جلس رجل وحيداً يصطاد السمك على معدية نقل الأفراد والسيارات بين ضفتي قناة السويس، من دون أن يبالي بما يحدث خلفه من أحداث في مدينة بورسعيد، أو يفكر في العبور إلى الجانب الآمن في مدينة بورفؤاد على الضفة الأخرى .
لعل ما طمأن الصياد العجوز أنه يجلس على مقربة من قسم الميناء القديم، المؤْمن بتعزيزات من رجال الشرطة المتحفزين لهجوم على القسم من قبل متظاهرين غاضبين، وعلى بعد ما يقرب من مائة متر من موقع سقوط خطافه في مياه قناة السويس، يقف رتل من مدرعات القوات المسلحة، وجنود مسلحون لتأمين المبنى الإداري لهيئة قناة السويس ومرفق المعديات، بعدما تعرض لهجوم في الأحداث التي شهدتها المدينة منذ يوم السبت الماضي أمام السجن العمومي، جراء قرار محكمة الجنايات بتحويل أوراق 21 متهما إلى مفتي الجمهورية، بعد إدانتهم في أحداث استاد بورسعيد في فبراير/شباط من العام الماضي وراح ضحيتها 72 شاباً من مشجعي النادي الأهلي .
على مدار اسبوع خطفت بورسعيد (190 كيلو متراً شمال شرق القاهرة) اهتمام مختلف وسائل الإعلام المحلية والدولية، لتتحول من مدينة صغيرة متهمة بقتل مشجعي نادٍ رياضي، إلى مرشحة لشرارة أولى لسلسلة من الأحداث، قد تؤدي إلى تغيير سياسي غير متوقع، مثلما كانت جارتها السويس قبل عامين، بمشاركة ثالثتهما الإسماعيلية، لتستمر مدن القناة في أداء دورها التاريخي على خط المواجهة في الحروب، وتقديم إرهاصات الثورات .
قدر سكان مدن القناة أنهم يعيشون في منطقة وجدت دائماً على خط المواجهة، وصنعت تاريخها الخاص ومكونها الثقافي والنضالي، ضد العدوان الثلاثي على بورسعيد في العام ،1956 ثم المقاومة الشعبية وحرب الاستنزاف عقب نكسة العام 67 في السويس والإسماعيلية، وفتح المقدمات للثورات الشعبية، بعد أن تقدمت بورسعيد بأول شهداء ثورة 1919 المحامي علي حمدي في المظاهرات التي اندلعت يوم 8 مارس، ثم وضعت الإسماعيلية مقدمات ثورة 23 يوليو بسقوط سبعة من شبابها، خرجوا في مظاهرة من مدرسة الإسماعيلية الثانوية، إلى مبنى النافي الإنجليزي في 16 أكتوبر من العام ،51 لتندلع حرب المائة يوم التي انتهت بأحداث 25 يناير، التي كانت أحد أكبر أسباب الثورة على الاحتلال الإنجليزي والملك فاروق، لتقدم السويس بعد نحو 60 عاما مصطفى رجب، كأول شهيد ألهب حماس ميادين التحرير في مصر، لتبدأ ثورة 25 يناير 2011 .
تتميز مدن قناة السويس بسمات تميزها عن غيرها من باقي مدن مصر، وأعطاها الموقع الجغرافي خصائص فريدة لسكانها، تميزهم عن باقي مدن الجمهورية، فقد عانت بورسعيد والسويس والإسماعيلية، من عمليات تهجير قسري إبان حرب ،1967 حين اضطرت الحكومة المصرية آنذاك لإجلائهم من بيوتهم، تجنبا لسقوط المزيد من القتلى في صفوف المدنيين، بسبب استمرار الهجمات التي شنتها القوات الإسرائيلية خلال تلك الحرب على المنشآت العسكرية والنفطية، التي كانت غالبا ما تطال بيوت المدنيين .
