في يوم ما كان مفهوم الأسرة الممتدة يمثل واقعاً راسخاً في الدولة، إذ كان الزواج يعني مزيداً متصاعداً من إنجاب الصغار، وكان الأجداد إلى جانب الأبناء والأحفاد يقيمون في بيت واحد، تجمعهم الألفة، توحدهم المصلحة المشتركة، ويسكنهم الحلم في إرساء مفردات مستقرة، لحياة هادئة وهانئة، مترامية الجوانب، مرتكزة على عمق إنساني، ووطني، واجتماعي واقتصادي هادف .

ومرت الأيام، وغزت التكنولوجيا الحديثة جوانب الحياة المختلفة في الدولة، وتسربت إلى العقول والأفكار الشابة، التي اندثرت من بعضها، كثير من القناعات التي كانت بمثابة القاعدة التراثية الأساسية للمجتمع، ومنها زيادة الإنجاب، حيث كاد أن يصبح مفهوم الأسرة الممتدة الذي كان عنواناً لخريطة الواقع المحلي في الدولة، سراباً، أو ملمحاً من الماضي قارب أن يختفي .

تحديد النسل، بطفل أو طفلين على التقدير الأكثر، أصبح هو الشعار الذي يتخذه كثير من الأزواج الجدد من الشباب المواطنين، فالاتجاه إلى الاحتماء بعدد كبير من الأبناء تحول إلى تقليد قديم يتجنبه كثيرون، ويستهزأ به البعض، ويترحم عليه آخرون، والمزاعم في الأحوال كافة التي يسوقها هؤلاء لتبرير الاتجاه إلى ذلك، تتركز في الصعوبة المادية، والتعقيدات الحياتية، وارتفاع التكاليف المعيشية، علاوة على عدد آخر من التبريرات التي قد لا تستند إلى المنطقية .

وإن كان تقليص الإنجاب يقضي على مفهوم الأسرة الممتدة، فإنه إلى جانب ذلك يأتي على التوجه الذي كانت تتكئ عليه الدولة، في محاولاتها الرامية إلى تعديل وضع التركيبة السكانية المختلة فيها، والتي لا يشكل فيها المواطنون سوى نسبة لا تتعدى 8%، بما يعادل 950 ألف مواطن، من إجمالي عدد سكان الدولة ككل، فضلاً عن مخالفته السنة المطهرة، في قول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه (تنكاحوا، تكاثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامه)، كما يناقض ما دعا إليه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه من حث أبناء الدولة على الإكثار من إنجاب أكبر عدد من الأطفال لزيادة عدد المواطنين .

هذا التوجه الجديد في تحديد النسل الذي أصبح يعتنقه عدد غير قليل من أبناء الدولة حين اقدامهم على الزواج، نبحثه في التحقيق الآتي، ونستوضح الخفايا الحقيقية التي تقف وراءه، والحلول الممكنة لإعادة مفهوم الأسرة الممتدة إلى الواقع المحلي من خلال إنجاب المزيد من الأطفال المواطنين .

بدءاً ومن واقع دراسة حديثة أصدرتها وزارة الصحة قال المستشار الأسري خليفة المحرزي: هناك انخفاض في معدلات الخصوبة في الدولة، سببه التحولات الاجتماعية ومظاهر التغير في المجتمع الإماراتي، التي أدت إلى تغيرات أساسية في البناء الاجتماعي، والثقافي، والسكاني، فالمجتمع يتكون من شريحتين متباينتين في خصائصهما السكانية، الأولى شريحة السكان المواطنين التي تعد مجتمعاً طبيعياً من ناحية، ديمغرافية والثانية شريحة السكان غير المواطنين والتي تشكل ديمغرافية المجتمع، فضلاً عن عدم التوازن العددي في السكان، والذي يتمثل في زيادة عدد الرجال مقارنة بالنساء . وأشارت أحدث الإحصاءات التي أصدرتها وزارة الصحة إلى انخفاض معدل الخصوبة الإجمالي للمرأة الإماراتية عما كانت عليه فى العقدين السابقين، وأوضحت انخفاض الخصوبة بشكل ملحوظ في أوساط المتعلمات منهن، في حين يتركز الانخفاض الأكبر للخصوبة في المناطق الحضرية مقارنة بالريف .

