تحل اليوم ذكرى رحيل رجل قدم حياته من أجل رفعة شأن الوطن . 35 عاماً مرت على استشهاد سيف سعيد غباش أول وزير دولة للشؤون الخارجية في الفترة من 25 سبتمبر/ أيلول عام 1973 وحتى استشهاده في يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1977 وهو اليوم الذي كان بمثابة فاجعة وصدمة كبيرة لشعب الإمارات والأمتين العربية والإسلامية، لفقدان رجل وطني بارز خدم بإخلاص دولة الاتحاد، والقضايا العربية والإسلامية .

واتخذت مبادرات عدة لتخليد اسم سيف بن غباش، حيث سمي مستشفى النخيل برأس الخيمة باسمه، كذلك أطلق اسمه على مكتبة وزارة الخارجية، وتم تخصيص كرسي في جامعة جورج تاون باسمه، وتكفل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بتخصيص مبلغ للصرف عليه .

وقد وصفه السياسيون بأنه ملحمة من ملاحم الكفاح من أجل العلم والمعرفة ونموذج رائع للتفاني والإخلاص في خدمة الوطن والأمة .

أخلاقه وثقافته

وبفضل دماثة أخلاقه وثقافته الواسعة والمتشعبة الجوانب في شتى مجالات المعرفة كالأدب والفلسفة والتاريخ والسياسة والاقتصاد، وإجادته لغات عدة، تميزت ممارسته وطروحاته في السياسة الخارجية ببعد حضاري وإنساني يلفت الانتباه، كما تميز فكره السياسي بالواقعية المتأنية، وأسهم إتقانه لغات ست في إدارة التفاوض والحوار مع وزراء خارجية بريطانيا وروسيا وألمانيا وإيطاليا بغير مترجم .

وكان ملماً بقضايا أمتنا العربية وعالمنا الإسلامي ودؤوباً على متابعة اتجاهات السياسة الدولية، وقد دعم هذه المعرفة بإقامة العلاقات الوثيقة الواسعة مع عدد من الشخصيات القيادية والسياسية البارزة في الوطن العربي، وكان له دور في توطيد علاقة دولة الإمارات العربية المتحدة وتعزيز تعاونها مع الدول الشقيقة والصديقة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية .

كما أسهم الفقيد في إبراز دور ومواقف الإمارات في كثير من القضايا على الساحتين العربية والإسلامية، من خلال مشاركته في المؤتمرات العربية والدولية وكثير من المحافل .

مراحل تعليمه

ولد الشهيد سيف سعيد بن غباش المري في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1932 في حي المعيريض بإمارة رأس الخيمة، وتوفي والده سعيد بن غباش بن مصبح بن أحمد بن زايد بن صقر بن أحمد المري عندما كان في ال12 من عمره، وتوفيت والدته بعد 3 أشهر من وفاة والده، وعاش بعدها مع عمته في دبي لمدة 3 سنوات حيث التحق بالمدرسة الأحمدية لفترة من الزمن وكان يدرس اللغة الإنجليزية في مدارس ليلية .

وفي العام 1946 بدأ مسيرته التعليمية على يد الشيخ أحمد بن حجر حيث تعلم النحو والبديع والبيان والفقه الإسلامي وعلم الفرائض، متميزاً عن أقرانه الطلبة بذكائه وسرعة حفظه للأبيات وحل مسائل الفرائض، حيث قام بتأدية فريضة الحج برفقة جدته وصحبة الشيخ سيف المدفع قاضي إمارة الشارقة آنذاك .

في خريف عام 1949 سافر الشهيد سيف غباش إلى البحرين طلباً للعلم والمعرفة، وعلى الرغم من التحاقه بالدراسة في المدرسة الابتدائية الشرقية في المنامة قبل الامتحان النهائي للسنة الرابعة الابتدائية بعدة أشهر فقط، فإنه نجح بتفوق وامتياز وكان ترتيبه الأول على جميع طلبة البحرين، ليغادر بعدها إلى العراق بعد تخرجه في الثانوية العامة عام 1953 وحصوله على المركز الأول حاملاً رسالة توصية تشيد بكفاءته من دائرة المعارف .

