تمكن الدكتور نورمان خلف المتخصص في علم الحيوان والثدييات، من إصدار أول نشرة دورية علمية فلسطينية ترصد وتحصر حيوانات بيئة فلسطين بعنوان الغزال حين كان طالباً في كلية العلوم في جامعة الكويت عام 1983 . وبعد حصوله على الدكتوراه من جامعة بون الألمانية، أخذ يجوب العالم العربي باحثاً عن الجديد في عالم الحيوان، ومنقباً عن حفرياته بدءاً من فلسطين إلى لبنان والكويت وسوريا والعراق، والسعودية وقطر والبحرين وعمان والإمارات . إضافة إلى أبحاثه المرتبطة بالبيئة العربية في دول أوروبية مثل ألمانيا، وفرنسا، بريطانيا . كما كانت محطته الإماراتية حافلة بالاكتشافات بعد أن سجل باسمه ثلاثة اكتشافات محلية لسمكتين إماراتيتين في وادي الوريعة، إضافة إلى اكتشافه حفريات الفيل الإماراتي في صحراء أبوظبي . حول رحلاته العلمية ومؤلفاته واكتشافاته يدور هذا الحوار:
قضيت عمرك باحثاً في عالم الحيوان، ما أبرز أبحاثك؟
- تمحورت معظم أبحاثي حول دراسة البيئات الحيوانية والفصائل الأصلية والهجينة والمستوطنة للأرض الفلسطينية، فعلى الرغم من عدم تفريق آلة العدوان الإسرائيلي الغاشم بين الإنسان والحيوان، في الدمار والتخريب، إلا أن مساحة فلسطين البالغة 27 ألف كيلومتر مربع، تحوي الكثير من الاختلافات الطبوغرافية، مثل البيئة البحرية على ساحل البحر المتوسط، وساحل البحر الأحمر في منطقة العقبة، والبيئة الصحراوية في صحراء النقب جنوب فلسطين، والجبلية مثل القدس وجبال الخليل.
ما الذي يميز كل بيئة عن غيرها؟
- اختلاف البيئات يؤدي إلى اختلاف الحيوانات، فهناك على سبيل المثال حيوانات تتحمل البيئة الصحراوية، مثل أنواع المها والغزلان المتشابهة في تكوينها للموجودة في شبه الجزيرة العربية، كما يوجد في البيئة الجبلية النمر العربي وهو نفس الفصيلة الموجودة في الإمارات وسلطنة عمان والسعودية، ويسمى نمير . وكما تتميز كل دول العالم بحيوان أو طير كرمز لبيئتها، فما يميز فلسطين عصفور الشمس الفلسطيني، وهو طائر فلسطيني لا يتكاثر إلا في فلسطين . إضافة إلى الغزال الفلسطيني، والحيوانات التي استوطنت تلك الأرض من ملايين السنين، وحدث فيها نوع من التغيرات والتداخلات الجينية على مر الأجيال، تكيفاً مع البيئة الفلسطينية على مر العصور .
هل اكتشفت حيوانات فلسطينية سجلت باسمك في النشرات العلمية الدولية؟
- نعم كان لي السبق في اكتشاف نوعين من الحيوانات، أبن آوى الفلسطيني أو ما يعرف بالواوي، وهو من الفصيلة الكلبية، لكنه بين الكلب والثعلب في التكوين . كما اكتشفت نوعاً من الفئران الموجودة في قطاع غزة، مختلف في سماته الوراثية عن الفئران المتعارف عليها، فهو فأر منزلي لا يوجد في أي مكان في العالم إلا في غزة، يميل لونه إلى اللون البني لكن به بياض غير موجود في الفصائل المعروفة للفئران .
كيف ترى واقع البيئة الفلسطينية حالياً؟
- للأسف علم البيئة والحيوان ينظر له في عالمنا العربي نظرة ثانوية، فعندما أذهب إلى فلسطين بمعداتي أراقب الحيوانات والطيور، يعتبرني البعض منعزلاً عن العالم، وغير عابئ بالوضع الصعب الذي يعيشونه في غزة، وكيف لا يجد أحدهم الطعام وأنا ذاهب للبحث عن الحيوانات . لكن الحقيقة أن العلم والعلماء لهم دور كبير في الدفاع عن القضية الفلسطينية، فأنا وغيري من الباحثين لنا دور في توثيق الهوية البيئية الفلسطينية في الكتب والمراجع والنشرات العلمية . فالأرض لا يعيش فيها الإنسان في بيوت وقرى فقط، لكنها بيئة متكاملة بها نباتات وحيوانات محلية يرتبط بها الإنسان من ملايين السنين . وقد لا يعرف من يصفني بالطرف العلمي، أننا نواجه الكثير من الصعوبات للتحرك بين غزة والضفة، وتعرضنا أكثر من مرة للقنص والمضايقات للتوصل لبحث علمي فلسطيني جديد .