والمؤشر السابق يدل على أن هنالك تحولات مهمة طرأت فى الأنماط التقليدية للخصوبة، علماً بأن المتوسط العام للخصوبة التراكمية للنساء فى الإمارات بلغ 04 .5 أطفال لكل امرأة، بمعدل 76 .4 أطفال لكل امرأة من نساء الحضر، و66 .5 أطفال لكل امرأة من نساء الريف، فيما سجل المتوسط التراكمي 8 أطفال لكل امرأة ضمن الفئة العمرية من 45-49 سنة .

وحسب الدراسة التي أُجريت على عينة من 5822 أسرة إماراتية فإن معدل الخصوبة الكلية خلال الفترة من 1992-،1995 بلغ 24 .4 نساء، ومعدل الخصوبة العامة بلغ 137 / 1000 امرأة، فيما بلغ معدل المواليد 4 .31/ 1000 امرأة .

أسباب مختلفة

ومن الأسباب التي أدت إلى تحديد البعض للنسل خروج المرأة للعمل، فكلما زاد عدد النساء اللآتي يعملن، قلت نسبة الإنجاب، وبالتالي قل عدد الأطفال، الأمر الذي سيؤدي إلى تباطؤ النمو على المدى البعيد، باعتبار أن النساء يؤجلن موضوع الحمل والولادة، وقد خرج العديد من الدراسات تثبت مدى انخفاض معدلات الخصوبة لدى المرأة في الدول التي ترتفع فيها معدلات توظيفها، رغم سعي الحكومات إلى إزالة المعوقات التي تعيق جمع المرأة بين العمل وإنجاب الأطفال، عبر منحها العديد من التسهيلات المتعلقة بالعمل، كإجازة الأمومة، ورعاية الأطفال، والسماح بمزيد من ساعات العمل المرنة، وإصلاح أنظمة الضرائب والضمان الاجتماعي التي تشكل عائقاً أمام عمل المرأة .

وسائل المنع

ومن الأسباب أيضاً استخدام الوسائل الطبية الحديثة، حيث كشفت إحدى الدراسات عن أن نسبة النساء الإماراتيات اللاتي يعرفن وسائل تنظيم الحمل بلغت 1 .86 %، في حين بلغت نسبة النساء اللائي استعملن هذه الوسائل فعلياً 47،3%، وتبلغ نسبة مَن يستعملنها حالياً 27،6 %، فضلاً عن ان 53 % من النساء المتزوجات يؤيدن استخدام وسائل تنظيم الأسرة بعد إنجاب المولود الاول .

كما كشفت الدراسة عن أنه من بين 5822 أسرة إماراتية عدد أفرادها 45830 شخصاً، هناك 22660 ذكراً، و23165 أنثى، بمعدل 7،87 فرد للأسرة الواحدة، كما بينت الدراسة أن توزيع الذكور للإناث بلغ 8 .97 ذكراً لكل 100 أنثى، في حين بلغت نسبة الإناث من العمر الإنجابي 15-49 سنة 46% لمجموع الإناث، بما مجموعه 5745 امرأة متزوجة أو سبق لها الزواج .

وهناك أيضاً انحسار لدور الأسرة الممتدة، إذ يتجه عدد كبير من المتزوجين حديثاً إلى تقليص عدد أفراد الأسرة لديهم، حيث يكتفون بإنجاب ما بين 24 مواليد فقط، لعدة أسباب منها التحول الكبير من نظام الأسرة الممتدة، إلى نظام الأسرة النووية الصغيرة، إلى جانب غلاء المعيشة الذي أدى إلى لجوء كثير من الشباب المواطنين إلى تحديد النسل، بما أسفر عن انعكاسات سلبية على الهوية الإماراتية، فالأسرة المستنزفة مادياً لا يتبقى لديها شيء تنفقه على أبنائها، لذلك تلجأ إلى خفض عدد المواليد لتقنين نفقاتها .