يعرف الصياد العجوز ذلك التاريخ جيداً، بل ويحفظه عن ظهر قلب، لذا فقد كان مبرراً أن يلقي بما جمعه من أسماك في ذلك اليوم القريب إلى مياه القناة، ويهرع للانضمام إلى آلاف من أبناء مدينته، هؤلاء الذين خرجوا في مسيرات حاشدة، طافت شوارع المدينة وهي تحمل ما اسماه الشباب علم الاستقلال، في أقوى صرخة احتجاج على ما شهدته مدينتهم من غبن على مدار الأسبوع الماضي .
هم أنفسهم الشباب الذين خرجوا بعد دقائق من انتهاء خطاب الرئيس مرسي، الذي أعلن فيه فرض حالة الطوارئ وحظر التجول على المواطنين من أبناء مدن القناة لمدة 30 يوما، بسبب أعمال العنف التي أدت إلى مقتل تسعة على الأقل في السويس، وشاب في الإسماعيلية و40 في بورسعيد برصاص رجال الشرطة، ومسلحين مجهولين أثاروا الذعر على دراجات بخارية في المدينة الباسلة .
كل شيء في بورسعيد كان ينبئ طوال الأسبوع الماضي بأن شيئاً خارقاً سوف يغير شكل المدينة من دون رجعة، المحال مغلقة والشوارع هجرها المارة، ونوافذ قليلة أضيئت، ومقاه نادرة فتحت أبوابها أمام روادها، بينما يرقب الجالسون وهم ينفثون دخان الشيشة، ما تظهره شاشات التلفزيون من صور لمدينة محطمة، ترضخ تحت وطأة جرحين، بينما تعلو وجوههم علامات الدهشة حينا، والغضب حيناً آخر .
جرح كبير في المدينة يظهر بوضوح في ملابس النساء اللاتي ارتدين السواد، حداداً، ليس فحسب على من قتلوا غيلة، وإنما على 21 شاباً، أحيلت أوراقهم إلى المفتي تمهيداً للحكم بإعدامهم، لتتحول المدينة إلى ساحة عزاء كبيرة .
جرح أكبر يظهر على وجوه السكان خاصة كبار السن منهم، بسبب تحول محاكمة المتهمين بقتل 72 شاباً في مباراة كرة قدم، إلى محاكمة لمدينة كاملة، أصبحت تواجه العزل الشعبي وحالة من الكراهية لاسمها وأهلها، هؤلاء الذين سعوا على مدار الأسبوع الماضي للدفاع عن أنفسهم بتذكير المصريين بتاريخ نضالهم، في صد العدوان الثلاثي في العام ،56 وبالمقاومة الشعبية بجوار قوات الجيش النظامية .
تفاصيل يوم دموي عاشته المدينة الساحلية طوال نهار السبت 26 يناير الماضي، انتهى إلى سقوط 31 قتيلاً، وأكثر من 312 مصاباً في أعمال عنف، اندلعت في محيط سجن بورسعيد الذي يحتجز فيه المدانون الصادرة في حقهم الأحكام، لتشمل أيضا قسمي شرطة العرب والشرق، في أصداء الحكم بإحالة أوراق 21 من المتهمين في قضية أحداث استاد بورسعيد التي وقعت العام الماضي، وراح ضحيتها 72 من مشجعي النادي الأهلي، إلى المفتي .
وكان بين القتلى اثنان من أفراد الشرطة أحدهما ضابط سقطا خلال تأمينهما سجن بورسعيد من الأهالي الغاضبين فور النطق بالحكم، كما قتل في أعمال العنف اثنان من لاعبي كرة القدم، هما حارس مرمى النادي المصري البورسعيدي السابق تامر الفحلة ومحمد الضظوي وهو لاعب في أحد الأندية البورسعيدية المحلية .
بحلول ليل السبت صمت صوت الرصاص الذي سمع طوال النهار بشوارع بورسعيد، وخلت الشوارع من المارة وقل عدد السيارات بعد أن كانت الدراجات البخارية تجوب الشوارع وتثير الذعر بين السكان، وكأن بورسعيد قد اختارت أن تعيش في حالة حظر تجول اختيارية دون أن يعلنها قانون طوارئ أو حاكم عسكري، وقرر محافظ الإقليم منح العاملين بالمصالح الحكومية إجازة، ومنحت جمعية المستثمرين إجازة للعاملين في مصانع المنطقة الحرة للاستثمار .