كيف تأثرت البيئة الفلسطينية بالاحتلال الإسرائيلي؟
- هناك جريمة ترتكب بشكل يومي في حق البيئة الفلسطينية، فجدار الفصل العنصري الذي أقامه الكيان الإسرائيلي بارتفاع ثمانية أمتار، لم يفصل فقط البيوت والبشر، لكنه فصل أيضاً الحياة الحيوانية والبرية، وهو ما أثر بالسلب في السلالات الفلسطينية الأصيلة من الحيوان والنبات . أضف إلى ذلك أن النفايات الإسرائيلية تصب عن عمد المخلفات في وادي غزة، ومجاري المياه الطبيعية، إضافة إلى دفنهم للنفايات النووية في الضفة الغربية . وهو ما أثر سلباً على الإنسان والحيوان في فلسطين .
ما معوقات العمل البيئي الفلسطيني؟
- تفرض قوات الاحتلال قيوداً كبيرة على حركة العلماء بشكل مبالغ فيه كجزء من مخطط تفريغ فلسطين من العقول والمبدعين، وعندما نود القيام بأحد الأبحاث البحرية لا يسمح لنا بتجاوز مسافة 3 أميال، داخل المياه الفلسطينية، وعلى الرغم من حملي الجنسية الألمانية التي تسمح لي بحرية الحركة، تعرضت للقنص أكثر من مرة بسبب أحد أبحاثي البحرية في مدينة إيلات أو أيلا بالفلسطينية .
ماذا عن أبحاثك في الإمارات؟
- أتيت إلى الإمارات في العام ،2004 حيث عملت مع هيئة البيئة والمحميات بالشارقة، وأنجزت الكثير من الأبحاث عن الحيوانات الموجودة في الشارقة . ولاحظت أن البيئة الإماراتية متطابقة مع بيئة شبه الجزيرة العربية، ومتشابهة إلى حد كبير مع البيئة الفلسطينية، كما شاركت في الأبحاث والمشاريع البيئية مع هيئة البيئة في أبوظبي، ووزارة البيئة في دبي .
ما آخر مؤلفاتك العلمية؟
- وقعت في دورة هذا العام لمعرض الكتاب في الشارقة، الجزء الثاني من كتاب حيوانات فلسطين الذي أجمع فيه دراساتي الحيوانية في ربوع فلسطين منذ العام 1983 إلى العام ،2009 وشرفت بأن أهديه إهداءً خاصاً لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي يولي للثقافة الحيوانية وعلم الحيوان اهتماماً بالغاً، وهو ما يتضح في إنشائه المحميات وإصداره المراسيم التي تحافظ وتحمي الحيوان والنبات .
ماذا عن اكتشافاتك على المستوى المحلي؟
- كنت في إحدى الرحلات البيئية في وادي الوريعة في الفجيرة، الذي أصبحت منطقته فيما بعد أول محمية طبيعية في الدولة . ويتعجب البعض عندما يذهب إلى تلك المنطقة ويجد هناك شلال مياه عذبة يصب في بركة صغيرة عمقها 6 أمتار، فقمت بالغوص في هذه البركة واكتشفت نوعين من أسماك المياه العذبة، في سبق دولي نشر في النشرات العلمية باسمي، ويحمل النوع الأول اسم سمكة الكهوف العمياء أو جارا بريمي وريعي Garra barreimiae wurayahi Khalaf, 2009 وتمتاز سمكة وادي الوريعة عن السلالات الأخرى التي تعيش في البحرين وعمان بلونها البني المعرق وحجمها الصغير حيث يصل طول الصغيرة من 1 - 4 سم، والبالغة من 4،5 - 7سم . أما النوع الثاني الذي اكتشفته في المنطقة نفسها فهي أسماك تتبع عائلة البلطيات أو المشطيات Cichlidae، ونشرت في الأبحاث العلمية باسم سمكة البلطي الإماراتية واسمها العلمي أوريوكروميس موزمبيقي بسام خلف أو Oreochromis mossambicus bassamkhalafi . واخترت لها هذا الاسم تكريماً لاسم والدي بسام خلف، الذي كان له الفضل الكبير في تربيتي على حب وتقدير وعدم إيذاء الحيوان منذ نعومة أظافري . كما كان لي السبق في اكتشاف أحافير الفيل الإماراتي في المنطقة الغربية في أبوظبي، بالتعاون مع هيئة البيئة هناك . وتمكنا من التوصل إلى شكله الذي كان يختلف عن فصائل الفيلة الموجودة حالياً، لأنه كان بأربعة أنياب ويختلف في الحجم عما هو الآن .
كيف وصلت الأسماك إلى الصحراء الإماراتية؟
- هذا السؤال يعرف إجابته علماء البيئة والجيولوجيا، فالإمارات كانت من أخصب بقاع الخليج، والدليل على ذلك نتائج الأبحاث التي أجريت في أبوظبي ودبي، فكان هناك نهران أولهما في أبوظبي يمر من العين إلى المنطقة الغربية، وفي دبي من جبال الحجر إلى منطقة الخور الذي يعد جزءاً من هذا النهر القديم .
ودلت الحفريات والأصداف البحرية على أن التماسيح كانت تعيش في هذه الأنهار كما كانت تعيش فيها أسماك المياه العذبة وفرس النهر وكانت المنطقة حافلة بالزرافات، والفيلة، والأسود والنمور وخير دليل على ذلك لها وجود كميات كبيرة من النفط في تلك المناطق، مما يدل على وجود كائنات عضوية كالحيوانات والنباتات .