 90% في الصف الأول الثانوي، فالاعتماد الكلي للطلاب على الدروس الخصوصية ومن يذهب إلى المدرسة يذهب لأسباب قد لا تتعلق بالدراسة والانتظام في الحضور .

واقترحت أن يتم التشديد على نسبة الحضور بحيث لا تقل نسبة الحضور عن 80% وأن يحرم الطالب الذي لا يصل إلى هذه النسبة عن دخول الامتحان، إن لم يكن لديه عذر مقبول وفي نفس الوقت محاسبة أي مدرس مقصر أو يثبت أنه يشجع الطلاب على الغياب لمصلحة الدروس الخصوصية، فكثير من الطلاب يتغيبون لأنهم ببساطة معتمدون كلياً على الدروس الخصوصية ولا حاجة لهم بالمدرسة أو المدرس، وأصبح من النادر أن تجد فصول الصف الثاني أو الثالث الثانوي مكتملة العدد ولو حتى ليوم واحد . هذا هو الواقع، فعلينا ألا ندفن رؤوسنا في الرمال إذا أردنا حل هذه المشكلة .

المجتمع الطلابي

وقال موجه الرياضيات أحمد السهلي، يمثل المجتمع الطلابي مجتمعاً متميزاً نظراً لتركيبته المتميزة لأفراده الذين تربطهم علاقات خاصة وتجمعهم أهداف موحدة في ظل مجتمع تربوي تحكمه أنظمة وقوانين تنظم مسيرة العمل داخله، وعلى الرغم من ذلك فقد زخر هذا المجتمع بالكثير من المشكلات المختلفة التربوية والتعليمية التي أقلقت مضاجع المسؤولين والتربويين، ومن تلك المشكلات مشكلة التأخر الدراسي ومشكلة السلوك العدواني والتمرد والجنوح والانطواء والغياب والتأخر الصباحي وغيرها من المشكلات المؤثرة في حياة الطالب التي قد تؤثر سلباً في مسيرته الدراسية .

وأضاف، تفشل المدرسة وتنجح الدروس الخصوصية لفقدان الطالب هامش حريته داخل المدرسة والفصل فليس له إرادة في اختيار المدرس أو اختيار زملائه بالفصل أو وقت التعلم وجدول الدراسة وهو الأمر المتاح بالدروس الخصوصية، أما نظام الثانوية العامة فينبغي وضع عتبة لدرجات الطالب للالتحاق بكليات معينة فالطالب يلتحق بالصيدلة لأعلى الدرجات في الكيمياء والهندسة لأعلى الدرجات في الفيزياء والرياضيات والفنون الجميلة لأعلى الدرجات في التربية الفنية .

اقتراحات للحل

واقترحت غاية عيسى، بعض الحلول التي تسهم في علاج ظاهرة الغياب، في ما يخص المعلمين والمعلمات، ينبغي توعيتهم وتدريبهم على إدراك الفروق الفردية بين الطلاب، واستخدام أساليب التعزيز المناسبة، والدقة في درجات التحصيل، وعدم إرهاق الطالب بالواجب المنزلي، والتدريس العلاجي لصعوبات التعلم .

أما عن المقترحات بشأن المناهج المدرسية، فقالت ينبغي الاهتمام بالكيف وتخفيف الكم في المناهج، وتبسيط المناهج الدراسية ومناسبتها لقدرات وميول التلاميذ، ويجب أن تتضمن المناهج الدراسية بعض الأنشطة التعليمية، وربط المناهج بالبيئة المحلية، وينبغي مراجعة المناهج بشكل دوري وتجديد الموضوعات، وهناك أيضاً مقترحات بشأن البيئة المدرسية منها الاهتمام بالإرشاد الطلابي، وتفعيل دوره، وتفهم ظروف الطلاب الذين يتغيبون عن المدرسة وعلاجها، وتحسين الوسائل المساعدة لعملية التعليم .

