كراسي متحركة بتصميم (الفورمولا 1)، مزلجة يقودها الدماغ مباشرة، قفازات لحصد الميداليات في السباحة، شفرات بدل الساقين للركض، سترة تحذر المكفوفين أثناء سباقات الركض، وغيرها الكثير من التقنيات الحديثة التي قلبت أولمبياد المعاقين 2012 الذي اختتم مؤخراً في لندن رأساً على عقب بعد أن أنفقت بريطانيا عليها ملايين الدولارات وسخرت عشرات العلماء والمهندسين وحتى طلاب الجامعات . استخدمت شركة (بي إم دبليو) تقنية مستقاة من خبرتها في سباقات (الفورمولا 1) لتصميم أفضل كرسي متحرك يمكن استخدامه في الرياضة، وهكذا نزل فريق بريطانيا لكرة السلة للمعاقين على أرضية الملعب ولاعبوه يجلسون على سلاحهم السري الذي ساعدهم في مبارياتهم، كرسي مصنوع من رغوة عالية التقنية من تصميم مهندسي (بي ام دبليو) . لم يكن ذلك إلا الجزء اليسير من استعراض العضلات العلمية والتقنية التي برزت بشكل أوضح بكثير هذا العام أثناء فعاليات الألعاب البارالمبية في العاصمة البريطانية لندن، فوراء السباقات التي جرت أجهزة وتقنيات في الكواليس ساعدت هؤلاء الأبطال على وصولهم إلى الأولمبياد وتستمر في مساعدتهم حتى منصات التتويج، منها على سبيل المثال القفازات المسماة (الشبح) التي تعمل على تحسين التكتيك من خلال تزويد السباح المعاق بارتجاجات تحمل معلومات عن شكله ووضعيته . وهناك أيضاً الهيكل العظمي المعدني الذي يحول المعاق إلى (الرجل الحديدي) ويمنحه قوة خارقة، وفي الأولمبياد القادم سنشاهد العدائين المكفوفين وهم يشاركون في السباقات من دون أي مساعدة وذلك بفضل سماعات الأذن التي بإمكانها رؤية الطريق وتدل المكفوف على الاتجاهات يميناً أو شمالاً .

ومن أشهر الأمثلة التي رأيناها في أولمبياد لندن للمعاقين وكانت واضحة تماماً أمام أعين المشاهدين هي (شفرات العدائين) المصنوعة من الياف الكاربون التي أصبحت دليلاً على مدى مساعدة التكنولوجيا للرياضيين مبتوري الاطراف السفلى على تحقيق الانجازات، فهذه الشفرات الحديثة من الياف الكاربون التي يرتديها الرياضيون كطرف صناعي، مثل تلك التي يستخدمها العداء العالمي (أوسكار بستوريوس)، تمنح الرياضي عائداً مرناً للطاقة بنسبة 92% مقارنة بما تمنحه أوتار ساق الشخص العادي من طاقة وتصل إلى 95%، كما أن الرابط بين الطرف الصناعي والجسم حصل على تحديث وتحسين مثل الجوارب المصنوعة من خيوط السليكون لمنع التقرحات والضيق مع صمامات ماصة كي لا تبقى ندوب نتيجة الاحتكاك بين الجلد والطرف الصناعي .

ويبدو أن التقدم العلمي في مجال الألعاب البارالمبية لن يظل حبيس هذا المجال فقط . فقد اشترطت اللجنة الأولمبية الدولية للمعاقين في دليلها بأن يراعي كل مصنعي التجهيزات المستخدمة أثناء أولمبياد لندن 2012 للمعاقين التكاليف وتوافر منتجاتهم على نطاق واسع لضمان أن التحسينات والتطوير الذي يجرونه على منتجاتهم لن يظل مقتصراً لمصلحة نخبة معينة . هناك مثلا الكراسي المتحركة الجديدة الأخف وزناً والأكثر رشاقة لأنها مصنوعة من ألياف كاربونية وهي متاحة حالياً في السوق ولكن يكلف كل كرسي منها نحو 2000 جنيه استرليني . صحيح أن تقنيتها تطورت، في جزء منها، بفضل مهندسين متخصصين بالرياضة يعملون لمصلحة رياضيين من النخبة إلا أن استعمالها زاد في الآونة الأخيرة بشكل كبير .

كرسي متحرك اختبر في طائرة حربية

مع بدايات بارالمبيك في لندن ارتسمت على وجوه الكثيرين، خاصة رياضيي بعض الدول المشاركة، ملامح التعجب إزاء الإنجازات المتلاحقة للبريطانيين . وصدر التفسير الذي فضح السر من صحيفة بريطانية، حيث أشارت إلى أن بريطانيا أنفقت ما يربو إلى 700 ألف جنيه استرليني على الأبحاث والتطوير الخاصة بالتجهيزات الرياضية المصممة خصيصاً لرياضييها المشاركين في الأولمبياد . فمن أجل تقييم فاعلية الديناميكية الهوائية للكراسي المتحركة وضع العلماء البريطانيين الكرسي المتحرك الخاص برياضييها داخل نفق لعصفه بالهواء، وهو نفق بنته شركة أجهزة ومعدات دفاعية واستخدمته سابقاً لاختبار طائرة (تايفون) الحربية . أما قابلية هذا الكرسي على المناورة فقد تم اختباره باستخدام تكنولوجيا تعقب متطورة جداً طورها فريق (ماكلارين) لسباقات (الفورمولا 1) . في حين أن المقاعد من صنع شركة (بي إم دبليو) . ولو عدنا إلى الألعاب البارالمبيك قديما لوجدنا بونا شاسعاً بين ما كان يستخدم من كراسي متحركة في الألعاب الرياضية وما يمتلكه الرياضيون المعاقون اليوم . فالكرسي المتحرك في ذلك الوقت كان يزن أكثر من 23 كيلوغرام، في حين أن هذا الكرسي اليوم، وبفضل ألياف الكاربون وبراعة المهندسين، أصبح وزنه كيلوغرامين فقط . ويشرح (اليسون ماكفرسون)، الباحث المتخصص في الرياضة البريطانية، ذلك بالقول: التطور مذهل في هذا المجال . فقد بذلنا جهداً كبيراً في تحسين قدرات الرياضيين وتقريب فرص نيلهم للميداليات . ولكن في النهاية كل شيء يعتمد على موهبتهم وجهدهم .