زيادة محدودة

وأضاف المحرزي: إذا استمر هذا الوضع على ما هو عليه فلن يكون للهوية المواطنة حضور ملموس في المجتمع، حيث كشفت إحصاءات صادرة عن وزارة الصحة أن عدد مواليد المقيمين يفوق عدد مواليد المواطنين بنسبة كبيرة .

وأشارت إلى محدودية الزيادة في معدل مواليد المواطنين خلال السنوات الأخيرة، وهذا الأمر يؤدي إلى مشكلات تهدد الأمن الاجتماعي للدولة خلال الفترة المقبلة .

ويؤكد هذا الأمر التقرير السنوي للموارد البشرية للإمارات لعام 2005م، الذي اشار إلى انخفاض معدل الخصوبة للمرأة الإماراتية بمقدار 57% خلال الفترة من عام 1985م إلى عام 2004م، وأن متوسط عدد الأطفال الذين أنجبتهم المرأة الإماراتية عام 1985 كان 7،2 طفل، بينما انخفض الرقم إلى 4،6 طفل عام 2004م، كما أن الإحصاءات في وزارة الصحة أشارت إلى أن جملة عدد المواليد المواطنين في عام 2002 كان ،24340 فيما كان عدد المواليد غير المواطنين في العام ذاته ،33780 بزيادة قدرها 9440 مولوداً غير مواطن .

والحقيقة، وبالنظر إلى الانفجار السكاني المستمر في معدل المواليد في العالم الثالث، فلن نمثل رقماً يذكر خلال الخمسة عشر عاماً المقبلة، لذا ينبغي على الدولة تبني سياسات واضحة ومدروسة لزيادة الإنجاب بين الأسرة الإماراتية كما تفعل الدول المتقدمة، ومن بينها الحكومة الفرنسية التي تعد الأكثر نشاطاً في تشجيع الإنجاب، حتى إنها تنشر إعلانات تحمل صورة طفل كُتب تحتها: فرنسا تحتاج إلى أطفال .

أو كما فعلت السلطات اليونانية بمنح المزيد من الحوافز النقدية، لإغراء الأمهات اللاتي لديهن أكثر من طفلين على إنجاب المزيد، في محاولة لرفع معدلات المواليد في الدولة التي تشيخ بخطى متسارعة، ومن الحوافز المادية التي تغري بها الحكومة اليونانية العائلات التي لديها ثلاثة أطفال، دفع ضرائب أقل عند شراء سيارة جديدة .

تحديات عدة

ومن ناحيته حدد د . أحمد جلال التدمري مستشار الدراسات في رأس الخيمة عدداً من الأسباب التي تقف وراء عدم إقدام عدد من أصحاب الزيجات المواطنة الشابة على زيادة الإنجاب، بادئاً بالقول: الإنجاب مسؤولية شخصية ووطنية ذات أهمية للحفاظ على الهوية الوطنية، وللمساهمة في معالجة خلل التركيبة السكانية للدولة، ولكن هناك تحديات قد تعوق التنمية الاجتماعية بشكل خاص، والتنمية السكانية المستدامة بشكل عام ومنها عدم ثبات النمو السكاني .