ميول التلاميذ

وأوصت الدكتورة غاية عيسى بتوعية التلاميذ عن طريق وسائل الإعلام، ومنح الجوائز للطلاب المتفوقين، والتوسع في الحفلات الترفيهية والأنشطة المناسبة لميول الطلاب، أما عن مقترحاتها لعلاج الأسباب النفسية لغياب التلاميذ، فقالت يجب التخفيف من قلق الامتحانات باستخدام الاختبارات الدورية، وتوثيق العلاقة بين المعلمين والتلاميذ من ناحية وبين التلاميذ وزملائهم من ناحية ثانية عن طريق الاشتراك في الأنظمة الجماعية، وعدم استخدام العقاب اللفظي، وهناك مقترحات لعلاج الأسباب الصحية لغياب التلاميذ منها نشر التوعية الصحية داخل المدارس وعمل بطاقات صحية، والإشراف الصحي على المقصف المدرسي، أما عن المقترحات حول الأسباب المتعلقة بالأسرة فأكدت أنه يجب توعية الآباء بأهمية انتظام أبنائهم في المدرسة، واستمرار الاتصال بين البيت والمدرسة، وتوعية الآباء بأهمية الجو المناسب للمذاكرة في البيت ومراعاة ظروف سن المراهقة .

الغياب من أهم أسباب التسرب من المدرسة

قالت الدكتورة غاية عيسى، اختصاصية علم النفس إن الباحثين النفسيين وضعوا بعض التعريفات لغياب الطالب عن المدرسة، مؤكدين أنه عدم الانتظام في حضور الطلبة كل أو بعض الدروس بالمدرسة في بعض الأيام المدرسية، وذكرت أن هناك دراسات سابقة ركزت على أن الغياب من أهم أسباب التسرب من المدرسة، واتضح من الدراسات أن هناك مجموعة من الأسباب تؤدي إلى انتشار الظاهرة في المدارس بين المجتمع الطلابي، فهناك أسباب متعلقة المدرسة، وأسباب مرتبطة بالمعلمين، وأسباب مرتبطة بالمناهج المدرسية، وأسباب مرتبطة بالبيئة المدرسية .

وفي ما يخص الأسباب المرتبطة بالمعلمين هي عدم تشجيع جميع الطلاب بالحوافز داخل الفصل، وإرهاق الطالب بالواجبات، وعدم مساهمة بعض المعلمين في حل مشكلات الطالب، أما الأسباب المرتبطة بالمناهج الدراسية فأكدت عيسى أنها تتلخص في عدم أحساس الطالب بفائدة المواد الدراسية في الحياة اليومية وطول المواد الدراسية، والبيئة المدرسية أيضاً تمثل بعض الأسباب لتلك الظاهرة منها، الخوف من قسوة المعلمين، وسوء العلاقة بين الطلاب، ونجد كذلك أسباب مرتبطة بميول الطالب نحو المدرسة والتي تسهم في غيابه، ومنها عدم حبه للمدرسة وعدم رغبته في الدراسة، وعدم قناعته بالأنشطة المدرسية وأساليب التدريس المتبعة وسروره عند غياب أحد المعلمين .

وأضافت أن هناك أسباب نفسية مرتبطة بغياب الطالب عن المدرسة، وهي سوء توافق التلاميذ مع أنفسهم أو مع زملائهم أو معلميهم وينعكس صورة القلق خوفهم الشديد من الامتحانات والتردد عند اختيار الإجابة الصحيحة، وأعتقد أن هذا ينعكس على البيئة المدرسية والاجتماعية الأمر الذي ينعكس على نفسية الطالب، وأكدت على وجود أسباب صحية مرتبطة بغياب الطالب عن المدرسة، مثل سوء الحالة الصحية والشعور بالصداع نتيجة طول فترات التركيز في الفصل .

وأوضحت أن الأسرة تلعب دوراً كبيراً في تفشي هذا الظاهرة وقد تكون ضمن أسبابها، حيث إن عدم حضور أولياء الأمور مجالس الآباء والأمهات والمعلمين الأمر الذي يوثق الثقة والعلاقة بين البيت والمدرسة، وعدم زيارة الوالدين المدارس والسؤال عن أبنائهم، وعدم متابعة الوالدين لأبنائهم في المنزل، نتيجة انشغال الوالدين بأعمالهما وكذلك عدم الوعي عند الكثيرين بأهمية زيارة المدرسة ومتابعة الأبناء . وترى أن هناك آلية متابعة غياب الطالبات في المدرسة حيث تتم متابعة غياب الطلاب بصورة مستمرة من خلال سجل غياب الطلاب اليومي .