صباح يوم الأحد خرجت المدينة وقد ارتدت السواد بأكملها لتشييع الضحايا، اتشحت النساء بالسواد، ورجال غاضبون يتناقلون نعوش الضحايا على أكتافهم، في طريقهم إلى المقابر، دون أن يعلموا أن المشيعين أنفسهم سيقع منهم ضحايا لأعمال عنف اندلعت أثناء الجنازة، بعدما ألقيت على المشيعين قنبلة غاز مسيل للدموع من خلف بوابة ناد اجتماعي تابع لوزارة الداخلية، ليقتحم المتظاهرون الغاضبون ناديين متجاورين تابعين للشرطة والقوات المسلحة ويتم نهب محتويات المبنى الإداري وشاليهات سياحية على البحر المتوسط، وسمع دوي إطلاق رصاص من بنادق آلية، مع استمرار إطلاق القنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين دون جدوى .
لينتهي يوم الأحد بخطاب للرئيس يعلن فيه حالة الطوارئ، وفرض حظر التجول . طبيعة مدن القناة من بينها بورسعيد رفضت الحظر، لترفع شعارات ضد النظام وتذكر بأجواء مماثلة أيام العدوان الثلاثي والنكسة وخرجت فتيات بورسعيد قبل رجالها للمشاركة في المقاومة الشعبية .
وجوه سكان المدينة تحمل تخوفاً من المستقبل، كبار السن منهم يرون في أحداث اليوم تشابها مع ذكريات التهجير، ونقل سكان مدن القناة إلى محافظات الجمهورية خوفاً من زيادة القتلى من المدنيين في غارات إسرائيلية على منشآت حيوية قريبة من سكن المدنيين .
الكبار في السن يتحدثون عن العزلة، والعودة إلى شبح التهجير، رغم أنهم يؤكدون على الانتماء إلى الأرض، ولكن أجواء حظر التجول وخوف السكان من الخروج من منازلهم بالنهار خوفاً من الرصاص، جعلهم يتذكرون كيف كانت غارات طائرات الفانتوم الإسرائيلية على المدينة .
إبراهيم سليمان العربي رجل في الستينات من عمره، يربط حال المدينة المغلقة، والشوارع شبه الخالية في النهار بحال المدينة في فترة حرب الاستنزاف، ويقول: الحال الآن يشبه أيام التهجير، الناس خائفون من الخروج من منازلهم، بسبب الرصاص المتطاير في الشوارع، وحتى في تشييع القتلى لم يسلموا من هجوم بقنابل الغاز .
الحاج إبراهيم نفسه تعجب من حال المدينة ليلا بسبب قرار حظر التجول، رغم أنه يرى أن القرار عقاب جماعي لمدن منطقة القناة، حتى شباب المدينة الذين لا يعرفون الكثير عن تفاصيل أيام يتفاخر بها الآباء والأجداد، قرروا أن يحملوا جينات المقاومة، مع جيرانهم في الإسماعيلية والسويس، وهددوا بالانفصال عن إدارة الرئيس مرسي والاستقلال بالمحافظة، في رد فعل عنيف على ما وصفوه بالإفراط في استخدام القوة، من جانب الشرطة المصرية خلال فض المظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت بعد صدور الحكم في قضية استاد بورسعيد .
حالة الاستنفار في مدن القناة جعلت بعض الشباب الغاضبين في الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، يرفعون شعار الكفاح المسلح أسوة بالأجداد، وبأنهم سوف يرفعون سلاحهم على كل من يجرؤ على الاقتراب من قناتهم ومصدر وجودهم، وكأن لسان حالهم يقول: نحن أجدر الناس بالدفاع عن القناة من مؤامرات تحاك ضدها ليل نهار، وبدأت تفاصيلها تتكشف بقرار الحظر الذي تحول إلى مدعاة للسخرية، بعدما أجهضه أهالي القناة بالغناء والمسيرات ومباريات كرة القدم .