يصنف أبو العلاء المعري (973-1057) من عداد هؤلاء المبدعين الكبار، الذين كان لهم حضورهم الفلسفي الفكري الذي يبز إبداعهم الأدبي، فقد ظهرت عليه علامات النبوغ وهو ابن أحد عشر عاماً، من دون أن يعيقه عماه الذي فجع به- وهو في الرابعة من عمره- عن تحصيله العلمي في مجالات الفقه والنحو والصرف، بل والأدب وغير ذلك من أبواب العلوم التي كانت منتشرة في الكتاتيب الدينية التي كانت بمثابة مدارس وأكاديميات تلك المرحلة، بل إن قوة إرادته جعلته يغادر مسقط رأسه -معرة النعمان التابعة لمحافظة إدلب السورية حالياً- إلى حلب وأنطاكية، ليتبحر في المجالات المعرفية التي أحبها على أيدي فقهاء وعلماء آخرين .

وإذا كان أبو العلاء المعري قد أبدع الكثير من القصائد التي باتت تستظهر من قبل مجايليه، وحتى الآن، وراحت تترجم إلى اللغات الحية، منذ ديوانه الأول سقط الزند ومروراً بلزومياته، لتكون رسالة الغفران أحد أهم الكتب الكثيرة التي أبدعها، فإن إبداعاته لا تزال محتفظة بقيمتها الأدبية الفكرية، وتجاوزت دائرة تأثيرها حدود لغتها، إلى تلك الدرجة التي يتم فيها الحديث عن أن دانتي (1265-1321) قد تأثر في كوميدياه الإلهية بهذا الكتاب، لاسيما أن هناك الكثير من التناصات بين هذين السفرين الإبداعين .

وعرف أبو العلاء المعري أنه كان صارماً في رؤيته الفكرية، حتى مع نفسه، بل إنه من هؤلاء الذين لايتركون أية فجوة بين النظرية والتطبيق . ومن أوجه ذلك أنه كان من المناصرين لما يسمى اليوم بحقوق الحيوان، وهذا ما دعاه لأن يتحول إلى من يسمون بالنباتيين، فلم يتناول على امتداد خمسة وأربعين عاماً اللحوم، ولذلك فإن قصيدة أبي العلاء نفسها كانت لوحة من الجمال والرؤيا والإبداع، من دون أن تتخلى عن فلسفته الحياتية، ولعل قصيدته التي يقول فيها خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد التي قالها لمن حوله بعد فجيعته بأحد أقربائه، تقدم رؤية كاملة، لثنائية الحياة من منظور فيلسوف ومفكر، عبر شعرية تحقق معادلتها الإبداعية على أكمل وجه .

تمتع المعري بالحظوة والاحترام في مجتمعه، قبل نحو ألف سنة، بالرغم من أن الكثير من آرائه كانت عبارة عن اجتهادات خاصة به، حيث عومل على أساس أنه ذو رؤية، وكان من الممكن التوقف عند بعض الجزئيات التي طرحها لإلحاق الأذى به، إلا أن ذلك لم يحدث، وحظي بتقدير وحب الناس من حوله، انطلاقاً من حضوره الإبداعي والمعرفي، بيد أن اعتداء بعض الظلاميين عليه، قبل أيام وهو في مرقده، وبعد كل هذه العقود على رحيله، وذلك من خلال قطع رأس التمثال الذي شيّد تكريماً له، إنما هو تحد للفكر، والتاريخ، والإبداع، وإساءة لمفهوم ثورات الربيع العربي، وانقلاب عليها، وتشويه لجوهرها، ما يدعو لقرع الأجراس والذعر والخوف من رسالة الإنذار الكبرى من قبل هؤلاء الجهلة، الأبعد عن فهم حركة التاريخ، ونبض الثورات، والفكر، والوطن، والإنسان .

[email protected]