فمن أسباب عزوف بعض الشباب عن الإنجاب إجمالاً، أو الاكتفاء بأقل عدد من الأطفال، الاعتقاد أن الأسرة المثالية تتكون من طفل أو طفلين فقط، للتمكن من تربيتهما، والاعتناء بهما، فضلاً عن امكانية اتفاق الزوجين على الاكتفاء باقل عدد من الأطفال، أو تأجيل الإنجاب ككل إلى حين استكمال الزوجة - مثالاً - الدراسات العليا، إلى جانب تأخير عدد من أصحاب الزيجات الحديثة الإنجاب بعض الوقت للتمتع بالشباب في السنوات الأولى للزواج قبيل الانشغال بمسؤولية الأطفال، علاوة على احتمالية وجود ضغوط أسرية اخرى لتأخير الإنجاب، إلى جانب تقليد الشباب الغربي في مسألة العيش بحرية دونما مسؤوليات كثيرة، فضلاً عن عزوف بعض الشباب المواطنين عن الزواج من مواطنات خاصة المتعلمات منهن تفادياً لمتطلبات الزواج وتكاليفه، بما ينعكس سلباً على الإنجاب، إلى جانب زيادة نسبة الطلاق بين الشباب المواطنين، لفشل زيجات كثير منهم بشكل مبكر .

وهناك أيضاً عزوف من عدد كبير من الفتيات المواطنات عن الزواج إلا بشروط وبمواصفات ومتطلبات معينة في الشباب عندما يوافقن على الارتباط بهم، فضلاً أحياناً عن سوء اختيار شركاء أو شريكات الحياة، وعدم تحمل المسوؤلية التوافقية المشتركة بين شباب وفتيات الوطن، علاوة على المعارضة المجتمعية لتعدد الزوجات كحل شرعي لمعالجة ارتفاع تعداد العوانس وبالتالي زيادة الإنجاب، الذي ينعكس انخفاضه سلباً على المجتمع المحلي، في حين لزيادته تأثير ايجابي في تعديل خلل التركيبة السكانية، الذي ينمو بشكل طردي متوازٍ تبعاً لظروف التنمية الاقتصادية والسكانية .

وللإنصاف، فقد اهتمت الدولة بمعالجة هذه القضايا بإقامة الأعراس الجماعية التي جاءت فكرتها لتحقق أهداف صندوق الزواج الرامية إلى تيسير أمور الزواج وتحمل نفقاته، إلى جانب مساهمتها في إدخال الفرحة إلى قلوب المجتمع بأسره، كما وفرت الدولة منح الزواج للشباب المواطنين، وتكفلت ببناء العديد من المساكن الحديثة، للخريجين من الشباب الإماراتي لتأمين استقرارهم، ومساعدتهم على تكوين أسر جديدة، إلى جانب إرسائها منظومة متكاملة من الحوافز التي تشجع المواطنين على الزواج والإنجاب، وتأمينها خدمات الصحة، والتعليم، لأبناء المجتمع .

ولابد أن أشير إلى طبيعة الحياة الاجتماعية في العقود القديمة حيث كانت الأسرة تمتد في سكن واحد متقارب يجمع أكثر من جيل من الأجداد والآباء والأحفاد، تجمعهم الألفة والترابط واحترام العائلة الكبيرة، ويتكاتفون في تحمل المسؤولية المعنوية والمادية، وفي هذا المجال أدعو إلى العودة قدر الإمكان إلى هذا التعايش التراثي، والتغلب بجدية على الثقافة المستوردة من الغرب والشرق التي تحد من النسل، وعلى شبابنا من الذكور والإناث عدم الانجراف تجاه تلك الثقافة والتفاخر بها، والتشبه بمظاهرها، وتقليدها، وعليهم التمسك بالأخلاق والقيم الإسلامية، وعدم الانصياع للنزوات والإغراءات التي تطلقها وسائل الغزو الفكري والنفسي للمجتمعاتنا العربية والإسلامية .

