تخونهم الثقة أحياناً وهم يطرحون هواجس قلق تسيطر عليهم، وكيف لا وهم يعيشون في أشباه منازل، يتلقون البرد بأجسادهم العارية بعيداً عن دفء الوطن، القصص التي تتفرع من يومياتهم عديدة، آلاف النازحين السوريين في جنوب لبنان، يحاولون أن يبنوا شيئاً من مستقبل مؤقت لهم ولو بمزيج من دمعة وغصة وألم . . . كيف يعيشون وفي أي ظروف، وهل الدولة اللبنانية تقدم لهم المساعدات وفق الاتفاق مع المفوضية العليا لمساعدة اللاجئين الجهة الرسمية الوحيدة المخولة متابعة أوضاعم النازحين؟ كيف يرون الواقع وبأي أسلوب يعيشون؟ أسئلة ترافق رحلة الغوص في حياة سوريين تركوا وطنهم المدمر على مصراعيه، ولجأوا إلى وطن أكثر أماناً بالنسبة إليهم .

أكثر من عشرين ألف نازح سوري في جنوب لبنان، والحبل على الجرار، يرزحون تحت وطأة ظروف قاسية اقتصادية - اجتماعية ونفسية، يتوزعون على أقضية النبطية، بنت جبيل، صور ومرجعيون . . ومعظمهم يقطن منازل بسيطة جداً لا تتوفر فيها مقومات العيش . الرقم على ضخامته يطرح الكثير من التساؤلات، ماذا لو تضخم هذا العدد أكثر وأصبح عصياً على الجنوب استيعابهم؟ أي خريطة طريق تُفصَل لمعالجة هذه الأزمة الخطرة التي تحمل في طياتها الكثير من الأبعاد الإنسانية والأمنية على حد سواء؟ كيف يعيشون؟ وفي أي ظروف وماذا عن الدعم؟

أسئلة تفتح السجال على مصراعيه في مقاربة الصورة القاسية لنازحي سوريا، الذين يحاولون أن ينأوا بأنفسهم عن الموت والخوف والذعر . أحداث الحياة غصة . . يعيشون في غصة وقلة أجبرتهم على اجتراح حلول وقائية لأزمتهم الراهنة التي قد تطول .

ضياء وغزل البنات

التعمق في الحالة الإنسانية لهؤلاء النازحين يكشف الكثير من تعقيدات الحياة الملبدة بغيومها الاقتصادية الباردة جداً والتي أدمت ظروفهم أكثر، بيد أن ما باليد حيلة لا بد من باب ما يفتح المعونة، لآلاف ممن تركوا بيوتهم غصباً واختاروا منازل قد لا ترقى إلى مصاف المنازل . لا يهم أين نسكن؟ وكيف؟ المهم أن نعود عما قريب تقول ضياء التي تسكن في كاراج بابه شرشف تفوح منه رائحة معاناة قاسية، وداخله تعيش مع ابنتيها رغد ورفا .

أكياس غزل البنات وتفاح محلى تستقبلك . في الداخل تنهمك ضياء في إعداد طلبية غزل البنات، شرشف يفصل بين مصنعها البسيط ومنزلها، منزل لا يحوي سوى حصيرة وفرش ومدفأة، دمعة صامتة ترافقها وهي تحاول أن تؤمن لقمة ابنيتها .

قبل سبعة أشهر غادرت ضياء ريف إدلب، هرباً من رعب الإجرام، تقول: اخترت بلدة كفررمان لأنها تشبه بلدي، وفيما تغرورق عينيها بالدموع، كنت أعيش برنسيسة في بلدي، لكن الظروف اضطرتني لصناعة غزل البنات لكي أؤمن 225 ألف ليرة أجرة البيت الذي لا يشبه منزلاً، إضافة لضرورات الحياة .

