تحتفل سلطنة عمان اليوم الأحد بالذكرى الثانية والأربعين لانطلاق مسيرة نهضتها الحديثة بقيادة السلطان قابوس بن سعيد، الذي تمكن من حشد طاقات أبناء عمان البشرية والمادية، ما جعلها تنجح في تشييد الدولة العصرية التي كان قد وعد بها فور ولايته في الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1970م، وذلك من خلال تشييد بنية أساسية ضرورية ومكلفة في كل القطاعات على امتداد أرض بالسلطنة المترامية .
فعلى صعيد تجربة الشورى العمانية، أثبت العمانيون خلال الحقبة الماضية - على حد قول السلطان قابوس - أنهم يتمتعون بمستوى جيد من الوعي والثقافة والادراك والفهم في تعاملهم مع مختلف الآراء والحوارات والنقاشات التي تنشد مصلحة بلادهم وأبناء وطنهم الأوفياء، مؤكدا أن هذا الوعي سيزداد وأن هذه الثقة سوف تنمو وتترسخ من خلال الدور الذي يقوم به أعضاء مجلس عمان - مجلسي الدولة والشورى - في مجال تبادل الرأي وتداول الأفكار وبفضل المنهج الحكيم الذي تجلى وسوف يستمر في تناولهم لمختلف القضايا بالدرس والتدقيق ولكل الآراء بالتمحيص والتحقيق .
ومن أهم العلامات المميزة لمسيرة النهضة العمانية الحديثة حرصها على جعل المواطن محورا لكل برامج التنمية الوطنية وصاحب الأولوية فيها، حيث سارت التنمية البشرية منسجمة ومترافقة مع جهود تشييد البنية الأساسية التي شكلت وتشكل الأرضية الضرورية اللازمة لانطلاق جهود التنمية والتطوير في كل المجالات .
وقد ضاعف من كلفة البنية الاساسية في السلطنة خلال السنوات الماضية تضاريسها الصعبة ومساحتها المترامية الاطراف باعتبارها ثاني أكبر دول مجلس التعاون من حيث المساحة من ناحية وللحاجة إلى الوصول بالبنية الأساسية إلى كل الارجاء من ناحية ثانية، ما تطلب بذل الكثير من النفقات، وهي مشروعات سوف تتواصل باعتبارها ضرورة متجددة ومستمرة يقتضيها التطور الاجتماعي والاقتصادي، وذلك إلى جانب الالتزام بالتنمية البشرية للنهوض بالإنسان العماني وتوجيه الحكومة إلى التركيز في خططها المستقبلية على التنمية الاجتماعية خاصة في جوانبها المتعلقة بمعيشة المواطن بإتاحة المزيد من فرص العمل وبرامج التدريب والتأهيل ورفع الفائدة الإنتاجية والتطوير العلمي والثقافي والمعرفي .
وقد اهتم السلطان قابوس بتلبية احتياجات مواطنيه وتطلعاتهم - وفي مقدمتهم الشباب والمرأة وأصحاب الضمان الاجتماعي، حيث شهدت الاشهر القليلة الماضية سلسلة من الإجراءات التي تمثل أبرزها في زيادة أعداد الطلاب المقبولين في مرحلة التعليم العالي والبعثات الداخلية والخارجية اعتبارا من العام الاكاديمي الماضي من خلال استيعاب أعداد اضافية من الطلاب في جامعة السلطان قابوس وكليات التقنية ومراكز التدريب، كما تم استيعاب سبعة آلاف طالب وطالبة في البعثات الداخلية وألف وخمسمئة في البعثات الخارجية، ومساواة المخصصات المالية لطلاب البعثات الجزئية بمخصصات البعثات الكاملة لتشمل ثلاثمئة وأربعين طالبا وطالبة يتلقون تعليمهم في 16 دولة عربية وأجنبية، وإعفاء المقترضين من بنك الاسكان العماني من رسوم الخدمات المصرفية والادارية حتى نهاية سداد القروض القائمة مع تخفيض رسوم الخدمات المصرفية والادارية المعمول بها تخفيفا للأعباء على المواطنين، وضم 23 مركزاً من مراكز الوفاء الاجتماعي التطوعية إلى وزارة التنمية الاجتماعية، والغاء الدرجة الخامسة من هيكل أجور العاملين في الحكومة بأثر رجعي منذ عام 2006 وتحمل الدولة للفروقات المالية المترتبة على ذلك، وتخصيص 40 مليون ريال لبرنامج الاسكان الاجتماعي تضاف إلى ما هو مخصص من قبل لتصبح القيمة الاجمالية 80 مليوناً سنوياً خلال سنوات الخطة الخمسية الثامنة- الحالية - ورفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، وبرامج تشغيل الباحثين عن عمل من الشباب وتنفيذ خطة وطنية لهذا الغرض .