إن كان ما سبق استعراضه من أسباب، وتحديات يقف وراء تحديد النسل، فمن الحلول الآتية التي تأتي على السنة عدد من الفعاليات المجتمعية ما يستوجب أن تهتم بالنظر فيه الجهات المعنية، ومن ذلك ما قاله المستشار علي الرضوان رئيس في محكمة استئناف الشارقة: الشريعة تحث على عدم تحديد النسل لمخالفته للشارع الحكيم، وبالتالي فمن يحدد نسله يعتبر مخالفاً للشرع، إلا إذا كان وراء ذلك سبب شرعي كأن يولد الأطفال مصابون بأمراض وراثية وجينية، ففي هذه الحالة يجب عدم الإنجاب، أما بالنسبة لضعف الإمكانات المادية بما يؤدي بالبعض إلى تحديد النسل، فالرزق بيد الله سبحانه وتعالى وحده، حيث هناك من يتزوج بأكثر من زوجة واحدة، وكلما أتى بزوجة جديدة بارك الله له في رزقه، بل وزاده له، لأن الأصل يكمن في عدم تحديد النسل، فضلاً عما في ذلك من مناقضة لتوجه الدولة نحو الاكثار من عدد المواطنين .

والشباب ممن يفكرون في تحديد النسل متأثرون بما يشاهدونه من افلام، وبما يرونه في الدول الأخرى الخارجية، إلى جانب ضعف الوازع الديني لديهم، فيما يكمن الحل في زيادة جرعة التثقيف التي يجب ان توجه لهم، من خلال الأجهزة الإعلاميه المختلفة، ورجال الدين بشكل رئيسي، على ان يتم التشديد عليهم بوجوب الزواج من الفتيات المواطنات حفاظاً على الهوية الوطنية للدولة، وعلى مكتسباتها، وثرواتها .

تشجيع التعدد

ويرى يوسف النقبي الرئيس السابق لمجلس ادارة نادي الخليج في خورفكان ان عدم تحمل كثير من الشباب المواطنين للمسؤولية، خاصة الفتيات وراء السبب في تحديدهم النسل، حيث تنشغل الزوجة الجديدة من هؤلاء بكثير من الأمور الحياتية الهامشية على حساب إنجاب الأطفال، إلى جانب اعتمادها بشكل شبه كلي على الخادمات، وقال: رغم عدم تقصير الدولة تجاه المواطنين وتوفيرها كل مايؤمن لهم الاستقرار المعيشي، إلا أن تفكير البعض في تحديد النسل يؤرق المضاجع، ويهدد بزيادة خلل التركيبة السكانية، بما يستوجب تشجيع التعدد، الذي يسهم في حل مشكلة العنوسة، ويزيد عدد المواطنين من خلال الإنجاب، حيث من حق المطلقات والأرامل الزواج ثانية، لذا فلابد أن تعمل الدولة من خلال وزارتي الثقافة والشؤون الاجتماعية، والجامعات والمعاهد، على توعية الشباب بأن في التعدد تحصين لهم وللفتيات اللائي عليهن قبول هذه الفكرة، شريطة أن يعدل الرجل بين الزوجات، وعلى الأسر عدم التشدد عند تزويج بناتها، من الموافقة عمن يرضون خلقه ودينه، من دون اشتراط المكانة الاجتماعية، والوظيفية والمادية وخلافه، و أيضاً من دون الإصرار على تزويج الابنة الكبرى قبل الصغرى .

ومن جهته يؤكد سعيد الطنيجي رجل أعمال على أن عزة المواطنين في قوتهم، وأن فئة قليلة من الشباب المواطنين هم من يتجهون نحو تحديد النسل، بما يتطلب توعيتهم وتثقيفهم بأهمية زيادة النسل لتعديل خلل التركيبة السكانية، الذي يعد بمثابة الهدف الاستراتيجي للدولة، وقال: اطالب أولياء الأمور توعية الأبناء ممن هم في طريقهم إلى تكوين أسر جديدة بزيادة النسل، إلى جانب دور أجهزة الإعلام خاصة المرئية والمسموعة في ذلك، على أن تنظم الجهات المعنية بالأسرة ندوات حول هذه القضية، وأن تبين الإيجابيات التي ستترتب على زيادة عدد المواطنين، مقارنة بالسلبيات المترتبة على عكس ذلك .