وفي السياق نفسه، عملت شركة (ثراسوس) البريطانية على ابتكار إطار رمي خاص بالفريق البريطاني لرمي القرص والكرة الحديدية يعمل على ربط الرياضي بحزام من فخذه ويسمح له باستخدام كل قوته للرمي مع كامل الحرية في الحركة، كما طورت شركة (اوسور)، واحدة من الشركات العالمية الرائدة في صناعة الأطراف الصناعية، ساقاً صناعية مصممة خصيصاً للاستخدام في سباقات الدراجات الهوائية . وانكب (جودي كوندي)، الفائز بخمس ميداليات بارالمبيك منذ أولمبياد بكين على المساهمة مع مهندسي هذه الشركة في تعديل تصميم ساقه الصناعية كي تكون أخف وزناً وأكثر ديناميكية ولا تحتاج لحذاء دراجة هوائية لأن الساق تدخل مباشرة في الدواسة، كما يستخدم (جون الان باتروورث)، أيضاً من الفريق البريطاني، ذراعا صناعية مصممة خصيصاً له ليقود دراجته الهوائية في جميع ظروف الديناميكية الهوائية تقريباً .

أما قصة (بي إم دبليو) مع الكرسي المتحرك لفريق كرة السلة البريطاني المشارك في بارالمبيك في لندن ففيها فصول عجيبة . فقد اعتمدت هذه الشركة على تقنيات (الفورمولا 1)، حيث استخدمت في البداية ماسحاً ضوئياً ثلاثي الأبعاد صورت به أعضاء الفريق وهم جالسون على كراسي مملوءة بحبات الفول الصناعية التي يلهو بها الأطفال وحددت موضع جلوس كل واحد منهم بدقة تصل إلى مليمتر واحد فقط . وباستخدام نفس عمليات التصميم بالحاسوب المستعملة لتصميم سيارات (الفورمولا 1) وكذلك نفس آلات الطباعة ثلاثية الابعاد، نجح المهندسون في ابتكار مقاعد مصممة بحسب الطلب من خلال الصور ثلاثية الأبعاد تلائم كل رياضي بدقة متناهية . وللمرة الأولى على الاطلاق أصبح المقعد المصنوع من رغوة يساعد الرياضيين على الحركة ككتلة واحدة مع كراسيهم مقتطعا 14 .0 ثانية من وقتهم لإكمال سباق لمسافة 20 متراً .

الثبات يمنح قدرة غير عادية

يقول اد اوروجبمي، الذي استخدم هذا الكرسي، (نجح المقعد الجديد في تحسين لعبي بشكل كبير للغاية . فالثبات منحني القدرة على الدوران بسرعة سواء لليمين أو اليسار، وهي الحركة التي لم أكن استطيع القيام بها سابقاً . فالسرعة القصوى التي احصل عليها تجعلني أدافع بسهولة أكبر ضد أفضل الهجمات المرتدة الجانبية في العالم وهذا يمنحنا الافضلية . أعتقد أن هذا الكرسي أتاح لي لعب افضل مباريات كرة سلة في حياتي) . ويقول الفريق البريطاني أيضاً إن خفة الوزن والثبات لهذه المقاعد أتاحت لهم قابلية العودة إلى الخلف بسرعة أكبر . وصنعت هذه المقاعد بواسطة آلات صناعة نماذج سريعة ومتطورة جداً تعمل على (طباعة) الأشياء الصلبة طبقة بعد أخرى على مدى 24 ساعة . وتستخدم شركة (بي ام دبليو) هذه الآلات في تصميم السيارات حيث تنتج 50 ألف نموذج سنوياً لاستخدامها في الاختبارات .

المزلجة تأخذ الأوامر من الدماغ

ربما يظن البعض أن رياضة المزلجة هي آخر ما يمكن أن يفكر به العلماء لمساعدة المعاقين على ممارستها بكل يسر وتحقيق الأرقام الأولمبية، ولكن هذا ما حصل بالفعل، حيث صمم طلبة في كلية الهندسة بجامعة امبريال لندن أيضاً مزلجة تستخدم الإشارات الكهربائية الصادرة من الدماغ لتوجيهها اثناء المنافسات . وهذه التقنية متوافرة حالياً حيث تستخدم سماعات متوافرة تجارياً قارئة للأفكار تدعى (اموتيف ايبوك) وسعرها 299 دولاراً يستعملها ممارسو ألعاب الفيديو أحياناً . ويقول الدكتور دومينيك ساوثغيت: النموذج الذي صنعناه فيه أجزاء تعمل بالفعل وأثناء التمارين بإمكانها توجيه المزلجة إلى اليمين أو اليسار وفتح هذا النوع من الرياضة بشكل تام أمام المعاقين . واستخدمنا فيها سماعات قارئة لموجات الدماغ وحالما تدرب النظام سيطيع أوامرك بمجرد التفكير بها .