وفي إطار اهتمامه بتسهيل مراجعات المواطنين لمؤسسات الدولة كافة عمل مجلس الوزراء على إنشاء دوائر متخصصة في الوزارات والوحدات الحكومية والخدمية لتسهيل معاملات المواطنين بالاضافة إلى تكثيف زيارات الوزراء والوكلاء للولايات والمحافظات للتأكد من سلامة العمل وتحقيق التواصل بين المواطنين والجهات الحكومية، إلى جانب حرصه على اصدار بيانات شهرية كاشفة حول أهم ما اتخذه من قرارات وبحثه من موضوعات تهم الوطن والمواطن مقدما نموذجا عمليا يؤكد الحرص على الشفافية وتطوير الاداء وتقديم كل ما يمكن لتنفيذ برامج التنمية الوطنية .
وتكريسا لمشاركة المواطنين في عملية صنع القرار والتطوير المستمر للعمل الديمقراطي، جرى تعديل النظام الاساسي للدولة العام الماضي لمنح مجلس عمان مزيدا من الصلاحيات الرقابية والتشريعية، كما يأتي الإعلان عن تشكيل مجالس بلدية بالانتخابات الحرة المباشرة في الثاني والعشرين من الشهر القادم بمثابة تعزيز للمسيرة الديمقراطية العمانية وتأكيداً لدور المواطنين وحقهم في اختيار ممثليهم على مختلف الاصعدة النيابية . . لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة، وانما الفيصل هو ما تسفر عنه نتائج صناديق الاقتراع، خاصة أن المجالس البلدية في المحافظات ستتمتع باختصاصات عديدة على صعيد العمل البلدي والمحلي مما يسمح بمزيد من التفاعل والتكامل أيضا بين كل الجهود على الصعيدين المحلي والتنفيذي من ناحية، وتوسيع المشاركة الشعبية واستيعاب مزيد من طاقات المواطنين والشباب بشكل أخص في مجال العمل التطوعي لخدمة الوطن والمواطن من ناحية ثانية .
ومن بين التطورات التي تستحق الاشارة اليها ما شهده العام الجاري من اجراءات عملية لتعزيز استقلال القضاء والادعاء العام عبر فصله كاملا عن السلطة التنفيذية فيما يتعلق بشؤونه الفنية والمالية والادارية، حيث تم اعادة تشكيل المجلس الاعلى للقضاء واختصاصاته وصلاحياته وتنظيم ادارة شؤون القضاء .
وعلى صعيد مسيرة التنمية والبناء، كان العام الجاري مميزا حيث شهد أضخم ميزانية في تاريخ السلطنة بلغ حجم الانفاق المعتمد فيها 10 مليارات ريال عماني بزيادة نسبتها 23 في المئة عن حجم الانفاق المعدل للعام الماضي، في حين يصل حجم الايرادات العامة 8 .8 مليار ريال بزيادة نسبتها 21 في المئة، فقد تم احتساب الإيرادات النفطية على أساس متوسط سعر 75 دولاراً للبرميل ومتوسط انتاج يصل إلى 915 ألف برميل يومياً، كما شهد العام الحالي انشاء مجلس أعلى للتخطيط ومركز وطني للإحصاء والمعلومات .
وتعطي الميزانية أهمية خاصة للبعد الاجتماعي والمحافظة على معدل التضخم بنفس مستوياته للعام الماضي وتحقيق نمو اقتصادي بمعدل سبعة في المئة، حيث يسيراستكمال مشروعات البنى الاساسية - كالمطارات والموانئ والطرق ودفع المشروعات الضخمة في عدة مناطق جنبا إلى جنب مع البرامج التي تتضمنها خطة التنمية الخمسية الثامنة- التي تنتهي بنهاية عام 2015م- بما في ذلك المشروعات الخدمية والتنموية في محافظة مسندم بما في ذلك تقوية ميناء خصب من حيث ادارته وتشغيله ورفع كفاءته ببناء الارصفة البحرية وايجاد الساحات المناسبة لاستيعاب الانشطة التجارية والسياحة .
كما أن سياسات السلطنة الخارجية - التي يحرص السلطان قابوس على التشديد عليها في كل مناسبة - استندت وتستند على ثوابت وركائز تتمثل في الدعوة إلى السلام والوئام والتعاون الوثيق بين سائر الأمم .