تحاول ضياء أن تخفي وجعها بين تلك الدموع التي تغطي عينيها تخليت عن كل شيء . . منزلي دمّر وكل شيء راح، هناك جرح كبير داخلي . . رح موت عبالي ارجع وروح على بيتي . تقولها بغصة ثم تنهمك في إتمام طلبية غزل البنات، المهنة المستجدة في حياتها لم أجد سبيلاً آخر . تمضي ضياء معظم وقتها بين غزل البنات والتفاح المحلى، فيما ابنتها رفا (4 سنوات) تتلهى بألعابها . ترسم الوطن المجروح . . تلونه بلون الأمل . . وتكمل رسم لعبتها التي ماتت بالقصف تركتها هناك هي كانت رفيقتها اليوم صارت فعلاً ماضياً تقول ضياء .

خوف من الرعد والإيجار

لا تخفي ميسار قلقها من أن تطول الأزمة . قلقها تواجهه بضحكة لا تفارقها، رغم أنها تعيش ظروفاً قاسية في منزل يتسرب اليه المطر فيما تحتله البرودة القارسة . المنزل خال من كل شيء إلا من دمعة وغصة ولكن سنصمد ونعض على جرحنا . لا تتردد ميسار بالقول إن هناك ظلماً نعيشه . الظروف مزرية جداً، نعيش في منزل نوافذه نايلون ولكن نعول على الفرج . ترمي كلماتها على ابنتها الصغيرة التي تتأبطها كما لو كانت تتأبط وطناً يرحل بعيداً . . لقد أضحى خراباً . . متى تزول هذه الغيمة لنعود؟ بحرقة تضيف يعيش أطفالي حالة خوف كبير، يخافون من كل شيء . يلازمون الصمت ولا يتحركون تذرف دمعة ألم وهي تتحدث عن اطفالها: ما ذنبهم، ما ذنبنا نحن أن نتحمل العذاب هذا كله، وبعد، علينا أن ندفع 200 دولار إيجار غرفة لا تتسع لنا . لماذا هل تحول النازح لقمة سائغة في يد أصحاب المنازل؟ .

من حلب إلى النبطية

يعيش النازحون السوريون حالة صعبة جداً يقطنون في منازل لا تتوفر في أغلبها أبسط مقومات الحياة، ومع ذلك لا تفارقهم الضحكة ويتحدثون عن أمل آت من خلف أسوار الألم الذي رافق مغادرتهم قراهم . هذا هو حال آلاء التي قدمت من حلب قبل أيام قليلة برفقة زوجها وولديها ووالدي زوجها . رأينا الموت قبالة أعيننا تقول قبل شهر تركنا حلب ولجأنا إلى قرية سيفيريا حيث عشنا عشرين فرداً في منزل واحد بلا مياه ولا كهرباء . . . حتى الطعام انقطع عنا فقررنا الهرب إلى النبطية، حيث توجد شقيقة زوجي التي غادرت قبلنا بشهر . في غرفة لا تتعدى أمتارها الأربعة تسكن، لا يهم المهم أن طفليّ يلعبان بعيداً عن لعبة الموت التي أرعبتهما كثيراً .

تعول آلاء على انتهاء الأزمة قريباً، لكن الخوف الأكبر من الغلاء الفاحش والظروف الاقتصادية الخانقة . . كل هذه الأمور أفكر بها . كيف سنواجه تلك الظروف وأي حال تنتظرنا؟ تسأل رافضة الانكسار، لقد بدأ زوجي العمل في الحلاقة وقد كنا نملك محلاً ومنزلاً في سوريا، الآن اضطر أن يعمل مياوماً كي نؤمن قوتنا .

عروبة ويزن

ليزن قصة أخرى يحاول أن يتأقلم والحال الجديدة، يجب أن نشد عزيمتنا، يجب أن نبقى أقوياء، يزن لم يتمكن من إكمال سنته الدراسية لأن المنهاج اللبناني يختلف عن السوري . أنا في صف البريفيه وإذا قُبلت يجب أن أخضع للامتحان في سوريا، أين هي سوريا اليوم، تحوّلت في غبار الصراع والموت، يتحدث يزن ابن الأربعة عشر عاماً بثقة مقتولة نحاول ان نرمم الحياة قدر المستطاع ولكن . . . .