قال أحدهم: كيف يمكن أن نفكر في زيادة الإنجاب مع الغلاء الذي نعاني منه، والذي يقضي على كامل دخلنا الشهري، ما بين شراء مستلزمات المنزل، ومتطلباتنا الشخصية، وسداد قسطي السيارة، والقرض فضلاً عن راتب الخادمة؟

فقد تزوجت منذ خمس سنوات، ولدي ثلاثة أطفال، ولا أفكر على الاطلاق في إنجاب المزيد، وإذا كانت الدولة منحتنا علاوة أطفال، إلا أن هناك العديد من الخدمات الأساسية الأخرى المفقودة في المستشفيات الحكومية والمدارس، وغيرها، مما يضطرنا إلى اللجوء إلى العيادات الخاصة، والحاق أطفالنا بالمدارس الخاصة كذلك، بما يترتب على ذلك من رسوم مرتفعة تأتي على راتبي بالكامل، بل واضطر إلى الاستدانة في أغلب الأحيان، فكيف إذاً أفكر في زيادة الإنجاب، والحياة لم تعد كما كانت سابقاً من حيث رخص الأسعار، وسهولة المعيشة؟

لسنا مسؤولات

قالت فاطمة علي (مواطنة): تزوجت منذ أكثر من عامين، لجأت أنا وزوجي إلى تأجيل الإنجاب لفترة حتى تستقر أحوالنا المادية، فراتبينا معاً لا يتعديان 15 ألف درهم، ونسكن في منزل بالإيجار، وبالكاد نستطيع تسيير أمورنا، فبعد تسديد الإيجار، والاقساط التي تراكمت علينا بفعل تكاليف العرس، لا يتبقى لنا ما يكفي لمجرد التنزه والترفيه عن النفس، ومع ذلك ففي حال أقدامنا على الإنجاب، لن ننجب سوى طفلين فقط، حتى نستطيع تربيتهما، خاصة مع الضغوط المعيشية الكبيرة، إضافة إلى أنني لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية تربية عدد كبير من الأطفال، كما كانت أمي وجدتي، فأنا لا أمتلك جلدهما وصبرهما وقدرتهما، فيما تلك الأيام ولت، ولا يمكن لكثير من المواطنات الشابات حالياً تحمل متاعب الحمل والولادة، وعناء تربية الصغار والعناية بهم، والحقيقة لست وغيري مسؤولات ولو بشكل جزئي عن تعديل خلل التركيبة السكانية بزيادة النسل، فقضية التركيبة تحتاج في الأصل إلى وقفة حكومية مشددة ضد فتح أبواب الدولة أمام استقدام المزيد من العمالة الأجنبية والعربية، فهناك العديد من أبناء وبنات الدولة من الخريجين والخريجات الذين يعانون من البطالة، وبلا دخل مادي، لذا فالأولى بمؤسسات الدولة أن تسارع إلى تشغيلهم، وإحلالهم محل كثير من العمالة الوافدة، فهم أبناء الدولة، الذين يستحقون دعمها، ومساندتها .

مصبح الكتبي: التقاعد المبكر

انعطافاً على طلب 19 عضواً في المجلس الوطني الاتحادي، خلال جلسة المجلس الأولى التي عقدت الأيام الماضية، سيتم خلال الفترة المقبلة مناقشة مشكلة الخلل في التركيبة السكانية للدولة، التي كلما تفاقمت، نقص عدد المواليد في الأسرة الإماراتية الواحدة، وقل الإنجاب، بما يشكل علاقة عكسية مقلقة، حول ذلك قال مصبح بالعجيد الكتبي عضو المجلس: الحل الاساسي لهذه الإشكالية المجتمعية يتركز في التقاعد المبكر للمرأة، حيث يأتي خروجها للعمل، وخوفها على وظيفتها، ومظهرها ورشاقتها، من الأسباب الرئيسية وراء تحديدها النسل، أو رفضها الإنجاب بشكل عام، فضلاً عن وجوب زيادة منح الزواج التي تعطى للشباب المقبلين على الزواج لمساعدتهم في توفير المستلزمات الأولى الضرورية للمواليد، إلى جانب اهمية توفير مسكن للأزواج الجدد من المواطنين، وزيادة بدلات الأبناء من 600 درهم إلى ألف درهم، وتثقيف الشباب بأهمية زيادة الإنجاب لمعالجة خلل التركيبة السكانية للدولة .

