عادي

"السبخات" أرض الملح

تتشكل تبعاً لتغير المناخ وظروف البحر والرياح
01:19 صباحا
قراءة 6 دقائق

تكثر السبخات في الإمارات نتيجة التنوع البيئي، وهذه الأراضي تتواجد حسب ظروف مناخية معينة وتغيرات جغرافية تتضح تفاصيل تكويناتها وأماكن تواجدها وأنواعها في هذا الموضوع .

يشرح د . رياض حامد دباغ، مستشار جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا ماهية السبخات ومكوناتها وأماكن تواجدها قائلاً: السبخات موجودة على امتداد الساحل الشرقي للدولة، وهي عبارة عن أراض تحتوي تركيزات من الأملاح الذائبة المتعادلة وتؤثر بشكل ضار في نمو المحاصيل وتكون موصلة للكهرباء، وتحتوي على نسبة عالية جداً من الصوديوم وتتكون في الأراضي الجافة وشبه القاحلة ابتداء من المناطق الساحلية في أبوظبي وعجمان ورأس الخيمة ودبي والشارقة .

ويطلق على السبخات أيضاً اسم الأراضي القلوية وفيها أملاح متعددة كالصوديوم والكالسيوم والمغنيسوم والبوتاسيوم والكلوريدات والكبريتات والبيكربونات والنترات والبورون بشكل ثانوي، وتعيش فيها كائنات مجهرية ميكروبية وقشرية تتكيف مع الوسط الملحي الذي يميز هذه السبخات . ونظراً لشدة الحرارة والتبخر، تبقى الأملاح متراكمة على الأرض وتصبح التربة غير صالحة للزراعة، ويستفاد منها حالياً في استحداث طرق لمعالجة التربة وتبديلها بأخرى، أو تستخدم مثل هذه المناطق للعمران .

يُعّرف المهندس عماد سعد المستشار البيئي لجمعية أصدقاء البيئة، السبخات الصحراوية موضحاً أنها أراض منخفضة ومستوية تتعرض لمعدلٍ عال من تبخر المياه وهي غنية بالأملاح نتيجة تبخر محتواها المائي وينتج عن هذا التبخر تجمع الأملاح المختلفة بتراكيبها الكيميائية التي تشكل في النهاية طبقة ملحية تشكل القشرة الصلبة للسبخة .

ويقول: تتشكل ظاهرة السبخات بفعل البحر من ناحية الرياح والظروف المناخية الحارة الجافة من ناحية أخرى كما أنها تتباين في كيفية تكوينها ومكان تواجدها، فقد تكون على الساحل أو بالقرب منه فتسمى السباخ الساحلية وقد تتكون نتيجة الصرف السطحي للمياه بواسطة وديان في المناطق المجدبة، فتسمى سباخ الوديان، كما قد تنشأ بين الكثبان الرملية والكتل الصخرية في الأحواض المنخفضة في الصحاري فتسمى السباخ الداخلية، كما أنها تختلف في لونها عن بقية الأراضي المحيطة بها وذلك بسبب درجة الملوحة وتعطيها شوائب الملح اللون الذي قد يكون أبيض أو رمادياً أو أصفر أو أحمر، ويبدو ملح الطعام أبيض اللون ولكنه في الحقيقة يتكون من مكعبات صغيرة شفافة .

ويتابع حديثه عن خصائص وميزات ومكونات السبخات قائلاً: تشترك جميع السباخ في خصائص معينة وعلى الرغم من كونها تقتصر على المناطق الجافة والقاحلة إلا أن سطحها يكون دائماً قريباً من مستوى المياه الجوفية أي على عمق متر واحد عادة، ومن أهم مزاياها السبخات ملوحة تربتها ومياهها القريبة، وتراكم فوق بعضها بعضاً، إضافة إلى عدم التجانس وتغير الخصائص في الاتجاهين الأفقي والرأسي، ويضيف تؤدي عملية الجاذبية الشعيرية إلى جذب المياه الجوفية إلى سطح السبخة، وتتبخر حال وصولها إليه نتيجة لتعرضها إلى درجات الحرارة العالية، وتتسبب هذه الظاهرة في ترسب الأملاح الذائبة في المياه الجوفية المتبخرة، ومن ضمن هذه الأملاح كربونات الجير والجبس التي تترسب على شكل كلوريد الصوديوم أو ملح الطعام وكبريتات الكالسيوم وتشكل هذه الأملاح كتلة صلبة غير نافذة تمتد إلى ما يقارب النصف متر تحت السطح . كل هذه المكونات تؤثر في عملية نمو النباتات على هذا السطح بسبب ملوحته العالية ووجود القشرة الملحية الصلبة وإضافة إلى ذلك، فإن هذه القشرة تمنع تسرب المياه السطحية إلى التربة مما يؤدي إلى تجمعها بعد سقوط الأمطار، وتتبخر هذه المياه بعد فترة زمنية تاركة طبقة ملحية ناصعة البياض .