لكن الأمل معقود على الصبر، تقول عروبة التي تسكن غرفة مع أولادها الأربعة وزوجها . أكثر ما يحز في نفس عروبة أنها لم تتمكن من استكمال تعليم أولادها محمد في البريفيه ولا يمكنه متابعة دراسته في لبنان لأن المنهاج باللغة الإنجليزية، أضف إلى ذلك أنه يجب أن يمتحن في سوريا، إنما كيف يتم ذلك في ظل هذه المأساة . نفس الوضع يسري على حمد وإخوته، معاناة قاسية تعيشها تلك العائلة التي تبحث عن خطوة للمستقبل تجهش عروبة في البكاء حين تحدثك عن منزلها المدمر ما العمل؟ لا بد من أمل يطل ذات يوم، يتعلق النازحون ببصيص أمل وإن كان بعيداً لا يوجد عمل دائم هنا والظروف قاسية والغلاء فاحش ما يكسر ظهر عروبة وزوجها هو الإيجار وتسأل أين الدعم؟

وهكذا عند خط فاصل بين أزمة قائمة وأزمة تلوح في الأفق، يقف النازح السوري متخبطاً في همومه المعيشية وهي تقتحم حياته، بين إيجار منزل وتأمين قوته اليومي، هناك سؤال ملح عن دور الدولة اللبنانية في معالجة فتيل الأزمة الإنسانية القائمة؟ لقد فوضت الدولة المفوضية العليا لمساعدة النازحين المهمة، وهذه الأخيرة تصدت لواجب المساعدة، التي تتمثل وفق الناطقة الإعلامية للمفوضية دانا سليمان أن الأزمة مرشحة للتفاقم أكثر، وبالتالي التخوف من ألا يتحمل لبنان وزر هذا الكم الهائل من النازحين، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة بشكل أكبر خاصة إذا لم يعد هناك من أماكن سكن .

منذ ما يقارب الثمانية أشهر بدا حراك دعم النازحين السوريين في لبنان . حراك انطلق مع الأمم المتحدة والمجلس الدنماركي لمساعدة اللاجئين، اللذين يتوليا عملية تطبيق برنامج الدعم المباشر للنازحين بتفويض من حكومة لبنان، إن على صعيد تأمين الإيجارات، أو عبر قسائم غذائية وغير غذائية قيمة كل قسيمة 50 ألف ليرة للفرد الواحد، فضلاً عن مدفأة، أغطية، فرش وغيرها من الاحتياجات الضرورية وفق ما تشير دانا سليمان إلى أن اللجنة العليا تنطلق في مقاربتها للصورة الإنسانية البحتة من أرقام شبه دقيقة، بالنظر إلى وجود نازحين غير مسجلين لدى المفوضية . هناك 1400

عائلة نازحة بمعدل 5 أفراد لكل عائلة، أي بحدود 7 آلاف فرد من مختلف مناطق سوريا، لذا نعمل على مساعدتهم على التسجيل ليستفيدوا من الدعم الغذائي المقدم من برنامج الأغذية العالمي ومجموعات مستلزمات الأطفال والفرش المقدمة من مجلس اللاجئين في الدنمارك .

ورأت سليمان أننا نحاول أن نقدم العون لهم ونمدهم بجرعات دعم تمكنهم من الصمود في مواجهة الظروف الصعبة المستجدة على حياتهم . وهذه الأنشطة التي استفاد منها ما يقارب ال600 شخص إنما تهدف لتمكين النازح من فتح آفاق عمل يمكن أن يساعده في المضي في النضال، أما الأنشطة الترفيهة فهدفنا عبرها إلى إخراج الأطفال والنساء من الحالة النفسية التي رافقت نزوحهم .