سيف الجابري: مخالفة للشريعة

قال د . سيف الجابري مدير إدارة البحوث في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي: تحديد النسل قضية ليست بالجديدة في المجتمعات، بل زمنية قديمة منذ الأزل، ولها نظامها، وآلية تطبيقها، وشريعة الإسلام جاءت مقره لما كان سائداً بين البشر، فقد حدث أن سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن العزل، فبين أن العزل جائز شرعاً، ولكن ما كتبه الله سبحانه وتعالى سوف يكون، وعلى ذلك نقول إن تحديد النسل أصبح اليوم بمثابة اللعبه في أيدي بعض الأطباء، من توجيههم للراغبين فيه إلى استخدام موانع مختلفة، فيما ارتبط لدى بعض الشعوب بمسألة الرزق، وفي ذلك مخالفة لشريعة الله، حيث إنه سبحانه وتعالى هو الرزاق .

وقد أصيبت بعض الأسر المسلمة بهذا الداء، وحرمت نفسها من نعمة الذرية، وتبعها في ذلك بعض الأزواج في مسألة التعفف عن إنجاب الولد ما أثر في التنمية البشرية، وبصفة خاصة في مجتمع مثل الإمارات في حاجة ماسة إلى التعداد السكاني، وتنمية الأسرة مقابل الخلل الواضح في التركيبة السكانية، الذي ينذر بالخطر لقلة الإنجاب .

هناء شهاب: قناعات ذاتية

عما إذا كانت المحاكم تشهد قضايا طلاق بسبب رفض الزوجة إنجاب المزيد من الأطفال، أو ما شابه، قالت المحامية هناء شهاب: ليس الأمر بهذا المعنى، لكن قد يكون سبباً من أسباب الخلافات الزوجية، رفض أي من الزوجين الإنجاب، وخاصة الزوجة لرغبتها في العمل، أو حتى لا يؤثر الحمل على مظهرها، وقد يتمثل سبب الخلاف في رغبة احدهما بتحديد النسل، وفي كل الأحوال فليس لدينا العدد الكاف من المواطنين لنحدد النسل، ونقيده بعدد معين من الأطفال، هذه الفكرة أو التوجه مرفوض تماماً، فالدولة في حاجة ماسة إلى زيادة عدد المواطنين، خاصة أنها لم تقصر في تقديم كل ما من شأنه تحقيق الاستقرار المعيشي لأبنائها، لكن المشكلة في كيفية إقناع المواطن نفسه بزيادة النسل، المشكلة نفسية، اجتماعية تتركز في الأشخاص انفسهم، وقناعاتهم الذاتية بأهمية زيادة الإنجاب .

د . خالد المدفع: التوعية الإعلامية

عن دور أجهزة الإعلام المرئية في التوعية المجتمعية بأهمية زيادة الإنجاب، حفاظاً على مفهوم الأسرة الممتدة، قال د . خالد المدفع مدير إذاعة وتلفزيون الشارقة: رجال الدين في معظم البرامج الدينية التي تذاع يحثون على عدم تحديد النسل، لكون زيادة الإنجاب من صلب الإيمان، كون الرزق من الله سبحانه وتعالى .

وأعتقد ان السبب في اتجاه البعض إلى تحديد النسل يرجع إلى عمل المرأة في المقام الأول، وخوفها من فقدان الوظيفة في ضوء متاعب الحمل التي تضطرها في كثير من الأحيان إلى الحصول على إجازات متكررة، علاوة على حصولها على اجازة للوضع ومايعقب ذلك من انقطاع عن العمل لفترات مختلفة لمرض الطفل مثالاً وغير ذلك، بما يهدد إمكانية استغناء جهة عملها عنها، وما يترتب على ذلك من انقطاع راتبها الذي يدعمها اقتصادياً، وكل ذلك يعتبر ثمناً للتطور .