وعن المناطق التي تكثر فيها السبخات، يقول سعد: تنتشر التربة السبخة في الإمارات في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي على وجه الخصوص، كما توجد في بعض المناطق الداخلية، حيث تكثر في المناطق منخفضة المنسوب والمستوية السطح والأكثر تأثراً بالمد كما هو الحال في منطقة أبوظبي بين رأس غناصة شرقاً، وبلة طريف غرباً ومنطقة سبخة مطي، أكبر هذه السبخات، في أقصى القسم الغربي من هذه السهول . وعموماً فإن السبخات أرض قاحلة يصعب المرور فيها وخصوصاً في أعقاب هطول الأمطار التي تحيلها إلى مستنقعات فيستحيل عبورها، وتغطى بطبقة تخدع الذين يقبلون على اجتيازها عن عدم دراية فيقعون في مصيدتها إلا أنه توجد بعض المسالك والدروب البدائية التي يعرف أبناء المنطقة أسرارها فيمرون منها بسهولة وسلام . وتبعاً لتغير المناخ وظروف البحر وسرعة الرياح تزداد رقعة تشكل السبخات، وعن ذلك يقول سعد: عندما تتعرض المسطحات المائية الساحلية الضحلة وكذلك أجزاء واسعة من مسطحات السبخات الساحلية في الصيف لظروف المناخ الحار الجاف والتبخر الشديد وعند هبوب الرياح الشديدة من اتجاهات متعددة تنشط الأمواج ويزداد ارتفاعها وسرعتها، ومن ثم تغطى مياه البحر أجزاء واسعة من هذه المسطحات خاصة عند حدوث المد العالي حاملة معها كميات هائلة من الرواسب التي تنقلها الأمواج خاصة الرواسب الدقيقة الحجم الطافية والعالقة في كتلة مياه التيار البحري السطحي . وتتجمع هذه الرواسب على طول شواطئ المسطحات المائية وفي أرضية قنوات المد وفوق أرضية هذه السبخة تبعاً لانخفاض منسوبها وينتج عنها تركز الأملاح والقشور السطحية والأصداف الجيرية والقلنسوات الملحية في بقاع متناثرة من المسطحات المائية الضحلة والمنخفضة القريبة من مستوى سطح البحر على شكل سبخات ومستنقعات تنتشر فوق السطح هذا إلى جانب شيوع رواسب المتبخرات .

جمال شكل السبخات بالنسبة لعبد الله بن طوق، مصور إماراتي متخصص في تصوير المناظر الطبيعية، يتجلى من خلال التقاط تفاصيلها بعد التبخر وبروز التشققات التي تعطي للصورة جمالاً خاصاً ويقول: السبخة الصحراوية منطقة طينية وإذا هطلت عليها الأمطار تصبح مثل الواحات أو البحيرات وتوجد بشكل نادر في الصحراء وتتشكل حسب تضاريس المنطقة وتكويناتها الجغرافية، مثل غدير المسند، هي منطقة في الشارقة تتكون فيها السبخات، ويوجد في أم القيوين سبخات متنوعة، وأجمل ما تتميز به السبخات التشققات والعروق التي يتركها تواجد المياه عليها فشدة الحرارة وعمليات التبخر شكل هذا المنظر الجميل وأحياناً تنمو نباتات عشبية صغيرة تعطي للصورة أبعاداً فنية، فأنا أعشق تصوير الصحراء وتفاصيل ما ينمو عليها، لأنها لقطات فريدة ومميزة تعكس الجمال الخفي لها .

وعن المعادن والرواسب التي تنقلها أمواج البحر يقول د . عثمان عبد الغني، أستاذ مشارك في قسم الجيولوجيا بجامعة الإمارات: السبخة هي أرض رملية تحتوي أحياناً على الغرين والطين ويكثر بها معادن المتبخرات مثل ملح الطعام والجبس مما يجعلها تكتسب اللون الأبيض . وتتشبع هذه الأرض بالمياه المالحة مما يزيد من رخوتها ويصعب السير عليها، وعند تبخر هذه المياه تترسب معادن المتبخرات مما يجعلها أرضاً قاحلة، وتبدو السبخات كالمستنقع الذي تكاد تجف مياهه ويزداد الأمر تعقيداً في أعقاب هطول الأمطار التي تحيل السبخات إلى مستنقعات لا يمكن عبورها .

ويضيف: هناك نوعان من السبخات التي تتباين في كيفية تكونها كالساحلية (Coastal Sabkhas) التي تتكون على الساحل أو بالقرب منه وعندما تتعرض السبخات الساحلية لهبوب الرياح الشديدة ونشاط الأمواج العالية السريعة فتغطي مياه البحر أجزاء واسعة من هذه المسطحات خاصة عند حدوث المد العالي حاملة معها كميات هائلة من الرواسب التي تنقلها الأمواج خاصة الرواسب الدقيقة الحجم الطافية والعالقه في مياه التيارات البحرية السطحية وتتجمع هذه الرواسب على طول الشواطئ وفوق أرضية السبخات وينتج عنها تركز الأملاح والقشور السطحية والأصداف الجيرية، أما السبخات الداخلية (Inland Sabkhas ) فهي تتكون بعيداً عن الساحل في الأحواض المنخفضة بالصحاري ويقترب فيها منسوب المياه الجوفية من مستوى سطح الأرض .

مطي بين الأكبر عالمياً

تجذب سبخات الإمارات انتباه العلماء من جميع أنحاء العالم نظراً لأنها تعتبر النموذج المثالي لترسب الكربونات والمتبخرات معاً، حيث تكثر السبخات بدولة الإمارات في المناطق المنخفضة والمستوية السطح والأكثر تأثراً بالمد، كما هي الحال في غربي جزيرة أبوظبي . وتعتبر سبخة مطي من أكبر السبخات على مستوى العالم حيث تشكل مثلث قاعدته موازية لساحل الخليج العربي، وهي تجمع في صفاتها بين السبختين الساحلية والداخلية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"