رحلته الجامعية بدأها بدراسة الهندسة في جامعة بغداد، حيث اجتاز السنتين الأولى والثانية بنجاح لافت، وعلى الرغم من عدم دراسته دراسة علمية في البحرين فإن الظروف السياسية التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر حالت دون إتمامه السنة الثالثة حيث اضطر إلى مغادرة العراق عام 1956 متوجهاً إلى مصر، حيث حصل على بعثة من المؤتمر الإسلامي هناك، لكن كلية الهندسة لم تعترف بدراسته في بغداد .

قرر السفر إلى الكويت ليعمل هناك بوظيفة مساعد مهندس في دائرة الأشغال الكويتية وسط إصرار منه على متابعة القراءة والبحث العلمي إلى درجة تحولت فيها غرفته المتواضعة في أحد الأزقة الضيقة إلى محطة لزملائه المفكرين يناقشون فيها أمور السياسة والثقافة والتاريخ العربي والعالمي .

في أوروبا

وفي عام 1959 هاجر الشهيد سيف غباش إلى النمسا بعد أن توقف برهة في لبنان الذي كان يحتضن حينها معظم المثقفين والسياسيين، وأقام في مدينة كراتس التابعة للعاصمة فيينا، حيث عكف على دراسة اللغة الألمانية بشغف واهتمام لينمي ذاكرته بروائع الأدب الألماني مثل الشاعر #187;غوتة#171;، إلا أن الظروف المادية وغلاء المعيشة حالت دون التحاقه بالجامعة لمتابعة دراسة الهندسة فقرر الانتقال إلى ألمانيا وتحديداً إلى مدينة ديسلدورف حيث عمل مساعد مهندس في شركة إنشاءات ألمانية مصراً على جمع ما يكفي من المال لمتابعة دراسته، وانتقل بعدها من ألمانيا إلى سويسرا متقدماً للعمل في شركة أخرى مساعد مهندس حيث تمكن بذكائه وتفوقه من الحصول على الوظيفة .

واستفاد من وجوده هناك بالقيام بزيارات متعددة إلى إيطاليا التي أسهمت في إثراء ثقافته في حقل الآداب والفنون وقدر لا بأس به من اللغة، وفي عام 1963 انتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس وفي نيته الاستقرار لإتمام دراسته الجامعية في الهندسة حيث حاول الحصول على منحة دراسية إلا أن الظروف لم تساعده على ذلك، فحول جهوده نحو تعلم اللغة الفرنسية ودراسة الأدب والفلسفة قارئاً لكبار المفكرين والأدباء أمثال ألبير كامو وجان بول سارتر وموليير .

العودة

في عام 1969 بعد نحو 20 عاماً من الغربة والترحال، عاد الشهيد سيف غباش إلى مسقط رأسه في رأس الخيمة وهو مملوء بالحماسة للعمل في خدمة وطنه وتأمين مستقبل آمن لعائلته حيث رزق تباعاً بأبنائه الثلاثة عدنان وعمر وسعيد، وكانت وظيفة رئيس قسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة أول عمل يسند إليه، حيث لعب دوراً كبيراً في تخطيط المناطق الزراعية والسكنية التي كانت الإمارة تخطط لمنحها إلى مواطنيها، فأسهم في وضع الخرائط وتقسيم الأراضي وتنظيم ملكيتها ومساحتها إضافة إلى مشاريع حماية الشواطئ وشبكة المواصلات الحديثة، وسعى إلى بث المعرفة والنهضة الثقافية من خلال مقالات في مجلة رأس الخيمة حيث كان يترجم كل ما تكتبه كبريات الصحف والمجلات العالمية عن الأحداث المهمة في العالم، كما نشر أفكاره عن مشروع حماية شواطئ المعيريض الشمالية وشبكة المواصلات الحديثة للإمارة داعماً مقالاته بالخرائط والرسوم الهندسية المبسطة .

رافق الشهيد سيف غباش المغفور له بإذن الله الشيخ صقر بن محمد القاسمي طيب الله ثراه، إلى بعض العواصم العربية والأجنبية بين عامي 1969 و1970 وشارك ضمن وفد رأس الخيمة في محادثات الاتحاد التي سبقت انسحاب بريطانيا من المنطقة وإعلان استقلال دول الخليج، وفي عام 1971 كان من أوائل الإماراتيين الذين هبوا للدفاع عن أرضهم ووطنهم حيث ذهب ضمن وفد من الإمارة إلى القاهرة لعرض قضية احتلال إيران الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى على مجلس جامعة الدول العربية، مدافعاً عن عروبة الجزر، ومطالباً بإنهاء الاحتلال الإيراني، كما شارك في إصدار نشرة عن تطورات الوضع بعد الاحتلال وأسهم في ترجمة وصياغة البرقيات المرسلة إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى .

وزارة الخارجية

تم تعيين الشهيد بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1971 في منصب وكيل وزارة الخارجية، حيث عمل جاهداً على تنظيم الوزارة وتجهيز العناصر الجيدة من شباب الإمارات لإرسالهم إلى سفارات الدولة في الخارج، كما قام بتنظيم الإدارات التابعة للوزارة ومنها الشؤون السياسية والشؤون القنصلية والمالية والإدارية والسكرتارية، ساعياً إلى تربية جيل جديد من الدبلوماسيين عبر دعوتهم الدائمة إلى تحكيم العقل والابتعاد عن الانفعال والعواطف وانتهاج الموضوعية في الحكم على الأحداث التي تمر بها البلدان العربية والأجنبية .

وفي 25 ديسمبر 1973 شكلت وزارة اتحادية جديدة وعين الشهيد أول وزير دولة للشؤون الخارجية، ليصبح المتحدث الرسمي باسم الإمارات في المحافل الدولية محاولاً بكل جهده إيصال صوت الإمارات إلى العالم ودعوتها إلى صداقة الشعوب واستتباب العدالة والسلام .

القضايا العربية

كان الراحل من أشد المتحمسين للقضية الفلسطينية حيث ذكّر الأمم المتحدة في خطابه أمام الجمعية العامة عام 1975 بقراراتها منح الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة واتخاذ قرارات لإجبار #187;إسرائيل#171; على الالتزام وفق الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية .

كما كان داعياً إلى إقامة علاقات عربية أوروبية تنطلق من الجذور التاريخية، وفي عام 1976 شارك في مناقشة قضية الشرق الأوسط أمام مجلس الأمن وألقى خطاباً بارزاً ندد فيه بالسلوك العدواني ل#187;إسرائيل#171;، وكان خطابه الأبرز قبل يوم من استشهاده في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1977 حيث أدهش المشاركين في اجتماع الأمم المتحدة بعرض عميق وواضح لمسيرة المنظمة الدولية .

قالوا عنه

كانت للفقيد معزة خاصة وثقة عميقة من قبل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، رحمه الله، وقد علق المغفور له على وفاة غباش بكلمات يملؤها العطف والحنان والأسف على فقدانه، حيث وصفه رحمه الله بأنه #187;مثال للرجل المسؤول في دولتنا . . وواحد من خيرة شبابنا ممن جاهدوا وسعوا لخير العرب ووحدة كلمتهم وتضامنهم#171; .

قال الشيخ صقر بن محمد القاسمي رحمه الله، عنه، #187;إنه فلتة من فلتات الزمن، وقد عاد إلى بلاده في الوقت المناسب، كانت المسؤولية تنتظره كثمرة حان قطافها#171; .

وقال عنه أحمد خليفة السويدي رحمه الله #187;كان سيف رحمه الله دمث الخلق، لطيف المعشر، واسع الاطلاع، وكان شعلة من النشاط، وكان له دور كبير في تأسيس #187;الخارجية#171; .

خبر استشهاده

عند الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الثلاثاء 25 أكتوبر ،1977 كان الشهيد الراحل يرافق عبد الحليم خدام وزير الخارجية السوري آنذاك إلى مطار أبوظبي لوداعه، وعند دخول الوزيرين إلى الصالة الكبرى لمطار أبوظبي وفي طريقهما إلى قاعة الشرف، انطلقت رصاصات غادرة كانت تهدف اغتيال خدام، لكنها أصابت الوزير غباش في كتفه وبطنه، حيث نقل إلى المستشفى وتوفي متأثراً بجروحه .

كان خبر استشهاده مفاجأة مفزعة لمعظم أصدقائه من الكتاب والسياسيين الأجانب، ففي الأمم المتحدة أبدى كل من شارك في الجمعية العامة أسفه البالغ للخسارة الفادحة التي منيت بها الإمارات .

وفي واشنطن توالت البرقيات والمكالمات الهاتفية على سفارة الدولة من رؤساء معاهد وجمعيات وبعض أعضاء مجلس الشيوخ، أما في أوروبا فقد كانت اللجنة العامة للحوار العربي والأوروبي مجتمعة حينما انتشر خبر وفاته فما كان من المشاركين إلا أن قطعوا الاجتماع ووقفوا دقيقة صمت على روحه .