والتشجيع على زيادة الإنجاب يتطلب تثقيف أفراد المجتمع بذلك من خلال المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، الذي عليه تنظيم برامج توعوية للشباب، وعلى الدولة إعداد استباينات لاستقصاء آراء أفراد المجتمع حول التعديلات الواجب إدخالها على القوانين المختلفة الخاصة بالأسرة، والمتعلقة بالرواتب، والإجازات، وبدلات الأطفال، وساعات الرضاعة التي تمنح للأم المواطنة وغيرها، والوقوف عما إذا كانت تشجع الأسر على زيادة الإنجاب من عدمه، لإدخال تعديلات عليها إذا تبين قصورها في جوانب معينة .

أحمد الزعابي: دعم السلع

أحمد الزعابي عضو المجلس الوطني الاستشاري يقول: تحديد النسل مخالف للشرع، فالرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه قال: (تزوجوا الودود الولود، فإني مباه بكم الامم يوم القيامة )، فالاسلام كان يحث على الزواج، والإكثار من الإنجاب، والحقيقة فمجتمعنا صغير من حيث عدد المواطنين، خاصة وان نسبة لاتقل عن 25 % من التعداد الإماراتي من كبار السن، والأغلبية العظمى المتبقية من الشباب الذين تتراوح اعمارهم مابين 18 - 20 عاماً، لذا فقد تبنى المجلس المطالبة بمناقشة الخلل في التركيبة السكانية، وحصل على موافقة من مجلس الوزراء، وقريباً سيتم بحث هذا الموضوع .

ولتشجيع زيادة النسل لابد من مساعدة الشباب الجدد على الزواج من خلال توفير السكن المناسب، وزيادة علاوة الأطفال، والمساعدة في مصاريف المدارس ومتطلباتها المختلفة التي تثقل كاهل رب الأسرة، في ضوء هجمة الأسعار الحالية، مع اهمية دعم اسعار السلع المختلفة لاسيما الغذائية، و أيضاً المحروقات، حيث يحتاج المواطن الذي لديه عدد كبير من الأطفال إلى سيارة فارهة، تحتاج بالطبع إلى استهلاك مرتفع من البنزين، بما يعجز ميزانيتة .

د . أحمد البنا: الاقتصاد الاجتماعي

لتحديد النسل تأثير سلبي في اقتصاد الدولة، عن ذلك قال د . أحمد البنا الخبير الاقتصادي: من الخطورة بمكان هذا الفكر الذي ارتكن إليه عدد من المواطنين، استناداً إلى ضعف مقدرتهم الاقتصادية، ما دفعهم إلى التخطيط لحياتهم على أساس تحديد النسل، والاكتفاء بطفل أو طفلين، حيث يؤثر ذلك سلباً والى حد كبير في امكانية معالجة خلل التركيبة السكانية للدولة، الذي يلقي بثقل سلبي على الاقتصاد الاجتماعي لها .

فنسبة المواطنين مقارنة بالمقيمين من جميع الجنسيات تتراوح ما بين 7 % - 8%، وهى نسبة من القلة بمكان، فيما تنقص سنوياً، لذا فعلى الحكومة الاتحادية التحرك بشكل كبير من خلال مؤسساتها وجهاتها المختلفة، تدعمها في ذلك الحكومات المحلية، لوضع خطط معينة - تجابه هذا الفكر المستجد من البعض بتحديد النسل - منها زيادة العلاوات التي تمنح للأبناء، أو منح المواطنين من الآباء والآمهات مكافآت معينة، وتوفير جميع المتطلبات الاقتصادية التي تغطي احتياجات المواطن العادي، لتكوين أسر كبيرة العدد، لا تقل عن ستة أفراد .